رسالة من الماضي

السبت 2015/06/13

حاول جاك قراءة الكلمات التي اصطفت في سطور مرسومة بعناية دون جدوى، إذ سرعان ما هطلت دموعه الغزيرة حالما فتح المظروف وطالع محتويات البطاقة العزيزة. تلقى الشاب الأميركي أجمل هدية يمكن للمرء أن يحصل عليها في عيد ميلاده الثلاثين؛ بطاقة تهنئة ورسالة من والده المتوفى وكان جاك لينفرت من ولاية أنديانا قد فقد والده عندما كان في سن المراهقة، في العام 1999 أي قبل 16 عاما من تاريخ الرسالة!

الكلمات الرقيقة التي زينت التهنئة رسم عليها صورة كارتونية لكلب ظريف كان يقول “أنت في الثلاثين، هل تعرف ماذا يعني هذا؟”.

“مضى وقت طويل منذ أن اعتدت على فكرة غيابه عن المنزل، عشت من دونه أكثر سنوات حياتي، لكن كلماته التي قفزت فجأة في وجهي أعادت لي تلك اللحظات المضيئة من طفولتني… فبكيت من الذكرى والفرحة… والدي ما زال رائعا ومحبا حتى بعد مرور كل هذه السنوات على رحيله”، كتب الولد ذو الثلاثين عاما وهو يرثي والده مرة أخرى بعد أن تفتقت جروحه.

أكثر ما يسترعي اهتمام الأهل وتفكيرهم عندما يلوّح لهم شبح الموت من بعيد، هو الإرث الذي سيتركونه لأبنائهم لتأمين مستقبلهم ولتطمين مخاوفهم ليناموا – بعد ذلك – قريري العين في مثواهم الأخير، لكن والد جاك أطلق حدود نظراته إلى أبعد من ذلك، فقرر أن يزرع حبه وعاطفته في أصيص من الذكريات لتكون في متناول طفله ليغرف منها متى ما شاء حبا وحنانا وذكريات عذبة. كان الأب قد قاوم الآلام المبرّحة في رحلة علاجه مع السرطان وكان “الموت يهمس باستمرار في أذنه: عش، فأنا في طريقي إليك”، مثلما كتب يوما مواطنه الأميركي أوليفر هولمز، ومع ذلك فقد منحه المرض فسحة قصيرة من الزمن ليترك لصغيره إرثا كبيرا، من محبة وعطف.

مرحلة الاحتضار الطويلة، محنة كبيرة وفجيعة ربما تتغلب على فجيعة انتظار الموت ذاته حيث يمر شريط الحياة مرورا سريعا ومكتظا بالأحداث والذكريات، بعضها لا يخلو من ألم أو ندم، مع بصيص فقير من أمل ولهفة وقلق على أناس أعزاء ربما سنتكرهم خلفنا يتخبطون في دروب الضياع، دون أن نملك لهم غير عجزنا وقلة حيلتنا واستسلامنا لقدرنا.

استطاع الروائي غابريل غارسيا ماركيز، أن يلاحق هذا الخيط الشفيف من ألم الرحيل الوشيك بعد إصابته بالمرض القاتل، فكان يقول “آه لو منحني الله قطعة أخرى من الحياة! لاستمتعت بها ـ ولو كانت صغيرة ـ أكثر مما استمتعت بعمري السابق الطويل، ولنِمْتُ أقل، ولاستمتعت بأحلامي أكثر، ولغسلت الأزهار بدموعي، ولكنت كتبت أحقادي كلها على قطع من الثلج، وانتظرت طلوع الشمس كي تذيبها، ولأحببت كل البشر. ولما تركت يوما واحدا يمضي دون أن أبلغ الناس فيه أني أحبهم، ولأقنعت كل رجل أنه المفضل عندي”.

لكن الحروب والصراعات التي تتسرب مثل سيول البراكين إلى نسيج حياة المدنيين اليومية، لا تمنح مثل هذه الفرص النادرة، حتى أن الآباء والأمهات صارت تدوسهم آلة الدمار فيرحلون دون أن يتركوا خلفهم سوى غيوم من دخان وخيوط من دماء، يرسمونها على الأسفلت الساخن، مثل خرائط تحدد مسار الأيام المقبلة، خرائط لا تدل على شيء سوى الضياع والمجهول لأبنائهم.

21