رسام فرنسي يرسم صورة جديدة لفترة من تاريخ مصر

"دار العشاق" رواية للكاتب المصري ناصر عراق تنبش الجرح التاريخي وتعيد محاكمة محمد علي باشا.
الأربعاء 2019/10/16
محمد علي باشا متهما في رواية جديدة

حيث يتوقف التاريخ الرسمي، تبدأ التواريخ الموازية التي قد تكون أكثر أهمية وعمقا من التاريخ الرسمي، ربما هي في أغلبها من وحي الخيال، لكنها تثير التساؤل محوّلة التواريخ الجامدة بأمكنتها وأحداثها وأزمنتها إلى حياة كاملة، وهذا ما انتهجته رواية “دار العشاق” للكاتب المصري ناصر عراق.

تنتمي رواية “دار العشاق” للروائي المصري ناصر عراق إلى صنف الروايات التاريخية. سوى أن الروائي لا يعيد كتابة التاريخ وإنما يرسمه لنا في هذه الرواية، حين يقدم بورتريها دقيقا لمحمد علي باشا، الذي حكم مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر بقبضة من حديد ونار.

كما يرسم لنا الكاتب لوحات تشخيصية وأخرى تعبيرية لمجتمع مصري ينسحق تحت أقدام حاكم مرعب تفنن في جبروته، مثلما تفانى الروائي في تصوير طاغوته. كما نحت لنا الكاتب مجموعة من الأحداث والفضاءات وبث فيها شخصيات متخيلة لاستعادة ما سكت عنه التاريخ، وإعادة ترميم الذاكرة، عبر رواية تاريخية معاصرة، يصبح فيها التاريخ ماثلا أمامنا، لعلنا نقوى على مواجهته ووضع حد لجرحه الهادر.

خلال الفترة التي حكم فيها محمد علي مصر، كتب الشاعر والروائي الأسكتلندي والتر سكوت أزيد من خمسين رواية تاريخية، ليكون رائد هذا النوع الروائي والمبدع الأول لنصوصه المؤسسة. ولقد ظل الناس إلى وقت قريب يعتبرون روايات والتر سكوت أقرب إلى الحقيقة من كتب التاريخ نفسها. ذلك لأن الرواية تمتلك قدرة على سد الفراغات التي يتركها المؤرخ، لأكثر من سبب، من خلال لعبة التخييل باعتبارها الشرط الأساس والمهارة الضرورية في صنعة الرواية. أما والتر سكوت فكان أكثر تواضعا، حين أشار في مقدمة روايته “إيفانوي” إلى أن كاتب الرواية التاريخية قد يمد يد المساعدة للمؤرخ، من أجل بناء التاريخ الذي يظهر أمامه في شكل وقائع متراكمة.

رسم التاريخ

مسجد محمد علي باشا شيّد ما بين سنة 1830م إلى 1848م على الطراز العثماني
مسجد محمد علي باشا شيّد ما بين سنة 1830م إلى 1848م على الطراز العثماني

 قد تمتلك كل رواية منهجها الخاص الذي يسعف في تحليلها وقراءتها. وإذا نحن سلمنا بهذه الخلاصة، فإن “رسم التاريخ” سيكون بمثابة مقولة منهجية ومدخل قرائي يسعف في تلقي رواية “دار العشاق”. ففي مقابل محمد علي باشا، يأتي الرسام الفرنسي شارل ليكون الشخصية المتخيلة في هذه الرواية، التي تقاوم القبح بالجمال، وتحاول أن ترسم ملامح أجمل وأفقا أفضل لمصر والمصريين في تلك الفترة القاسية.

كما يمعن الرسام، إلى جانب الروائي في تشكيل صورة الطاغية، وحفرها في ذهن المتلقي، ما يجعل من هذا النص تصنيفا روائيا في طبائع الاستبداد. وإذا علمنا أن الروائي ناصر عراق رسام، أصلا، بل هو خريج كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وَضَحَ لنا أن فعل الرسم هو أداة الكاتب في مواجهة قدره الروائي، وفي إثارة المتلقي وإبهاره على مدى أحداث هذه الرواية ووقائعها التاريخية والمفبركة.

تنطلق الرواية من فضاء صغير يرسمه لنا الكاتب في مستهل الرواية، وهو فضاء الحانة التي سَيُقْتَلُ صاحبها اليوناني “أندرياس”، غير بعيد عن بركة الأزبكية. لينطلق الكاتب نحو رسم فضاء شاسع هو مصر، التي سَيُقْتَلُ شعبُها وتاريخها خلال عمليات التحقيق لمعرفة قاتل اليوناني أندرياس، وخلال مختلف الغزوات والنزوات التي انتابت محمد علي باشا من أجل حكم مصر والسيطرة عليها وعلى كل المنطقة.

تستيقظ القاهرة على خبر مقتل اليوناني أندرياس قرب خمارته، على بعد خطوات من الأزبكية. ويتدخل القنصل الفرنسي، بحكم المصالح اليونانية الفرنسية المشتركة في مصر، ليتم اعتقال عدد من المصريين، نزولا عند رغبة المقيمين الأجانب في ضرورة وجود متهم لن يكون إلا مصريا، ولن يكون إلا سليمان الحداد. وقد لقي الرجل مصرعه من شدة البطش ومن فرط التعذيب. وبينما كان ابنه عصفور الحداد يحاول البحث عن براءة أبيه إذا به يقع في غرام هيلين، ابنة صاحب الحانة اليوناني أندرياس، والتي أيقنت أن سليمان الحداد بريء من دم أبيها، لكنها تعاملت مع ابنه عصفور بتعاطف دون أن تبادله حبا بحب.

وخلافا لمحمد علي باشا، والمقيمين الأجانب في المحروسة، يبدي الرسام شارل تعاطفا غير مشروط مع مصر والمصريين في محنتهم مع نظام محمد علي، ليؤكد لنا الروائي على درس الجمال القائم على التأثر والانفعال والإحساس الذي يؤطر الحكم الجمالي، في مقابل الحكم السياسي والاستبدادي الذي يستغني عن أية مشاعر، وعن أدنى حس إنساني.

تحكي رواية “دار العشاق” أحداثها في مكان وزمان محددين. المكان هو مصر، أو دار العشاق، كما أسماها الكاتب. وأما زمن القصة، أو الرواية، فهو بداية القرن التاسع عشر، والمراحل الأولى من حكم محمد علي باشا. ولكي يوهمنا الكاتب بتاريخية وواقعية روايته، فقد جاء زمن السرد والخطاب خطيا ومتعاقبا، حتى صار فيه المتخيل جزءا من الواقعة التاريخية. ذلك لأن ما يجعل من الرواية التاريخية رواية “خلاسية”، بتعبير ميشيل فانوستيس، صاحب الدراسة الشهيرة عن “الرواية والتاريخ” هو ذلك التنازع بين التخييلي والمرجعي دائما.

وإذا كانت أحداث الرواية قد انتقلت إلى زمن مرجعي واقعي هو الفترة التي استتب فيها الحكم لمحمد علي، فإن كل الأحداث تتم في تعاقب واستمرارية، وكأن الزمن نفسه ينقاد لسلطة الحاكم المستحكم في البلاد والعباد والمكان والزمان. لا مجال للعودة إلى الماضي، ولا مجال أيضا للتطلع إلى المستقبل، أمام جبروت الحاكم القاهر في الزمن الحاضر.

الرواية تنكأ الجرح التاريخي كما وضع عليه الروائي يده، إنه جرح خاص بالمصريين بدأ مع حملة نابليون وتداعياتها
الرواية تنكأ الجرح التاريخي كما وضع عليه الروائي يده، إنه جرح خاص بالمصريين بدأ مع حملة نابليون وتداعياتها

هنا، وجبت الإشارة إلى لحظتين سرديتين يسترجع فيهما الكاتب أحداثا سابقة، تكسر خطية الزمن السردي. لحظتان يجري فيهما الحديث عن ثائرين حاولا التمرد على نظام محمد علي، الأول هو أيوب السبع، الذي اختفى في ظروف غامضة، وهو نموذج الثائر الشعبي. والثاني هو السيد عمر مكرم، الذي يعيش في ما يشبه المنفى الاضطراري في بيته. يجري الحديث عن بطولة الشخصيتين المقاومتين معا في الزمن الماضي، حيث يستعيد السرد مقاومتهما.

وكأن فعل المقاومة بات ينتمي إلى الزمن الماضي، ولا مجال للمقاومة الآن، بعدما انقادت مصر بكاملها لسلطان محمد علي باشا. وهو في الأخير إنما يسهر على ضمان مصالح الدول الأجنبية في مصر، وتلك رواية أخرى في دار العشاق.

دار العشاق

يعود الرسام الفرنسي شارل إلى مصر مستسلما لجاذبية قصة عشق عاشها مع مسعدة، من أجل اللقاء بها وبابنهما الذي تركه جنينا، قبل أن يغادر إلى فرنسا، هربا من بطش الباشا، الذي علم بتعاطفه مع المصريين المسحوقين تحت قسوة عرشه. بينما ولد الطفل أعمى في غياب والده الرسام الذي يعرف من موقع الفنان قيمة حاسة العين، التي هي نافذة الروح.

هكذا، يمثل الرسام شارل صورة الآخر المأمول في نظر الروائي، في مقابل صورة الأجنبي المستعمر أو التاجر المستنزف للثورة، أو الباحث عن شبق المتعة في “خان الملذات” الذي تديره “أماليا”، في هذه الرواية.

هذه الصورة المغايرة للآخر هي التي جاءت في وصف اللقاء الذي دار بين الرسام الفرنسي والزعيم المنفي في بيته وبلده السيد عمر مكرم “كل الذين دخلوا مصر من الأجانب كانوا طامعين، لا حالمين، يرفعون السيف أو البندقية لا القلم أو الريشة”.

إنها رواية الجرح التاريخي، كما وضع عليه الروائي يده. إنه جرح خاص بالمصريين بدأ مع بحملة نابليون وتداعياتها. وهو جرح ظل ينزف لأزمنة طويلة، واستمر إلى ما بعد محمد علي. وخلاصته أن مصر لم يحكمها مصري ولم يسير أمرها المصريون لمدة قرون.

في هذا الإطار، تدفعنا وقائع الرواية إلى التساؤل عن الأسباب التي جعلت المصريين يستسلمون ويخضعون لهذه الأنظمة المستبدة، ويقبلون بها، رغم الهوان الذي لحقهم كما لحق المصريين المستضعفين في هذه الرواية.

مقابل ذلك، يقترح علينا الروائي إعادة بناء علاقة الآخر بمصر، وهو يتبنى الموقف الرومانسي الحالم الذي عبر عنه المناضل عمر مكرم وهو يخاطب الرسام الفرنسي شارل قبل أن يودعه “قل لأصدقائك من الفرنسيين، ولكل بني أوروبا: تعالوا إلى مصر، ادخلوها، عيشوا فيها، انصهروا مع أهلها، ولكن لا تدخلوها قتلة وطامعين وجشعين ونهازي فرص، وإنما ادخلوها حالمين لتحقيق العدل وإنشاء المدارس وبناء المصانع ونشر الفنون الجميلة في مصر المحروسة. لقد سبقتمونا إلى التقدم والحضارة فعلمونا بالرفق والمحبة، لا بالبغي والعدوان، واجعلوا مصر دارا كبيرة للعشاق”.

فهل وجب على مصر أن تنتظر من يجعل منها دارا للعشاق، أم أنها مهمة العشاق المصريين أنفسهم؟ ربما من هذا السؤال تبدأ رواية ناصر عراق عن دار العشاق. لأن الرواية وإن كانت تاريخية، فإنها تبدأ من حيث انتهى التاريخ، مثلما فعل مبدع هذه الوثيقة الروائية التي تحكي لنا المستقبل أيضا.

14