رسام "السايكلوب" الذي لا يقوى على مواجهة الجسد الأنثوي المكشوف

الاثنين 2014/02/24
لوحة"السايكلوب" تعبير عن انهيار رومانسي لوحش خرافي أمام الجمال

رغم عمق التجربة الفنية للرّسام الفرنسي أديلون ريدون وجمالية خطابه البصري إلاّ أن شهرته المحلية والعالمية قد تأخرت بعض الشيء. وقد عزا بعض النقاد الفرنسيين هذا التأخير في حينه إلى غموض أعماله الفنية التي تحتاج إلى قدرات استثنائية لفكّ شفراتها ورموزها بهدف الغوص في بناها الداخلية العميقة.

هو من جهة رسّام رمزي أغنى لوحاته وأعماله الحفرية والليثوغرافية بالكثير من الرموز والقصص والأساطير العالمية. كما ينتمي في جانب منه إلى مدرسة ما بعد الانطباعية. وفي لوحاته يمكن أن يتتبّع الناظر لمسات لتيارات فنية متعددة كالتشخيصية والسوريالية والتجريدية.

وأكثر من ذلك كله فثمة نفَسٌ فنتازيّ يهيمن على تجربته الفنية برمتها التي ترسخت وذاعت في عام 1878 حينما وضع اللمسات الأخيرة على لوحة “روح حارسة للمياه”، وهي لوحة قد تبدو سهلة بسيطة وفي متناول الجميع لكننا لو أطلنا النظر في تفاصيلها لاكتشفنا أشياء عميقة قد لا تخطر على بال غالبية المتلقين. وعلى الرغم من هيمنة المناخ التشخيصي للفيـﮔر الرئيس في اللوحة وهو الرأس المطل من سماء عالية بعض الشيء، لكنه لم يمنع من مشاهدة الزورق الوحيد العائم على سطح المياه، إضافة إلى بعض النوارس. كما يمكن أن يكون هذا السطح المائي مياه نهر كبير أو بحيرة واسعة، لكنه على الأرجح مياه بحر هادئ لم يثُر بعد. لا شك في أنّ المكان موحش، لكنه يظل عائما في إطاره السوريالي الذي تسرّب إلينا من مخيلة الفنان ريدون، وهي بالتأكيد مخيلة إبداعية غير عادية.


كائنات غريبة

تحتشد مجمل الأعمال الفنية لريدون بالوحوش والكائنات الغريبة التي تنشطر بدورها إلى كائنات أصغر لتملأ مساحة السطح التصويري الذي يضجّ بالمناخ الفنتازي بامتياز. ولعل هذه التقنية التي يتبعها ريدون في إغراق لوحاته بالوجوه والكائنات الغريبة التي لم نألفها من قبل، إنما هي ناجمة عن تصويره الدقيق للأشباح الرابضة في مخيلته الخاصة وعقله الفردي الذي ينتمي إليه شخصيا، أكثر من انتمائه للذاكرة الجمعية القريبة منه في الأقل، وهي تعكس عمقا شديدا وإبهاما لا يمكن سبره بسهولة. إن الفضاء الفنتازي الذي يتجسّد في لوحاته يعكس دون شك جانبا من مشاعره الداخلية المشوشة، إضافة إلى إحساسه الروحي والذهني الذي يضع المرئي في دائرة اللامرئي وفي خدمته أيضا.


أساطير عالمية

الأمر لا يقتصر على لوحتي “روح حارسة للمياة” أو “العين البالون” وإنما يتعداهما إلى “روح الغابة”، “الرجل الصُبّار”، “العنكبوت الباكي”، “القديس جون”، “سيدة الزهور”، “السايكلوب”، “بوذا”، “ولادة فينوس″، “استغاثة” وغيرها من الأعمال الفذة التي أنجزها ريدون خلال رحلته الفنية التي استمرّت طوال حياته، لأنه بدأ الرسم منذ نعومة أظفاره فعلا ونال جائزة مدرسية في سن العاشرة عن واحد من أعماله الفنية التي تشي بولادة موهبة إبداعية جديدة إن أُتيحت لها سانحة الحظ.

ريدون رسام رمزي أغنى لوحاته وأعماله الحفرية والليثوغرافية بالكثير من الرموز والقصص والأساطير العالمية

لا بدّ من التوقف قليلا عند لوحة “السايكلوب” كي نشير بوضوح إلى استثمار ريدون للرموز والأساطير العالمية. ففي هذا العمل الفني ثمة شخص خرافي عملاق يحدّق بشغف كبير إلى حورية البحر “غالاتي” التي يحبها بوليفيموس، وهو من أشهر السايكلوبات الوحشية التي تصطاد الضحايا وتلتهمها.

هذه الثيمة ليست جديدة، ولم ينسجها ريدون من خياله الفنتازي الخصب، فقد سبقه إليها الفنان الفرنسي غوستاف مورو، المختص في رسم الشخصيات الإنجيلية والأسطورية بشكل عام، لكن المدقق في لوحة ريدون سيكتشف بسرعة الفرق الهائل بين اللوحتين: لأن ريدون أعطى الأسطورة معنى جديدا حيث يبدو بوليفيموس كائنا سلبيا غير مخيف ولا يشكِّل خطرا على أحد، بل يبدو هذا الكائن الخطير أساسا في منتهى الدعة والهدوء، وهو ينظر نظرة ناعمة بعينه الكبيرة المفتوحة بكاملها ويسترق النظر إلى نعومة غالاتي، حورية البحر العارية تماما والمسترخية على أرضية معشوشبة ليخبرنا بأن اللحظة الجنسية الحميمة يمكن أن تروّض أعتى الوحوش. نظرة السايكلوب من الناحية التقنية لا تختلف كثيرا عن نظرة الرجل في لوحة “روح حارسة للمياه”، كما يمكن أن نجدها في لوحات أخرى مماثلة شكلا ومختلفة مضمونا.

غير أن العملاق بوليفيموس يبدو خجولا ونشيطا جدا، حيث خبّأ نفسه خلف حاجز حجري، لأنه لا يقوى على مواجهة هذا الجسد الأنثوي المكشوف الذي يطفح إغراء وأنوثة وجاذبية. لا بدّ من التنويه بأن ريدون كان يرسم شخصيته الحقيقية التي تتوارى خلف النماذج المذكورة سلفا، حتى وإن كانت بهيئة وحوش وعمالقة وسايكلوبات، ودليل النقاد المحترفين في ذلك أنه كان يستطيع رسم أي شيء وتصويره بالطريقة الفنية المناسبة، بل وأكثر من ذلك إنه كان يستطيع استدعاء الأشياء والموضوعات التي لا يمكن وصفها.

لا تخلو غالبية أعمال ريدون من اللمسات الرومانسية التي منحت أعماله قوة المشاعر الإنسانية الجيّاشة، وأمدّته بالخيال الجامح الذي جسّد عواطف النفس البشرية في أقصى لحظات هدوئها وتوتّرها، واسترخائها وانفعالها. ولا غرابة في ذلك لأنها تجمع بين سطوة الرمز وعظمة الفنتازيا.

16