رسالة في التسامح العاطفي

الاثنين 2014/12/29

كانت مجرد مغامرة عاطفية عادية في مراحل عمرية سابقة جمعت الباحث الأمازيغي المغربي أحمد عصيد بالشّاعرة الأمازيغية مليكة مزان، لكنها أصبحت على حين غرة قضية رأي عام وطني مغربي، تتداولتها شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، ثم سارت بذكرها الرّكبان كما يقال. في كل الأحوال ثمّة ملاحظتان:

أوّلا، بالنظرة القانونية فإن الملف فراغ بالكامل، سواء تعلق الأمر بالتفاصيل، أو بتفاصيل التفاصيل، لا شيء يستحقّ كل هذه الضجة والرجة.

ثانياً، ينحصر جوهر الحكاية في مجرّد علاقة عاطفية، قد تكون “معقدة” بالفعل، وربما “متسرعة” لم لا؟ لكنها في الأساس – ولكي لا ننسى هذا – علاقة عاطفية بكل ما تحمله وتحتمله العاطفة من أهواء قد نريدها وقد لا ندريها. ثم أنّها علاقة عاطفية بين شخصين بالغين راشدين عاقلين وبرضاهما التام.

وحتى لو افترضنا أن الرضا يقهره الهوى، فهذه حجة لنا بأن الأمر شخصي إلى أبعد الحدود. غير أن الهوى الفضائحي هب عاصفا فجأة، فاختلطت الأوراق وتداخل الجانب الشخصي مع الجانب العمومي، ونسيَ الجميع الدّرس الأساس، درس حنّا أريندت: حين يختلط المجال العام بالمجال الخاص، حين ينهار جدار الفصل بين الحياة الخاصة والحياة العامة، حين تصبح همسات السرير ثرثرة في رحاب الشأن العام، حين لا يقوى الناس على التمييز بين ما لقيصر وما للهوى، فإنّ أنظمة الطغيان تنمو وتزدهر. لا ننسى أيضاً الدّرس الآخر، درس ميشيل فوكو، السلطة ثاوية في ثنايا كل العلاقات. هذه المرّة خرجت قضية الكاتب والشاعرة عن الإطار الخاص إلى الثرثرة العمومية.

صحيح أنّ الشاعرة العاشقة اختارت في لحظة غضب جارف أن تحرق كل شيء، لكنّ الأصح أنّ القضايا العاطفية لا تتحوّل إلى فضائح إلا إذا وجدت أمامها رأيا عاما فضائحيا مهجوسا بـ“أسرار الناس”.

في غضون الضجة شحذت السيوف وغطت ظلالها على أوضح البداهات: لا سلطان على الهوى. بعض السيوف شحذ في وجه الكاتب “الكاذب”، وبعضها الآخر في وجه الشاعرة “العاهرة”، وفي كل الأحوال فقد أخذت المسألة حجماً أكبر ممّا تحتمله كل نظريات الحق الطبيعي. وهل هناك أمتع من الجنس موضوعا للفضائح؟

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سرعان ما أصبحت الورقة التي كتبها أحمد عصيد بخط يده – على سبيل الدعابة كما يبدو – ويشهد فيها باسم أحد آلهة الأمازيغ القدامى على صحّة زواجه من الشاعرة مليكة مزان، دليلاً على ردّة الرّجل إلى الديانات القديمة، فضلا عن فسقه ومجونه.

مجمل الحكاية أنّ الشاعرة لم تقبل بأن يكون عشيقها الكاتب مجرّد “عابر سرير” إذا ما استوحينا أحد عناوين أحلام مستغنامي. هذا الشوق الحارق يعرفه الكثيرون، وهو أيضا لا يحيد عن الشرط الإنساني، لكن القليلين من يبوحون به. هذه المرة، لم تكتف الشاعرة بمجرد البوح، فقد جازفت برفع السقف إلى الأعلى لتساوم معشوقها عبر قصيدة شعرية منشورة ومهداة إليه، تخيّره بين العودة إلى سريرها، أو كشف بعض “أسراره” عبر وسائل الإعلام.

كان الحس السليم يقتضي بأن نتعامل مع قصيدة الشاعرة كحالة إبداعية مفعمة، نناقشها على هذا الأساس، ونتساءل بصددها هل ترقى القصيدة إلى مستوى القول الشعري أم لا؟ هذا ما لم يحدث. أهملنا الثمرة وبقينا نحفر في جدع الشجرة.

ودعنا نقول الآن، بصرف النظر عن شعرية القصيدة، فإنها حملت رسالة صريحة فصيحة، صرخة معشوقة مغدورة تخير عشيقها بين السرير والنّار، منطوق الرسالة يبوح بالقول: عد أيها الكاتب إلى السرير الذي اشتاق إليك وإلا فضحت “أسرارك” عبر وسائل الإعلام! صرخة مدوية لامرأة تحترق شوقا، امرأة تنتظر المواساة وتستحق منا كل الاحترام.

رغم ذلك لم يكن عصيد مذنباً في أي شيء. أوليس ينطبق علينا قول محمود درويش، عابرون في كلام عابر؟ من يزعم لنفسه غير هذا العبور العرضي، حيث لا يبقى غير أثر العبور؟ بعض الآثار ترسم جرحا غائرا لا يبلسمه الزمن، لكن، لا خيار آخر لنا سوى أن نتحمل الوجع ببعض الكبرياء الإنساني، فجميعنا مجرد ضيوف بين قلوب متقلبة. وكم تبدو معبرة هذه اللغة العربية؛ فلربما سمي القلب قلبا لأنه شديد التقلب.

هذا هو الشرط الإنساني في عمقه وعلينا أن نقبله على ذلك النحو. أكثر من ذلك نقول، حتى الوفاء في الواقع يحتاج إلى خيانات في الخيال. هذا يعرفه العارفون بالأحوال، لكن يعرفه الأطفال أكثر لأنهم فطريون رائعون، يبنون قصورا من الرمل على الشاطئ ثم يهدمونها بنشوة شبقية بريئة.

فعلا، كان أمام الشاعرة ملكية مزان خيار آخر، أن تبدع، أن تفرغ عذابها في قوالب فنية عذبة. فهي في الأول والأخير شاعرة. لكن يبدو أنّ ما تحمله في جوارحها من لهيب ربما فاق قدرتها على التحمّل أو التفريغ الإبداعي. ثم ماذا فعلت؟ نشرت على صفحتها بالفيسبوك، الورقة التي كتبها الكاتب الأمازيغي أحمد عصيد بخط يده – في ظروف مزاجية غامضة – والتي يشهد فيها باسم إله الأمازيغ القدامى، أكوش، على صحة زواجه بالشاعرة المذكورة. وماذا عسانا نقول الآن؟ لنكتف بالقول إنّ تلك النازلة “المعقدة” عاطفيا، لا تعني الفضاء العمومي في أيّ شيء.

لكنّ السؤال الأهم عندنا هو كالتالي: كيف تعامل الرّأي العام مع الحدث؟ لقد كانت النازلة امتحاناً عاطفيا لنا جميعا، لكنه امتحان أخفقنا فيه بدرجة سيء جدا. كانت امتحانا لمدى استعدادنا للتسامح مع هفواتنا الغريزية، مع أهوائنا الإنسانية، مع زلاتنا العاطفية، مع حماقاتنا الوجدانية، والتي تندرج في الأساس ضمن الشرط الإنساني، وضمن الأمور التي هي أقوى منا كما يقول الغربيون، أو الأمور التي لا حول ولا قوة لنا فيها كما يقول المسلمون.

درس كبير من فلاح صغير: في مدينة زرهون المغربية، قرب مدينة فاس، قبل نحو عقدين من الزّمن، التقيت بفلاح مغربي روى لي حكايته: كان الرجل متزوجا بامرأة يهودية أنجب منها خمسة أبناء، وفجأة تخلت المرأة عن الجميع بعد أن وقعت في غرام رجل يهودي هاجرت معه إلى إسرائيل.

كنت أصغي إليه وأنا أبحث في نفس الوقت عن الأسلوب الأنسب حتى أواسيه، فإذا به يقدم لي الدرس الذي لن أنساه، قال لي: نعم، غضبت أوّل الأمر، لكني بعد سنوات أصبحت مستعدا لأنّ أسامحها. يجب أن نعترف بأن بعض الأمور تبقى أقوى من طاقتنا. فعلا، لا سلطان على قلب الإنسان.

الدرس الأخير: سواء تعلق الأمر بالتسامح في التجربة الصوفية الإسلامية، أو بالتسامح في التجربة الحداثية الغربية، ففي كلتا الحالتين نجد نفس الفرضية التي ترى بأن كل، أو جلّ، أفعالنا خاضع لمنطق الضرورة، تلك الضرورة التي قد تكون طبيعية لكنها تحمل في نفس الأثناء نفحات إلهية (ابن عربي، سبينوزا، هيغل، مثلا) ومن ثم لا يسعنا إلا أن نتسامح مع أفعال تظل خياراتنا أمامها محدودة.

هنا تكمن المفارقة الأنطولوجية لتأسيس قيم التسامح والحرية سواء في التصوف الإسلامي أو داخل الحداثة الغربية. مثلا، فإن المثلي جنسيا لا يختار ميوله الجنسية أو العشقية. هذه المسلمة يقبلها الصوفي بمنطق الحتمية الإلهية، ويقبلها الحداثي بمنطق الحتمية الجينية.

والنتيجة في الحالتين معاً أننا لا يجب أن نلوم الناس فيما لا سلطان لهم عليه. نعرف أيضا أن التحليل النفسي يدعم فكرة أن خياراتنا محدودة حتى في المسائل التي قد تخضع لسلطة العقل، فما بالك بالمسائل التي ليس عليها من سلطان، وعلى رأسها المسائل العاطفية.


كاتب مغربي

9