رسامو الغرافيتي يستنطقون جدران بيروت

في نواح متعدّدة من العاصمة اللبنانية، تزدان جدران بيروت، الشاحبة سابقا بفعل سنوات الحرب، بألوان الغرافيتي الزاهية، ترسم أطوار الحياة المبتغاة، وتغطي آثار الصراع، وتطلق آمالا عريضة في أرض يعمّها السلام، غير أنّها ركّزت هذه الفترة على تخليد كبار فناني لبنان، الأحياء منهم والأموات، بدءا بصباح ووديع الصافي ووصولا إلى فيروز.
الاثنين 2015/06/15
فن الغرافيتي يسهم في تجميل العاصمة اللبنانية وتخليد فنانيها

فوجئ لبنانيون كُثر، مؤخرا، بالابتسامة المشرقة للفنانة الراحلة صباح تطلّ عليهم من جدار بيروتي انتشله فنانو الغرافيتي من ذاكرة الحرب الأهلية، مستبدلين آثار الرصاص والحرائق بالريشة والرذاذ، ومعوّضين غطاءه الرمادي بألوان تشعّ بالحياة.

عضوا فرقة “أشكمان للراب والغرافيتي”، محمد وعمر قباني، أعادا المطربة الراحلة إلى ذاكرة محبيها، في هيئة غرافيتي ضخم، نفّذاه على جدار بمنطقة الأشرفية القريبة من وسط العاصمة اللبنانية بيروت.

الإنجاز الفني الجديد لاحظه المارّون بشارع مار متر، الرابط بين قلب العاصمة بيروت وحي الأشرفية الشهير، رسم يبلغ ارتفاعه 9 أمتار ويزيد عرضه على 12 مترا، يجسّد صباح، الشهيرة بكنية “الشحرورة”، باسمة في صورة مفعمة بالألوان والحياة، وموجّهة ناظريها إلى الأفق وكأنها تغنّي وتعيش حالا بين الحزن والفرح والأمل.

وكان التوأمان اللبنانيان عمر ومحمد قباني قد قرّرا، منذ العام 2001، تشكيل فرقة أشكمان “لتحكي لغة الشارع وهمومه وأشجانه”، فاحتلا الجدران بالرسم والألوان والقضايا التي تعبّر عن مشاكل الشباب في لبنان أو تلك التي “تعكس صورة لبنان الحقيقية”، حسب عبارتهما.

تكريم أشكمان للفنانين الكبار لم يتوقف عند الراحلة صباح، فليس بعيدا عن شارع مار متر، كرّم عمر ومحمد المطرب الراحل وديع الصافي، في رسم يعكس مسيرته الطويلة، كتبت أسفله عبارة “ذهب صافي”، في إشارة إلى صوته الجبلي وأغانيه الوطنية التي “وطدت الانتماء للبنان”، حسب قولهما.

وفي منطقة الدورة شمال بيروت، رسم آخر يكرّم المطربة فيروز التي “غنّت للحب والحرية والأمل، والتي ما زال صوتها يصدح في كل مكان”. يؤكّد عمر قباني أنّ “رسوم الغرافيتي انتشرت بسرعة كبيرة في أرجاء لبنان، كما ازداد عدد الفرق التي ترسم على الجدران”.

عمر قباني: نحن نحول الجدران الخرساء إلى جدران تغني وتحكي وتضج بالحياة

ويضيف قباني، بخصوص الغرافيتي الجديد للفنانة صباح، أنّ “الهدف من إعداد هذا الغرافيتي للسيدة صباح هو تكريمها، باعتبارها أيقونة للفن اللبناني الأصيل، ونجمة عربية لمع اسمها من لبنان إلى مصر وصولا إلى كل العالم، ولهذا فكرنا كفرقة أن نبرز الفرح في الصبوحة وأن نكرمها على طريقتنا الخاصة”.

وبحروف عربية قديمة كتب تحت الرسم “بدي عيش للمية ليسموني الصبوحة”، أي: أريد أن أحيا مئة عام حتى يسموني الصبوحة، وهي رسالة يقول عمر إنّها تعكس حبّ صباح للفرح فـ”صباح تميزت بالإيجابية والابتسامة الراقية والجمال والعفوية، بأعمالها وأفلامها وأغانيها وإطلالاتها”.

يقول عضوا فرقة أشكمان إن إعداد غرافيتي “الشحرورة صباح” استغرق أكثر من عام، بين اختيار الألوان والفكرة ومكان الجدار والرسالة، إلا أن العمل على الأرض استغرق أكثر من 30 ساعة، على مدى 3 أيام متتالية.

بعض المارّة أعربوا عن إعجابهم بفن الغرافيتي وأملهم في أن يسهم أكثر في تجميل العاصمة اللبنانية وتخليد فنانيها.. يقول وليام بوفخر الدين، متوجها بكلامه إلى فرقة أشكمان، “أنتم السبب الأساسي لحبي لفن الغرافيتي".

وقال إلياس المغربي أتمنّى أن “نشهد لوحات ضخمة وتكريمية للسيدة صباح في مدن عربية أخرى”، فيما قالت مارو شيباني التي اغتنمت الفرصة لالتقاط بعض الصور أثناء رسم الغرافيتي “أثناء رسم الغرافيتي كان الجو رائعا، وكنا ننتظر بفارغ الصبر الانتهاء من هذا العمل لكي نحكم عليه”.

ويحلم فنان الغرافيتي الشاب بـ”تحويل بيروت إلى متحف مفتوح لكل الناس، وصور ضخمة مرسومة على الجدران، لعكس صورة حقيقية وراقية للبلد الذي يحمل الكثير من الذكريات والقضايا، وأن تتحوّل الجدران المتسخة والمشوّهة برصاص الحرب والشعارات السياسية والحزبية إلى جدران تعكس جمال المدينة وأهلها”.

يستطرد “كان من الممكن أن أختار حمل السلاح في السابق، ولكني فضّلت حمل الرذاذ والريشة التي نرسم بها الغرافيتي على الجدران، باعتبارها سلاح التعبير الشامل، بدل أن تكون سلاح التدمير الشامل، فالرصاصة تقتل بينما الألوان شعار للسلام وانعكاس للحضارة والرقي”.

“كل الجدران العادية هي جدران خرساء، أما تلك التي تدخل عليها الألوان عبر الغرافيتي فهي جدران تتكلم، ونحن من خلال هذا الفن نحوّل الجدران الخرساء إلى جدران تغني وتحكي وتضج بالحياة”. هكذا يحدّد أشكمان وصفة إعادة الحياة لجدران بيروت.

20