رسامون ووصفات جاهزة

الاثنين 2017/06/12

هناك في عالمنا رسامون أكثر مما يجب، لا أظن أننا نحتاج إلى كثرة من الرسامين، ما الذي نفعله بهم؟ لا أحد يحتاج إليهم، ثم ما الذي يقدمه الرسامون حقا؟ هناك مَن يتحدث عن الجمال، أين يقع ذلك الجمال ونحن نسقط في هاوية القبح كل لحظة؟ هل تقاوم اللوحات المعلقة على جدران قاعات لا يزورها أحد ما انتهت إليه حياتنا من بذاءة؟

الرسامون في الواقع كائنات زائدة إلاّ مَن استطاع منهم أن يضفي على قبحنا ونحن كائنات شريرة نوعا من الجمال، ذلك هو ما نريده من الرسم، أن يكون مهذبا وأليفا ومدجنا لكي ندخله إلى بيوتنا، أن يقوم الرسام برسم ما نريده، هو ما يجعله أصيلا، ذلك لأنه يتماشى حينها مع عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة، وهو ما يعينه على العثور على هويته العربية.

لقد زيفنا كل شيء، مَن يزيف حياته تسهل عليه عملية تزييف الرسوم التي تصف تلك الحياة، وهو ما شرعنا في القيام به منذ أن تمكنا من خلال ثرواتنا أن نضع كل شيء في خدمة المال الذي قطع صلتنا بالعالم حين أعمى عيوننا.

صار العمى وصيتنا لرسامينا، فلم يعد في إمكانهم سوى أن يرسموا وفق وصفات جاهزة لا تصلح لإقامة مطبخ حقيقي، لقد اجتهد الكثيرون في الطبخ، كانت هناك مواهب فذة وكان هناك خيال عبقري، غير أن الوصفات الجاهزة أفسدت كل شيء.

هناك رسامون استثنائيون في العالم العربي، غير أن وجودهم لا يكفي للإشهار عن ظاهرة فن مستقل عما تريده المجتمعات المسيطر عليها ثقافيا من خلال الاقتصاد.

لقد أفسد المال كل شيء فصار الرسامون الحقيقيون مجبرين على العزلة بسبب فقرهم، لن يرى الأثرياء سوى ما يرضي مزاجهم، وهو مزاج مغرور لا يمكنه القبول بفن يقوده إلى الجمال بقوة الحقيقة. الرسامون الحقيقيون في العالم العربي كائنات تستحق الشفقة، ذلك لأن تمردهم على الوصفات الجاهزة وضعهم في موقع لا يمكن الثقة به.

كاتب عراقي

16