رسالة من "مقبرة الأنكليز" في البصرة: القتلى يتظاهرون ضد الأحياء

الثلاثاء 2014/08/05
علاء شاكر استغل صوت الموتى، للكشف عن هذا العالم الغريب

يلجأ العديد من الروائيين العراقيين إلى تغييب الواقع التسجيلي خلف حجاب كثيف من عالم مفترض، يغلب عليه الخيال، وتسرد أحداثه بطريقة عجائبية، في تقنية روائية تتحول فيها الوقائع التسجيلية إلى وقائع روائية، مكتفية ببنيتها وشخوصها وأحداثها.

في رواية الكاتب العراقي علاء شاكر “مقبرة الأنكليز”، تسرد الأحداث بلسان الموتى، أو القتلى الذين تعرضوا للتصفية الجسدية من قبل أشخاص مجهولين، وقد جعل الكاتب الموتى يتحدثون مع بعضهم، وقطع صلتهم بالأحياء، فكل الحوارات والمشاهد والسرد هي من قبل الأموات، ومن خلالهم يظهر الأحياء. إنه عالم الموتى، والمفروض أن نبحث عن أسباب اختيار القاص لهؤلاء القتلى ليتصدروا المشهد، وليتحكموا في حركة السرد وأحداثه المأساوية.


أدب الغرابة


تصنف رواية مقبرة الأنكليز ضمن أدب الغرابة، على الرغم من لغتها المألوفة، فالغرابة نوع من الخيال المرتبط بالخوف وانعدام الأمن والوحشة والتوجس،إنها باختصار خيال الوحشة، وليست خيال التفاؤل والبهجة وأحلام اليقظة.

«يكمن جوهر الغرابة في الحياة وفي الفن والأدب في تلك العلاقة التي توجد بين الموت والحياة، وكذلك في آلية التكرار في انتفاء الألفة وغياب الشعور بالأمن وحضور الخوف في الحياة (….) والأكثر غرابة من هذه الغرابة نفسها أن تتحول الأشياء التي كان ينبغي النظر إليها على أنها غريبة إلى أشياء عادية ومألوفة»، وهو ما يتوفر في هذه الرواية.


صوت الموتى


يبدو السارد الأول في الرواية شخصية ضعيفة، لا دور لها سوى سرد أحداث موت أشخاص آخرين كما أن سبب قتله لم يكن واضحا، في إشارة دالة على أن القتل لم يكن على أساس صراع المصالح كما هو حال الإشارات الدالة التي يكرسها عنوان الرواية “مقبرة الأنكليز” فالقتلى فيها جنود بريطانيون، جاؤوا بهدف احتلال بلد اسمه العراق.

غرابة خيال مرتبط بالخوف وانعدام الأمن والوحشة، إنها باختصار خيال الوحشة، وليست خيال التفاؤل والبهجة

تشير الدلالة هنا على أن القتل يمكن أن يطال أيّة شخصية، ولذا فإن فضاء الرواية يتسع لعالمين مختلفين، الأول عالم الناس وهم يتعرضون يوميا إلى القتل العمد تحت ذرائع غير معروفة، أما الثاني فهو عالم الشخوص الفاعلين الذين تمردوا على سلطة القتل، وأبدوا آراءهم حول هذا العالم المحكوم بالقتل اليومي، لذلك هم مرشحون فعلا للقتل.

بهذا المعنى فإن سلطة البطش الخفية، الموصوفة في الرواية وصفا مختصرا، مرة هم بمسدسات عسكرية مخبأة تحت قمصانهم، ومرة يرتدون بزات سوداء ويحملون مسدسات (لم يقل عسكرية)، وجوههم كالحة وأصواتهم غليظة، تعمد هذه السلطة إلى تصفية معارضيها أصلا، ولكنها تفرش أرضية للعنف والقتل تطال الجميع دون استثناء، ما يجعلهم مكممي الأفواه وفاقدي القدرة على المواجهة، أو حتى الاعتراض بالكلام أو أية إشارة دالة على ذلك. فيصبح فضاء الرواية مغلقا على الإرهاب، ويصبح المتحدث أو المعارض في قائمة الموتى. والروائي يستثمر أجواء العنف التي سادت في مدينة البصرة والمدن العراقية الأخرى، وتسلط المليشيات على رقاب الناس عام 2006 وما تلاه.

علاء شاكر استمثر صوت الموتى للكشف عن العالم الغريب

يصف السارد الأول جو الرعب الذي يحيط بالمكان: «لم يغادرني هاجس الموت، أن يطرق بابي أحد، ويأخذني ولاأرجع، لا أتخيل بأي هيئة يأتي، الرعب يتملكني في أن يطرق الباب بقوة، لأن الذي حصل في تلك الفترة أن الخوف دبّ في النفوس وأن الموت كان خلف الأبواب الموصدة»، في حين تقول الصحفية والمترجمة نور التي تعرضت إلى القتل صحبة صديقها هانس الأمريكي: «لم أكن أعرف حرية الروح وقيمتها إلا عندما تحررت من جسدي، فأنا الآن أكثر سعادة مما كنت، حتى من قاتلي».

ربما تعني سعادتها بعد الموت أنها تستطيع أن تقول ما تشاء دون قيود أو تابوهات: تنتقد الطريقة التقليدية في الزواج، «حينما يزوج الناس دون حب، يصير الأمر بيعا وشراء بمباركة من رجال الدين والأهل والأقرباء، الجسد صار قيمة والزواج شرفا». لتصل إلى نتيجة: «إننا ميتون وإن كنا نعمل، نتحرك، ونأكل، ننام نومنا مليئا برعب كابوسي».

ثم تسرد علاقاتها بالأميركي هانس، «أرخيت له نفسي ونمت معه إلى الصباح»، كرد فعل شبقي على رجل الأعمال العراقي الذي تصفه بأوصاف تنطبق على معظم الرجال الذين استحوذوا على البلاد بعد التغيير العاصف 2003: «رجل ممتلئ الجسم بوجه لحيم يشع ازدهارا رخيصا، خداه منتفخان ولامعان، له ذقن مشذبة ومعطرة، على جبينه بقعة سوداء أقرب إلى لون الرماد (…) يضع خاتمين في خنصره الأيمن وآخرين في خنصره الأيسر»، وهي أوصاف تنطبق على معظم الرجال الذين استحوذوا على البلاد بعد التغيير العاصف 2003.


التقنية واللغة


لقد استثمر الروائي علاء شاكر صوت الموتى، للكشف عن هذا العالم الغريب، فالأحياء صامتون في رأيه. نحن إذن أمام تقنية خاصة، تستثمر عالم الأموات شهادة على عالم الأحياء، فهم المؤهلون فعليا على الكلام، والاعتراض على القتل، وتوصيف هذه المجزرة انطلاقا من المقبرة، لقد فقد الموتى أجسادهم، وبقيت أرواحهم هائمة تجول في المكان المدمى.

الموتى يتخطون قبورهم ويغادرون مقبرة الأنكليز، متجهين صوب جسد المدينة المثخن بالجراح

وعلى الرغم من أن لغة الرواية مألوفة، ليست مغايرة من حيث مفرداتها وجملها وعباراتها، لترسم عالم الموتى، لكن الروائي علاء شاكر استطاع أن ينتبه إلى خصوصية عالم الأموات، فهم أشباح هائمة، ترى كل شيء ولا يمكن رؤيتها، كما أنها تستطيع التنقل بحرية في المكان دون عوائق تذكر، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك نستدل عليها بهذا القول الوارد ضمنها: «شعر بالارتباك وعدم التوازن فطاف مثل سحابة».

عالج الروائي عنوان روايته بذكاء خاص حين أشعرتنا نهايتها أن موتى المقبرة الغابرين منهم والمعاصرين قد تكاتفوا وخرجوا احتجاجا وهم يتمردون جميعا على قاتليهم، مستثمرين اغتيال نور وهانس مناسبة لذلك، فيتخطون قبورهم ويغادرون مقبرة الأنكليز، متجهين صوب جسد المدينة المثخن بالجراح وروحها الميتة، في تظاهرة غريبة أشدّ غرابة مما يحصل، حتى أن أهل السماء ضجّوا بالسؤال عن سبب تعطل صعودهم. في مشهد فريد يضمّ القتلى جميعا يذكرنا بالمشهد التراجيدي في قصة الجزائري الراحل الطاهر وطار”الشهداء يعودون هذا الأسبوع".

14