رسالة مغناة إلى المتشددين التوانسة الذين أحرقوا مقامات الأولياء

الخميس 2013/07/25
في حضرة الجزيري: حضر التيه وغابت الفرجة المسرحية

تونس-الإنشاد الصوفي، مدارس وتنويعات موسيقية مختلفة، غناء يكاد يكون معمّما على سائر رقعة الوطن العربي من الماء إلى الماء. غناء تختلف في تسميته الأقطار من الابتهاجات إلى الإبتهالات إلى الدراويش والروحانيات والمولد ونحوها من التسميات، التي وإن اختلفت، تبقى النتيجة واحدة الابتهال إلى الله ورسوله وصحبه وأوليائه الصالحين.

تتعدّد طرق الغناء الصوفي في تونس من «العزوزية» إلى «القادرية» و«التيجانية» مرورا بـ«الشاذلية» و«السلامية» وصولا إلى «الحضرة» أو «حضرة» الفاضل الجزيري المسرحي بالأساس والطُرقي بامتياز. «حضرة» جمعت كل الطرق الغنائية الصوفية المتاحة هنا، «حضرة» لها اليوم من العمر زهاء العقدين، فالعرض الأول لها كان سنة 1992، والثاني سنة 2010، ولأنّ الرقم ثلاثة رقم كامل شامل كانت «حضرة» الجزيري 2013 بمسرح قرطاج الدولي في دورته التاسعة والأربعين لهذا العام.

قبل البدء

عرض «الحضرة 2013» انتظره كثيرون من موسيقيين ومهنيين، وخاصة من الجمهور العريض الذي غصّت به مدرجات المسرح الروماني بقرطاج ليلة الخميس 18 يوليو/ تموز الجاري.

هذا الاهتمام والانتظار مردّه أمران أساسيان: اثنان منهما قديم وثالثهما جديد، فعن القديم عرفت «حضرة» الجزيري بدايات التسعينات استحسانا منقطع النظير وإقبالا جماهيريا غفيرا أينما حلت بتونس ومحافظاتها الـ24 أو بالخارج، الأمر الذي جعلها تواصل عروضها على امتداد عقد ويزيد من الزمن، فعلقت بذاكرة الجماهير أغان عديدة على غرار «يا بلحسن يا شاذلي» و»نادو لباباكم يا فقرى» و»يا فارس بغداد» و»جارت الأشواق» و»سلام الله على ابن مريم»، «والليل زاهي» الذي أبدع في آداءها نور الدين الباجي وأيضا «على الله دلالي» التي تفوّق فيها كريم شعيب.

ثاني القديم أنّ الجزيري قدّم «حضرته» سنة 2010 على نفس الخشبة، أي قرطاج، برؤية مغايرة ومعاصرة بحسب تصوّره لم تلقى الاستحسان نفسه من الجماهير العريضة، الأمر الذي جعل المشروع يولد ميتا وهو في المهد، بحسب نقاد وموسيقيين.

الثالث الجديد، هذه المرّة أنّ الجزيري عاد الآن وهنا بـ»حضرته» لغايات وسياسات، فقد صرّح في أكثر من مناسبة قبل العرض أنه سيقدم من خلال «حضرة 2013» رسالة سياسية لكل المتشدّدين الذين أحرقوا العديد من الزوايا والأضرحة والمقامات لأولياء تونس الصالحين في حركة غير مسبوقة ما بعد ثورة 14 جانفي/ يناير 2011، أو بتوقيت أدق إثر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011. مؤكدا على أنّ حرق مقام سيدي بوسعيد الباجي استفزه سياسيا، مما شجّعه على إعادة عرض «الحضرة» حتى يوضّح للمعتدين مكارم الأولياء الصالحين.

رسائل مشفّرة

«حضرة 2013» أتت في 125 دقيقة من الإنشاد الصوفي تكوّن من ثلاثة أبواب من استهلال إلى ختم، خمس وعشرون قطعة مقدّمة في أداء انفرادي ثم ثنائي، فثلاثي، وجماعي. مشاهد راقصة لدفع حركة المنشدين وجذب لصوت الرّاقصين. مداخلات ومقابلات للأشكال واختصار خفيف للحركة ثمّ تجلّ ومساررة إيقاع وصدى فيه استعلاء وامتداد، ورقصات هي تخطيط لأشكال وأجساد في لباس احتفالي يوحي بحرارة الأبعاد من السّهول إلى الجبال وما بينهما من هضاب وعذاب وتجلي.

جماليا أتى عرض «الحضرة 2013» وفيا لـ»حضرة 1992» وما تلاها من عروض سنوات التسعينات وبداية الألفية، «سناجق» (أعلام) وبخور وشموع وراقصات وراقصين ومنشدين وضاربي دفوف فاق عددهم العشرين من ضمن ثمانين عنصرا من منشدين وراقصين وعازفين و»كونبارس»، أما الأغاني ففيها القديم المحفوظ عن ظهر قلب كالأغاني التي أتينا على ذكرها سابقا، وفيها الجديد الحمّال لمعنى ومغنى مثل التي غناها نجله يحيى الجزيري على طريقة «الجاز» وسط عاصفة من تصفيق الجمهور، أو أغنية «علاش الغيبة» التي غنّاها أحد المنشدين وتعرّض فيها إلى حادثة الاعتداء على مقامات الأولياء الصالحين، فيها تلميح وتذكير بالإجرام في حق الزوايا ومقامات الأولياء الصالحين في كامل تراب الجمهورية التونسية، وما تعرضت له من تدمير وحرق وتدنيس من قبل مجهولين أرادوا طمس المعالم الدينية والرموز الصوفية في محاولة لفرض رؤيتهم المتطرفة لتعاليم الإسلام السمحة، وهذا ما أكده الفاضل الجزيري حول هذه الأغنية بالذات في عدة لقاءات إعلامية سابقة، حيث قال: «الأغنية هي رسالة موجهة إلى السلطة الحاكمة لمزيد الاهتمام بالمقامات والزوايا في كل الجهات، وردع كل من يحاول تدنيسها، فالزوايا جزء من الذاكرة والتاريخ لا يمكن محوها».

الرسائل السياسية كانت بادية في العرض من خلال التصريح حينا والتلميح دائما، فالعرض الذي أتى بشبابيك مقفلة يومان قبل انطلاقه، أثبت من خلاله الجمهور الذي هاج وماج و»تخمّر» مع الأغاني المثمنّة لمكارم الأولياء والصالحين أنّ التونسي محبّ لثقافة الحياة، لا لثقافة الموت والتجريم والتحريم، بل والتكفير أصلا، ومناهض لكل من تخوّل له نفسه إعدام الإبداع والمبدع والتنكيل به، وإن أعلن انتمائه السياسي صراحة كمخرج «الحضرة» الجزيري الذي لم يتوان لحظة عن التصريح بأنّه من أنصار «حزب نداء تونس» المعارض لحركة «النهضة» التي تقود البلاد منذ انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011. هذا على مستوى التصريح، أما بخصوص التلميح، فالألوان كانت عديدة على مستوى الملابس التي وشّحت المنشدين والراقصين على حد سواء، ألوان حارة وحارقة وزاهية، في تغييب للون الأسود، فلا مكان للظلامية في «حضرة» الجزيري وحُضّاره والحاضرين في العرض ليلتها، هي رسالة مشفرّة أنّ تونس ألوان وحياة.

قديم-جديد

الجانب المسرحي كاد يكون غائبا في عمل الجزيري الأخير -على غير عادة المخرج- رغم مساحة الفضاء، فالجنبات الفوقية، أي أسطح كواليس المسرح، لم تستغل بتاتا، وحتى حين تم الاستغناء على المكان المخصّص للكراسي الذي احتله مجموعة من الكوريغرافيين ذكورا وإناثا وأطفالا، قدّموا عروضهم وهم مولين ظهورهم إلى الجمهور في جلسة تجعلهم ملتفين إلى الفرقة المصاحبة على الخشبة، عوض مقابلة الجمهور العريض بوجوههم وأجسادهم وحركاتهم، مما أفرز نوعا من القطيعة بين الباث والمتقبّل للحركات والرقصات.

في النهاية أتت «الحضرة 2013» عبارة عن عرض جديد-قديم، في حفاظ على نفس الأغاني مع قليل من التعديلات على مستوى التوزيع والموسيقى والمنشدين أيضا، ولعلّ أبرز نجوم الحفل إلى جانب كريم شعيب العائد بنفس أغنية 1992، نجد الهادي دنيا الذي أمتع الجمهور بأغنية «على رايس الأبحار».

مزج آلات البندير والدف والطبلة التقليدية بالآلات الغربية على غرار الغيثارة والأورغن جاءت في جزء كبير منها متناغمة مع روح العرض وكأنّك أمام عرض «غوسبال» وما «الغوسبال» إلاّ نمط من أنماط الموسيقى الروحية، لكن بنفس غربي، أو وكأنّك أمام عرض موسيقي لـ»الغنواة» المغربية، عرض جامع لعديد الأنماط الموسيقية بروح صوفية تُعلي راية الهوية التونسية الضاربة في الانفتاح والتلاقح بين الحضارات والثقافات.

16