رسام الأحد

أغلب الظن أنه لم يعد ممكنا تبني التصنيف القديم الذي يفصل ما بين الهاوي والمحترف، نظرا ليس فقط للتغيّرات والاختراعات التقنية التي حصلت في عالم الفن، بل لطريقة النظرة إليه وإلى ماهيته.
الجمعة 2018/04/20
اختراع وقت لتطوير الفن

منذ فترة النهضة الأوروبية اعتبر الفنان بشكل عام والفنان التشكيلي بشكل خاص على اختلاف تياراته إما فنانا محترفا أو هاويا، أقيم هذا الاعتبار بناء على معطيات متعددة أهمها أن الفنان المحترف هو الذي تلقى تعليما فنيا أكاديميا، وهو الذي يعيش من مهنة الفن، كما اعتبرت بعض الدراسات أن الفنان المحترف هو الذي يستخدم الألوان الزيتية دون غيرها من المواد.

أما الفنان الهاوي، فهو غير المتفرّغ لفنه والذي يرسم في أوقات فراغه عندما ينتهي من عمله أو وظيفته اليومية، وقد أطلق على هذا “الصنف” من الفنانين تعبير “رسام الأحد”، تعبيرا لا يخلو من النظرة الدونية المُستخفة بجدية وقيمة الأعمال التي يقدّمها. والفنان الهاوي هو من ناحية أخرى الذي لم يتلق دروسا في الفن، وغالبا ما لا يستخدم المواد الزيتية في تشكيل لوحاته على اعتبار أنها تتطلب خبرة عالية، ولاقى هذا التصنيف استحسانا كبيرا في الوسط الفني وأُسّست مراكز “غير جدية” تعلّم فن الرسم كحرفة مُسلّية لها هيبتها أو “برستيجها” الخاص انتسب إليها عدد كبير من ربات المنازل المُتفرّغات أو الأولاد أثناء العطلة الصيفية.

طبعا، ليس في ذلك أي ازدراء تجاه كل من اختار هواية الرسم دون غيرها من الهوايات، بل على العكس، إذ أن الموضوع والسؤال في مكان آخر، السؤال اليوم هو: هل لا يزال من الممكن تبني هكذا تصنيف مُجحف بحق الهاوي ولصالح المُحترف؟

وتنحدر من هذا السؤال سلالة أسئلة جوهرية منها: هل لا يزال هكذا تصنيف مقبولا بالرغم من التغيّرات والتحوّلات التي طرأت على أفكار وأشكال وأسباب الممارسات الفنية؟ وما هي المعايير المختلفة أو الإضافية التي على أساسها بات يُقام هذا التصنيف؟ وهل هو اعتراف الآخرين أو عدمه بعمل فنان دون آخر؟ وعلى أي أسس يجيء هذا الاعتراف في حال تمّ؟

لا مجال لمحاولة الإجابة عن هكذا أسئلة في كلمات قليلة، ولكن يمكن ويجب إلقاء الضوء على جانب واحد على الأقل لأنه المُستجدّ على الساحة الفنية.

وأغلب الظن أنه لم يعد ممكنا تبني التصنيف القديم الذي يفصل ما بين الهاوي والمحترف، نظرا ليس فقط للتغيّرات والاختراعات التقنية التي حصلت في عالم الفن، بل لطريقة النظرة إليه وإلى ماهيته، وقد اعتبر العديد من أصحاب المتاحف العالمية والنقاد والمنظرين الفنيين المعاصرين أننا نعيش في زمن لم يعد فيه التفرّغ للعمل الفني، أو الدراسة الأكاديمية أو القدرة على العرض المُستمّر من أهم ما يميز الفنان المحترف عن الفنان الهاوي.

ويعجّ العالم الغربي ولا يزال بفنانين تشكيليين لم يتلقوا تدريبا فنيا أكاديميا ولا هم كانوا من المتفرّغين لفنهم، ونذكر منهم الفنان التشكيلي الفرنسي الذائع الصيت هنري روسو الذي لُقب طويلا بـ”روسو- الجمركي” في محاولة لتهميشه، وهو فنان علّم نفسه بنفسه ومارس الفن بعد عودته من عمله اليومي في مصلحة الجمارك.

ومن المعروف أنه تلقّى انتقادات لاذعة وسخرية كبيرة من قبل النقاد الفنيين آنذاك، قبل أن يساهم الفنان بابلو بيكاسو في تكريسه فنانا “جديا” على النحو الذي فهمه عصره.

وفي العالم العربي ولا سيما في السنوات العشرين الأخيرة تكاثر الفنانون التشكيليون الشرق أوسطيون الذين لم يتلقوا تعليما فنيا أكاديميا ولم يمارسوا الفن لفترة طويلة، إلاّ جنبا إلى جنب مع دوام عمل متطلب، والكثير منهم ما زالوا “رسامي نهار الأحد”، إلاّ أنهم استطاعوا أن يقيموا التوازن “الخطر”، من دون شك، وهم في أوج انطلاقتهم الفنية.

ويبقى الرهان على أن يواظب هؤلاء الفنانون على “اختراع” وقت لكي يمارسوا فيه تطوير فنهم وقد اسطفوه من بين كل الإهتمامات لكي يحتل أوقات فراغهم، “فراغ” ملتبس، إذ هو أثمن ما استطاعوا إنقاذه من رتابة يومهم المتعب خلف مكتب أو أمام ورشة شغل مرهقة نفسيا أو جسديا، استطاعت أن تؤمن لهم قوتهم اليومي وتَرَف صياغة أعمال فنية خارج منطق سوق الفن.

17