رساما النصوص الخفية

الاثنين 2016/05/16

ما من شيء في سلفادور دالي يدفعني إلى حب رسومه، كان الرجل بغيضا في عاداته كلها، حتى حين أحبّ، فإنه سرق غالا من صديقه بول إيلوار، كان إيلوار محظوظا في التخلص من غالا التي نافست دالي في البخل واختراع الحيل التي تجلب المال.

دالي كان رساما كلاسيكيا من طراز نادر، يمكنه بحرفيته أن ينافس رسامي عصر النهضة ويتفوق على بعضهم، غير أن سورياليته كانت بالنسبة إليّ فجّة، فهي أشبه بدعايات الطب الشعبي، التي لا تترك مرضا إلاّ وادّعت أنه يقع ضمن اختصاصها.

دالي كان يضحك على المشاهدين بمرويات عالم النفس سيغموند فرويد حين يحوّلها إلى صور، ربما كان على دالي أن يذهب إلى عيادة فرويد باعتباره مريضا.

مارك شاغال هو الآخر كان بالنسبة إليّ مجرّد رسام حكايات توراتية، كل ما فعله كان مستلهما من خيال كتاب التوراة، لقد زجّ شاغال بالرسم في ميدان التوضيح وألقى عليه الكثير من غوايات الحكاية.

كان رقيقا وشاعريا ومهذبا، وهو ما لا أنكره، غير أن كل ذلك لا يشكل شيئا في مقام الرسم، فالمحتوى العاطفي الذي طرحه شاغال كان يستمدّ قوته وقدرته على التأثير من المقدّس الذي يقع خارج الرسم، ليس الرسم إذن سوى وسيلة للتذكير بحكاية، من المؤكد أن المرء قد أنصت إليها في طفولته.

الرسامان اللذان عاشا في فرنسا مهاجريْن (الأول كان أسبانيا والثاني كان روسيا)، لم يُخلقا ثقافيا لكي يكونا فرنسيين، بعكس ماتا التشيلي وبيكاسو الأسباني وجياكومتي السويسري.

شيء عظيم من محاكم التفتيش الأسبانية يظل عالقا برسوم دالي، فيما اليهودي القادم من روسيا شاغال يصرّ على أن يعيش الرسم زمن الحكاية كله، من غير اقتضاب أو قفز على بعض الوقائع، كان الاثنان رساميْ نصوص.

ما لا أحبه شخصيا في الرسم أن يكون تعليقا على حدث سبقه، حين يرسم الرسام الطبيعة، فإنه يرسم حدثا يقع أمامه ولا يرسم الطبيعة التي سبقت ذلك الحدث.

كاتب من العراق

16