رسالتا رغدة وأدونيس إلى "السيد الرئيس"

السبت 2013/09/07
تشخيص سطحي للمرض

خلال السنتين المنصرمتين شهدت الحياة العربية، في الصحافة وعلى مواقع الإنترنت الكثير من المساهمات الأدبية والفكرية والمواقف العربية بخصوص الثورة السورية، من أشهر تلك المساهمات الرسالة التي وجهها الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) إلى بشار الأسد تحت عنوان "رسالة إلى السيد الرئيس" ونظيرتها التي وجّهتها إليه الممثلة "رغدة". كثير من أصدقاء أدونيس لاموه على رسالته التي أثارت غضب غالبية السوريين، لكونه حاول إمساك العصا من الوسط، هاربا من اتخاذ أي موقف واضح من الثورة، قبل أن ينقلب عليها تماما في مختلف تصريحاته، لاسيما تلك التي يعطيها للإعلام الغربي، حيث تظهر الثورة السورية في خطاب أدونيس ثورة أصولية يجب الحذر منها، إن لم يكن وأدها. وهو ما يحاول "السيد الرئيس" القيام به وحاول معه خصوم كثر للشعب السوري. غير أنّ الثورة استمرت. أما رغدة، الممثلة السورية المتمصرة، والمعروفة بتأييدها المطلق لبشار الأسد وأعماله، فحكايتها لا تستدعي كثيرا من السطور. فقد وجهت رسالة إلى "السيد الرئيس" تفوح منها رائحة قسوة، هي رائحة الروح الفاشية، فرغدة في رسالتها ممتعضة من تأخره في إبادة الثورة وشعبها، مطالبة إياه بأن يضرب شعبه بالكيميائي. وحملت الرسالة عنوانا مريعا: "أما آن للكيميائي أن يستشيط؟!" ولم يكذب "السيد الرئيس" خبرا. ويمكن للشعب السوري مستقبلا، أن يطالب بمحاكمة السيدة رغدة بوصفها أحد المتورطين بمذبحة الكيميائي في الغوطة الشامية. ذلك أنّ رسالتي كل من رغدة وأدونيس إلى السيد الرئيس فيهما عناصر مشتركة تكمل إحداهما الأخرى في لغة المخاطبة والطلب الأخير من المكتوب. فما رسالة رغدة إلا الترجمة الشعبية لرسالة علي أحمد سعيد.

أدونيس: بشار رئيس منتخب!


يوجد الكثير من القواسم المشتركة بين الممثلة رغدة والشاعر أدونيس ليس إلا أحدها أنّ كليهما أرسل رسالة إلى "السيد الرئيس" بشار الأسد. إذ أرسل أدونيس إليه رسالة مفتوحة منذ سنتين ونيف بوصفه "خصوصاً رئيساً منتَخَباً" بينما أرسلت إليه رغدة مؤخراً رسالة بوصفه عموماً "أباً وأخاً وقائداً..".

كلاهما، رغدة وأدونيس، نجم في مجاله. فرغدة ممثلة، في رصيدها العديد من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والجوائز الفنية. وأدونيس شاعر، في رصيده الكثير من الدواوين الشعرية والعديد من الكتب الفكرية والنقدية والمترجمة والمختارات وكذلك العديد من الجوائز الأدبية العربية والعالمية حتى أنه رشح لجائزة نوبل للآداب أكثر من مرة دون أن ينالها.

وكلاهما موهوب في مجالات أخرى سوى مجال نجوميته. فرغدة تكتب الشعر، ما يجعلها زميلة لأدونيس، وقد طلبت من منظمي ملتقى الشعر في القاهرة هذا العام أن تشارك فيه، فألقت نصاً عامياً هاجمت فيه الإخوان ما حدا ببعض مناصريهم من الحضور إلى مقاطعتها ومهاجمتها بالكلام قبل محاولة الهجوم عليها بالأيدي، كما أنها كانت تنشر ما تكتبه في نفس المجلة الخليجية التي ما زال أدونيس ينشر فيها زاوية ثابتة كل شهر. وأدونيس لا يمارس التمثيل، ولكنه يبقى زميلاً لرغدة في الفن بشكل عام، لأنه يمارس الفن التشكيلي خاصة الكولاج، وقد أقام العديد من المعارض. وكلاهما معروف بالاسم الفني وليس الحقيقي، فأدونيس اسمه علي أحمد سعيد إسبر، وقد تخلى عنه ليحمل اسماً مستعاراً من الأسطورة الفينيقية. ورغدة اسمها الكامل رغداء محمود نعناع، ولكنها اكتفت باسم فني مشتق من اسمها الأول.

وكلاهما ليس مقيما في بلد مولده/ سوريا، فأدونيس كان مقيماً في لبنان قبل أن يستقر في فرنسا حتى أن كثيراً من المصادر الأدبية تذكره كشاعر لبناني وليس كشاعر سوري. ورغدة مقيمة في مصر/ بلد أمها، منذ انتقلت إليها لدراسة الأدب العربي قبل أن تحترف التمثيل وتستقر في مصر حتى أن كثيراً من المصادر الفنية تذكرها كممثلة مصرية وليست كممثلة سورية.


انتهاء الصلاحية


تنقسم رسالة أدونيس إلى قسم نظري أو تنظيري وآخر عملي أو تطبيقي، ولكن كلا القسمين متداخلان فيما بينهما. في القسم النظري ينظّر أدونيس للديمقراطية بكلام دقيق، لكنه في القسم العملي ينطلق تطبيقياً من مقدمات صحيحة عندما يتحدث عن حزب البعث وفشله في "التأسيس للديمقراطية"، "والحقّ أنّ الحزب لم يؤسس لأيّ شيء يمكن حسبانه جديداً وخلاّقاً، ومهمّاً، في أي حقل" وهكذا يظل أدونيس يراوح في حديثه تعميماً عما اقترفه حزب البعث بحق سوريا، وعندما يقترب من التخصيص يكون تخصيصه تعميماً نسبياً "والحقّ أنّ ما قامت به السلطات التي حكمت باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، طول هذه الفترة، يؤدي، طبيعيّاً إلى الحال التي تعيشها سوريا اليوم" فقيادة حزب البعث هي المتهمة وحدها دون رئيسها، ربما لأنه، بالإضافة إلى كونه "رئيس حزب" هو "قبل كل شيء رئيس بلاد وشعب" بل أكثر من ذلك يطلب أدونيس من الرئيس المنتخب، وليس المستفتى عليه كما تقتضي الدقة الشكلية على الأقل، هذا الطلب: "أنت الآن مدعوّ، تاريخياً، لكي تفكّ هذه المماهاة بين سوريا وحزب البعث العربي الاشتراكي. فسوريا أرحب، وأغنى، وأكبر من أن تُختَزَل في هذا الحزب، أو أي حزب سواه." إن دعوة أدونيس هذه منتهية الصلاحية، ليس بسبب كتابته إياها بعد انطلاق الثورة السورية بعدة أشهر، وإنما منذ ثلاثين عاماً على الأقل عندما ماهى الأسد الأب بينه وبين الحزب وسوريا، ثم أورث هذه المماهاة لابنه الثاني بعد أن حرم القدر فقط ابنه الأول منها. المقدمات الصحيحة التي انطلق منها أدونيس كانت ستوصله إلى نتائج صحيحة لو أنه أراد ذلك، ولكنه اكتفى بالأعراض تشخيصاً للمرض، فالثورة السورية حسب الطب الأدونيسي قامت ضد حزب البعث "لابدّ من إعادة النظر الجذرية. حتى لو استطاع حزب البعث أن يوقف الثورة عليه"...

رغدة تدعو النظام إلى الضرب بالكيماوي


أما آن للكيميائي


إذا كان أدونيس في رسالته قد انتهى إلى تشخيصه المقصود والمتعمّد بعد تنظير وتطبيق، فإن رغدة تبدأ رسالتها مباشرة بتشخيصها الرغدوي الذي هو في نفس الوقت تشخيص طبيب العيون، الأسد الابن "مجزرة خان العسل وقعت من أول لحظة، من أول لحظة نبح فيها مثقف بلحظة حرية، جاوبه صداها طنبرجي بانياسي، رددها خنزير فنان، نعقها مؤازر لهم إخونجي من الرستن" وبما أن تشخيص المرض تم بمنتهى الوضوح فلم التأخير؟، لابد أن يبدأ العلاج بمنتهى السرعة "نريد قصف كل منطقة فيها إرهابي، ولو مات آلاف المدنيين، كل من بقي من المدنيين في المناطق تلك، هو حاضن ومتواطىء، لن تنتهي الحروب دون دم وقتل وتنكيل.. يكفي صبراً أحرقوا الأرض بمن فيها" لكن هذا العلاج الذي تقترحه كان النظام الأسدي قد بدأ به سابقاً، منذ كتب أدونيس رسالته على الأقل، حتى أنه لم يقصر في استخدام السلاح الكيميائي، ولكن ليس إلى درجة الاستشاطة التي تدعو إليها رغدة "أما آن للكيميائي أن يستشيط"..

قد يكون مبالغاً أن نقول إن رسالة رغدة هي ترجمة ما لرسالة أدونيس، ولكن ستخف المبالغة إذا تذكرنا الخيانة التي لا تخلو منها ترجمة، وطبيعة الترجمة من لغة أدونيس الثقافية إلى لغة رغدة الشعبوية، ومرور سنتين بين الرسالتين.. هاتان السنتان مديدتان جداً بحسابات الزمن السوري.


الرسالة وصداها


يبدو أن "السيد الرئيس" قرأ رسالة أدونيس، فلبّى طلبه بفكّ " المماهاة بين سوريا وحزب البعث" بإلغائه المادة الثامنة من الدستور، والتي تنصّ على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، ولكن ذلك لم يحلّ "الحال التي تعيشها سوريا اليوم" فلا الثورة توقفت عن سعيها إلى إسقاط النظام، ولا النظام غيّر من حله الأمني والعسكري.

كما يبدو أن "السيد الرئيس" قرأ رسالة رغدة أيضاً، وحاول أن يلبّيها في الغوطة الشرقية والغربية يوم 21 /8 /2013 باستخدام السلاح الكيميائي الذي جعله "يستشيط"، ولكن هل سينجع هذا العلاج؟ حتى الآن: لم تظهر من آثاره الجانبية إلا احتمال ضربة عسكرية غربية للنظام السوري.


ملاحظتان


لابد، في هذا الشأن، من إبداء ملاحظتيْن: أولاهما أن كل ما ورد بين مزدوجتين هو نقل حرفي من إحدى الرسالتين، ومن السياق يعرف صاحبها.

وأما الثانية فصورتها أن جريدة الأخبار اللبنانية الموالية لحزب الله نشرت مادة ادعت فيها أنها اتصلت برغدة التي نفت علمها بتلك الرسالة، وأن المشرفة على صفحتها على الفيسبوك هي التي نشرتها دون أن توضح أنها نقلتها عن ممثلة سورية أخرى اسمها رباب مرهج كان قد توفي أحد أقاربها في خان العسل.

17