رسمي أبوعلي: داعش هي النص الإبليسي المضاد للدين والإنسان

الاثنين 2014/09/15
رسمي أبوعلي: أرى نفسي في القصة أولا، ومحمود درويش هو عبدالحليم حافظ الشعر العربي

عمّان- (الأردن) - كشاعر كتب رسمي أبوعلي قصيدة النثر، وله قصائد مثيرة للدهشة، غريبة، ومستفزّة، فيها من الشفافيّة والإحساس الإنساني الكثير، نذكر من أعماله “لا تشبه هذا النهر” و”الطريق إلى بيت لحم”، وهي رواية صدرت عن دار الثقافة الجديدة، بالقاهرة. لدخول عوالم هذه التجربة الثرية في تنوعها، كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الكاتب رسمي أبوعلي.


الرصيف الأممي


نبدأ من تجربة رسمي أبوعلي القصصية في “قصة قط مقصوص الشاربين”، وما أثارته حينها من جدل، وربما كانت هي سبب شهرته، يقول الكاتب: «كانت في الواقع نصا مضادا لكل ما هو سائد في عالم المقاومة، وأول ملاحظة، هي أن المقاومة في بيروت ولبنان، التي كانت في أوجها عام 1977، عندما نشرت القصة، بدت وكأنها خلفية باهتة لأحداث القصة، وربما كان السبب يعود إلى إحساسي بأنني أكبر من المؤسسة الفلسطينية التي لم تستطع استيعابي، وهذا ما يفسر إطلاقي لحركة رصيف لاحقا. شكلت الكتابة حالة خاصة أصيلة غير مسبوقة، لم أكن أقلد أحدا، وأصلا ليس لي آباء، لا في القصة ولا في الشعر ولا في أيّ شيء آخر، بمعنى أنني لم أكن امتدادا لغسان كنفاني ولا لغيره. وأفضل ما سمعته من أحد الأصدقاء هو أنني بعل؛ زراعة برية بلا ماء من أية جهة. لكن في المقابل أعترف أن في القصة أصداء من الرباعية الإسكندرانية للورنس داريل، وأصداء من رواية الغريب لألبير كامو».

عن تجربته بإطلاق جماعة ومجلة “الرصيف” بالاشتراك مع آخرين، ومنهم الشاعر الراحل علي فودة، في مرحلة مهمة من مراحل المقاومة الفلسطينية، وعن دفعهم إلى هذه التجربة وواقعها اليوم، يشير أبوعلي إلى أن الرصيف هو توصيف للذات وتنظير لأفكارها وفعاليتها. وهي فكرة إبداعية أصيلة، ليس لها سابقة في تاريخ الثورات في العالم.

يبيّن أبوعلي: «لقد صغت بنفسي بيان الرصيف في العدد الأول لمجلة “الرصيف” الذي أصدرناه سنة 1981. وقد تضمن البيان ما يلي: عرفت الرصيف بأنه أممي ديالكتيكي، ومستقل بشكل مطلق، لا يقبض من أحد، وليس وراءه أحد. كان الرصيف مستقبليا استشرافيا، قلت فيه إننا سائرون إلى زمن القطب الواحد، الأميركي. أي إنني تنبأت بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1981، وضعت أسلوب الخيار النوعي الثالث. أي لا قطيعة ولا تبعية في العلاقة مع الغرب. وقلت: سأكون الرصيف الأممي الذي يحاور المركز ديمقراطيا. إذن، كنت أضع خطة مواجهة القادم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وهذا ما حدث بعد أكثر من عشر سنوات».

الرواية كانت فعل إيمان بالذات في تلك اللحظة التاريخية، حيث تمزق جسد المقاومة أشلاء

وصف أبوعلي درويش بأنه “الشاعر العام”، قياسا بوصف عرفات “القائد العام”، وشبهه بالمطرب عبدالحليم حافظ، حين قال عنه: «إنه عبدالحليم حافظ الشعر العربي»، يستذكر رسمي أبوعلي أن ذلك قد ورد أثناء حديث له مع الروائي سليم بركات، وكان يعمل سكرتيرا للتحرير بمجلة الكرمل، مجلة محمود. إذ سأله في سياق الحديث عن رأيه في شعر محمود، وهو يعتبر سليم نفسه شاعرا من طراز فريد، فطلعت معه فجأة، أن محمود هو عبدالحليم حافظ الشعر العربي. يقول: «فوجئ سليم بهذا الرأي، وسألني على الفور، يوصل؟ أجبته، “يوصل، ليش أنا بشتمو؟”،”وهو عبدالحليم شوية في العالم العربي؟” يبدو أن محمود لم يعجبه رأيي. ولما أخبرني سليم أنه انزعج، غضبت وقلت له بأن محمود مخطئ، فعبدالحليم هو مغني الناصرية، على حين أن محمود هو مغني العرفاتية، مع ذلك لم نصل إلى القطيعة أبدا. وعندما أطلقت “الرصيف”، سُرّ كثيرا بالفكرة، وأضاف: أنا أيضا رصيف، لكن رصيف بورجوازي، وضحكنا حينها».

يؤكد أبوعلي أنه يحب محمود، ويحب شعره، وقد زار ضريحه الفخم الأنيق في رام الله، ووجد نفسه يتمتم، “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا، التي كتبها كحوار معه بعد أن قرأ قصته “قط مقصوص الشاربين اسمه ريس”، ويعتبر صاحب القصة أن قصيدة درويش هذه هي من أجمل عشر قصائد قرأها في حياته.

عن هذه الخلطة في تجربته، بين الشعر والقصة والسيرة، وعن كتابه عن القدس بعد عودته إليها إثر أوسلو، يقول رسمي أبوعلي: «عندما يسألني أحدهم عن هذه الأنواع الأدبية، وأين أجد نفسي أكثر، أجيبه، بأنني أرى نفسي في القصة أولا، وهنا أقول بأنني كاتب ذاتي، أصنع القصص ثم أكتبها، وجميع قصصي حقيقية لا خيال فيها، بما في ذلك القصص العشر التي كتبتها عن صديقي نادل الرصيف، أبو روزا وولف، وهو كردي عراقي، قصص فانتازية بعضها لا يصدق، ولكنها حدثت فعلا، والحقيقة أن كل ما كتبته يندرج بشكل أو بآخر في سيرتي الذاتية، بما في ذلك الشعر، وهمومه التأملية الوجودية. أما رواية الطريق إلى بيت لحم، فقد كتبتها ونشرتها متسلسلة في جريدة النهار اللبنانية العريقة، وذلك بعد خروج المقاومة من بيروت في صيف 1982، وكنت في دمشق آنذاك، أرسل المواد مع بعض سائقي الأجرة بين دمشق وبيروت». يعتبر أبوعلي أن «الرواية كانت فعل إيمان بالذات في تلك اللحظة التاريخية، حيث تمزق جسد المقاومة أشلاء، بعد خروجنا من بيروت ولبنان».

العرب المسلمون يقومون بنوع من الانتحار الذاتي، عبر خلافاتهم الدموية التي أفرزها قصور رجال الدين


المنعطف الدموي


عن تقييمه للثقافة والأدب في هذا المنعطف العربي الدامي، وهل ثمة في الكتابة ما يكافئ هذه التجربة الإنسانية المفتوحة على الآلام يضيف قائلا: «المرحلة مخيفة ودموية، حيث يقوم العرب المسلمون بنوع من الانتحار الذاتي، عبر خلافاتهم المذهبية والطائفية، وسببها في رأيي قصور رجال الدين والمثقفين والباحثين عن تحديث وعصرنة الدين، وبالتالي العقل الإسلامي، وانتشاله من مناخات القرون الوسطى، حيث يسود التعصب والجهل والتفسير الخاطئ والضيق للدين، إلى أن وصلنا إلى داعش، والتي هي النص المضاد تماما للدين، إسلاميا كان أو غير إسلامي. أظن أن على المثقفين العرب أن ينتبهوا تماما إلى هذه المسألة المركزية شديدة الخطورة والأهمية، وهي مهمة عاجلة، ولكنها طويلة، لأنها بصدد تحديث العمود الفقري، بل استبدال هذا العقل المتكلس، الذي دخل مرحلة استنقاع لعشرة قرون، دون أن يظهر مجتهد واحد يجدد الدين، بسبب استبداد الدول وتحالفها مع المؤسسة الدينية».

ويظن أبو علي أننا الآن بحاجة إلى مثقفين عضويين ملتصقين بصدق بمهمشي الأمة، وهم الأغلبية الساحقة، فالمرحلة خطيرة جدا، مسألة حياة أو موت، وعلى المثقفين أن يغادروا منطقة الأفندية. لينخرطوا في الدفاع عن أنفسهم وأمتهم المهددة بالخروج من الجغرافيا والتاريخ أيضا.

رسمي أبوعلي المشاغب والمشاكس والمتمرّد بطبعه، يسعى دائما إلى نقض حتى ما يسمّى بالبديهيات ليثبتَ عكسها. ففلسفة سارتر الوجودية، ساهمت وعمّقت تمرّده الفطري، تعلم منه أن لعبة الأفكار وحقائق الحياة تظل مفتوحة، ولم يبتّ فيها بعد.

15