رسم إنساني بضراوة

الاثنين 2016/08/22

“إنساني بضراوة” نادرا ما تُستعمل تلك الجملة في وصف رسام عربي. عالمنا العربي الذي جُرد من إنسانيته هو في أمس الحاجة إلى من يعيده بالصورة بعد أن فشلت الكلمة في إعادته إلى سويته. لم نعد إنسانيين بما يكفي للدفاع عن حقنا في أن نكون بشرا، مثلنا مثل الشعوب الأخرى.

لقد حرمتنا العقائد من نعمة النظر إلى الإنسان باعتباره معجزة الخلق. في إمكان الرسامين (النحاتين بدرجة أقل) وحدهم أن يعيدوا إلينا تلك النعمة. أن يضعوا السحر في محله، هناك حيث يفيض قلب الإنسان بالعاطفة. رسومنا تفتقد إلى العاطفة التي حذر الغربيون من طوفانها، غير أنهم حرصوا على ألا تنطفئ شعلتها. قد يسيء البعض فهم ما أقصد حين يظن أنني أدعو إلى رسم شكل الإنسان بالأسلوب الواقعي. مشكلتنا ليست أسلوبية بل فلسفية بما يتعلق بمعنى الإنسان، بقيمته، بجماله الروحي والجسدي، بإرادته وقوة عزيمته، بتعففه ورقته وخجله، بكرمه وصبره وخيلاء عطائه.

بهذا المعنى فإن الإنسان هو الغائب الأكبر عن الرسم في العالم العربي، سواء أكان ذلك الرسم تشخيصيا أم تجريديا. يمكنني هنا أن أتذكر رسوم محمود سعيد وشاكر حسن آل سعيد ومحمد القاسمي. كان الثلاثة رسامين إنسانيين، بغض النظر عن اختلاف أساليبهم. كان الإنسان هو جوهر تجاربهم الفنية. منه ينطلقون وإليه يعودون. لم تكن رسومهم عاطفية ولا تسعى إلى ابتزاز المتلقي عاطفيا، غير أنها كانت في الوقت نفسه لا تحرم العاطفة من ثنائهم. كان الثلاثة إنسانيين بضراوة. لا يزال شيء من إنسانيتهم يحيطنا بدفء عاطفته. لقد رسموا من أجلنا، لا من أجل أن نكون شهودا على رسومهم. كانت إنسانيتنا حاضرة في كل خط يُترك أثرا من انفعاله على سطوح لوحاته. كانت لوحاتهم ملاعب أحلامنا وساحات احتجاجنا. أنحتاج من الرسم شيئا أكثر من ذلك؟ لم يحدث أن تخلى الرسم عن الإنسان مثلما يحدث الآن في عالمنا العربي.

كاتب من العراق

16