رسالة من مواطن عربي إلى فلاديمير بوتين

الاثنين 2014/03/24

هنيئاً لك، لقد أغضبتنا كثيراً، وأزعجتنا كثيراً، وآذيتنا كثيراً، لكنّك أثبتّ لنا وللعالم في الأخير انك قائد فذ وسياسيّ بارع بكل المقاييس. ولنعترف لك بذلك. إنّك الرّجل الذي نجح بكفاءة عالية في قلب أكبر خسارة لبلده (انشقاق أوكرانيا المستقلة جزئياً عن روسيا) إلى انتصار تاريخي غير مسبوق (انضمام كلّي لشبه جزيرة القرم الأغنى والأهمّ إلى جمهورية روسيا).

سيدي بوتين، لقد جمعتَ بين يديك من المهارات الفرديّة ما لم يجمعه سوى القليلون: بطل روسيا في رياضة الجيدو، عازف ماهر على آلة البيانو، قائد ميداني للطائرات المقاتلة، صيّاد أسماك متمرس، إلخ، جمعتَ كلّ خصال الزّعامة بلا منازع، وأحرزت في الأخير نصراً كبيراً على الغرب وبفارق كبير في النّقط، وربّما تكون قادراً على ملء بعض الفراغ الدّولي جرّاء فشل الرهان الأميركي على “إعادة تدوير” الجهاد العالمي، وربّما تنتظرك انتصارات أخرى، من يدري؟

لكن لا تنس هذا.. دون إصلاحات جذرية في جمهورية روسيا الاتحادية، سيبقى هذا الغرب الذي تحاربه متفوقاً عليك؛ لأنّ الغرب ليس مجرّد استعمار وهيمنة وسلاح، ليس مجرّد ناتو وفيتو وبنتاغون ودافوس، بل هو أيضاً قيم الثورة الفرنسية، ومبادئ استقلال الولايات المتحدة، ومنظومة الحداثة السياسية، وفلسفة التنوير، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو أيضا أمنستي وهيومان رايتس وغرينبيس، حيث تتجسّد القيم الأرقى والتي لا يمكنك أن تهزمها بمجرّد إحياء للنزعة السلافية المعادية للغرب، حتى وإن كانت تلك النزعة قد أنتجت فعلاً الكثير من روائع الأدب الرّوسي، غير أنها سياسياً قد تكلف الكثير. وبصرف النّظر عن المزايدات الكلامية حول الوطن وأرض الأجداد وموطن قبائل السلاف وأمجاد القياصرة، فمن الواضح أنّ شعوب الأرض خلال الزّمن المنظور والذي قد يمتدّ لعقود قد تطول، لن تجد من تصور أفضل من الحياة كما هي في نيويورك أو ستوكهولم أو طوكيو.

لا تنس هذا، إنّ الاتحاد السوفياتي بكل جبروته، بمخططاته الخماسية، بنجاحه في إرسال أول رائد فضاء عالمي إلى الفضاء الخارجي عام 1961، ثم أول رائدة فضاء في العالم عام 1963، وبكل أمجاده في الطب والفيزياء والسينما، قد انهار بسرعة وتساقط كأوراق الخريف، وإن الذي ضيّعه في الأخير هو ضياع الحريات الفردية نفسها واحتقار الحاجة إليها جرّاء عقلية تقليدية حتى وإن ارتدت قناع الماركسية. إنه منطق التاريخ على وجه التحديد. قد تسود الأنظمة الشمولية بعض الوقت لكنها لن تتسلّط كل الوقت، حتى وإن أحرزت انتصارات قومية أو وطنية أو ربّما اقتصادية كما يحدث الآن في الصين. ألم يكن ذلك هو شأن ستالين؟ ألم يكن ذلك هو حال هتلر؟ طيب.. والآن، ليست تجربة أردوغان عنّا ببعيدة.

سيدي بوتين، إنّ هذا النصر “السلافي” المستحقّ فعلاً، مخيف أيضاً؛ لأنّه قد يصبح مقدمة لنظام قومي شمولي جديد، تُسلخ فيه الجلود وتطحن العظام ولا يشعر فيه الإنسان بالأمان، ومرّة أخرى، بدعوى المصلحة القوميّة العليا.

طبعا، فنحن لا نفضل عالماً بقطب واحد، ولا حتى بمجرّد قطبين اثنين، بل أملنا معقود على عالم متعدد الأقطاب، لكن بكل تأكيد، حين يتعلق الأمر بمعركة الحريّات الفردية وكرامة الإنسان فلا يوجد هنا غير قطب واحد، هو قطب الحرية.


كاتب مغربي

9