رسالة من العالم الآخر!

عبر العصور والحضارات الإنسانية، فسّر الناس الأحلام باعتبارها رسائل من الآلهة أو رموزا تحذيرية من العالم الآخر.
السبت 2018/11/24
وقف على مصيره في حلمه

حلم واحد، من بين أحلام كثيرة، كان يتكرر في أوقات متفرقة منذ سنوات طفولتي. ما زالت تفاصيله مطبوعة في ذاكرتي. كنت أقف وحيدة في الحلم في مدينة غريبة؛ شوارعها واسعة خالية من البشر، مكتظة ببنايات رمادية اللون، شاهقة ومخيفة إلى أقصى حد وكنت أدور من شارع إلى آخر بغير دليل وأتطلع إلى البنايات فيها، بينما قلبي يخفق سريعا، وحيدة وعاجزة عن الصراخ أو طلب المساعدة وسط الضباب، كلما حاولت الابتعاد تقدمت خطوات رغما عني وكأن قدماي تأتمران بغير إرادتي.

كف هذا الحلم عن زيارتي منذ سنوات بعيدة، منذ أن قطعت خطوتي الأولى في البلاد الغريبة وما زلت أقف وحيدة أتطلع إلى المباني الرمادية الشاهقة وأحبس أنفاسي، في انتظار المجهول. خمس إلى عشر سنوات أو أكثر هي المدة التي يستغرقها حلم ما ليتحول إلى أمر واقع؛ أحداث سيناريو مرسومة بدقة عالية تحاكي الواقع، خارجة عن إطار ومنطق الأحلام العادية. لا يحصل هذا في كل الأحوال ومع جميع الأشخاص، فالأحلام التنبؤية سمة أو لعنة ترافق صاحبها وربما تنغص عليه حياته أو حياة المحيطين به.

كنت وما زلت واحدة من هؤلاء الذين وسمتهم أياد خفية بالقدرة على قراءة سيناريوهات متتابعة لأحلام تحقق معظمها. هذه ليست مزحة كما أنها لا تبدو مدخلا مناسبا لكتابة قصة خيالية تتحدث عن عالم الماورائيات، كل ما هنالك أنني أشعر أحيانا بالخوف والإرهاق بسبب حلم تنبؤي صادفته في منامي، وما زلت أصرف الوقت في انتظار مجهول لم يفصح عن نفسه بعد.

أما حلمي الذي تحقق بعد عشر سنوات فكان يتعلق بسيدة قريبة إلى قلبي، تكرر هذا الحلم مرارا وكنت أرى شعرها الطويل وقد تساقط بصورة كاملة دون سبب واضح، وبعد مرور السنوات أصيبت السيدة بمرض السرطان وخضعت للعلاج الكيميائي، فتساقط شعرها وتجسدت اللحظة أمامي وكأني ما زلت أراها في حلم كنت أتمنى ألّا يتحقق.

يرى علماء الأحلام أن الأحلام التنبؤية لا يمكن أن تعرف بهذا الشكل إلا إذا تحققت، وإلا فهي شأنها شأن الأحلام العادية لكنهم يعتبرونها في كل الأحوال إشارة أو رسالة مشفرة، يتوجب علينا فك رموزها وغالبا ما يرتبط هذا النوع من الأحلام بالكوارث، الحروب، الحوادث المؤسفة، وربما تشير إلى أرقام معينة قد تتعلق بتاريخ ميلاد أو وفاة أو تاريخ يوم محدد في المستقبل، يشي بوقوع خطب ما. وبصرف النظر عمّا يقوله العلم في هذا الإطار، فإن الناس العاديين ما زالوا يحلمون بأحلام تنبؤية وما زالت أحلامهم تتحقق رغم أنفهم لكنها تبقى في النهاية لغزا محيرا لم يتوصل أحد إلى فك طلاسمه.

ينقل لنا التاريخ بأن رئيس الولايات المتحدة الأميركية السادس عشر، أبراهام لينكولن، رأى في حلمه سيناريو موته قبل أيام من حادثة اغتياله وأخبر بتفاصيل الحلم صديقا له قائلا «قرابة عشرة أيام، دخلت في نوم عميق بسرعة لأنني كنت متعبا ثم بدأت أحلم. سمعت صوت أناس يبكون، ظننت أنني تركت سريري وتجولت في الطابق السفلي.. كنت أتفقد الغرف.. وأبحث عن مصدر الصرخات، لقد كنت حائرا ومذعورا، ما معنى كل هذا؟ ثم وصلت إلى الغرفة الشرقية ودخلتها.. هناك وجدت مفاجأة مقززة؛ كان أمامي نعش داخله جثة بملابس جنازة وحول النعش جنود كالحراس. “من الميت في البيت الأبيض؟” سألت أحد الجنود، “الرئيس، لقد اغتاله قاتل”، كانت الإجابة!».

عبر العصور والحضارات الإنسانية، فسّر الناس الأحلام باعتبارها رسائل من الآلهة أو رموزا تحذيرية من العالم الآخر، كما يؤكد علماء النفس على ضرورة الإنصات لهذه الرسائل وعدم إهمال إشاراتها، فالحقيقة ربما تكون مؤلمة أو مخيفة لكننا يجب أن نتقبّلها.

21