رسم الخرائط علم يكشف تاريخ التطور البشري عبر تمثله للجغرافيا

واكب رسم خارطة العالم التطور الذي عاشه الإنسان، فانتقلت من مرحلة الرسم على الجدران والأحجار إلى استخدام الورق لتصبح لدينا اليوم خرائط رقمية متوفرة على أجهزة "الجي بي آس" والهواتف المحمولة التي ترشد مستعمليها على تفاصيل الانتقال من مكان لآخر. كما تغيرت طرق وضع الخرائط مواكبة لدرجة تعلم الإنسان للكتابة والرموز وللرياضيات والمقاييس، فاستعان مع الرموز والأشكال، بالحروف والصور الدقيقة والأسماء كما تغير شكل وتفاصيل البسيطة والمحيطات بحسب اكتشافات البشرية على مر القرون، فظهرت الأميركيتان في وقت لاحق مقارنة بقارات آسيا وأفريقيا وأوروبا ثم تغير الشكل الذي يصور عليه كوكب الأرض من مسطح ودائري إلى أشكال ثلاثية الأبعاد تقدم أدق التفاصيل عن اليابسة والبحر والكائنات والتضاريس.
الاثنين 2016/03/28
خارطة العالم تضافر إسهامات الإنسانية

القاهرة - عرف الإنسان الخرائط قبل معرفته الكتابة، حيث ساعدته فطرته على رسم وتمثيل الظواهر والتضاريس الجغرافية كالجبال والأنهار بصور بدائية على جدران الكهوف وعلى الصخور. وبعد اكتشافه الكتابة بدأ ينقشها على ألواح من الطين والخشب وعلى جلود الحيوانات وورق البردي وعلى كل وسيلة استطاع الكتابة عليها، وذلك ليسهل عليه نقلها وحفظها في أماكن آمنة نظرا لأهميتها في حياته التي كانت تقوم على التنقل والترحال، حيث تساعده الخرائط على تحديد المسالك الصحيحة.

وكان لحضارات وديان الأنهار الفضل الكبير في ظهور أول خرائط اعتمدت على القياس والاتجاه (وتعني حضارات الأنهار الحضارات الزراعية التي تقوم على ضفاف الأنهار) ومن أشهرها حضارة مصر القديمة على ضفاف نهر النيل، والهلال الخصيب قرب نهري دجلة والفرات وحضارة الصين القديمة على ضفاف النهر الأصفر والهند القديمة (السند). وتعود بدايات رسومات الخرائط إلى البابليين، فقد عثر على لوح من الطين بمقياس “7.6×6.8 سم” في العراق رسمت عليه خارطة لوادي نهر بين تلتين، ويقدر العلماء بأنها تعود إلى القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، كما أن خارطة أخرى تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد اكتشفت في تقر (السومرية)، وكانت تصف جدران ومباني المدينة المقدسة، وتعتبر خارطة العالم البابلية أقدم تمثيل وصفي للعالم، حيث أنها تعود إلى 600 عام قبل الميلاد.

ومن ثمة اتخذ العالم أشكالا عديدة على خرائط الجغرافيين والمستكشفين حتى وصل إلى صورته الحالية، ففي كل حضارة ومع كل اكتشاف جديد كانت تتطور طريقة رسم الخرائط وتزداد دقة عبر إضافة رموز وحدود جديدة لها، لذلك يمكن اعتبار الخرائط بمثابة سجل لتقدم المعرفة البشرية، وهي بتوارثها وانتقالها من جيل إلى جيل تنقل المعرفة وآخر الاكتشافات، لتكون منطلقا نحو المزيد من الاستكشاف والتطوير. وفي البداية لم يكن للأميركيتين وجود في رسم خرائط العالم، وكانت اليابسة تتكون من ثلاث قارات فقط هي آسيا وأفريقيا وأوروبا.

الوصول لهذه المرحلة من الدقة في رسم خارطة العالم هو نتاج مجهود تراكمي منذ الآلاف من السنين

ويعد أناكسيماندر وبطليموس وإراتوستينس، من أوائل اليونانيين الذين رسموا الخرائط عبر الاستعانة بالرياضيات، إضافة إلى الملاحظات المدونة من المستكشفين آنذاك، ويعتقد أن أناكسيماندر كان أقدم يوناني رسم خارطة للعالم قبل 546 ق.م، وكان مؤمنا بأن شكلها يشبه الأسطوانة المعلقة في الفضاء، وأن عالمه يكون أعلى هذه الأسطوانة، كما أن البحار سيلاكس كان أول من أضاف تعليمات الإبحار على الخرائط التي رسمها لتصبح معلما أساسيا في ما بعد لراسمي الخرائط.

ويعود الفضل الأكبر لكلوديوس بطليموس، “أبوالجغرافيا” كما يلقب في التاريخ، إذ أنه أول من اقترح أن الأرض يمكن تخيل شكلها الحقيقي إذا ما استعملت الحسابات الرياضية وعلم الفلك وتوصل إلى الفرضية الكروية للأرض وخلق نظام إحداثي، حيث تمكن منذ الآلاف من السنين من تطوير واحدة من أولى خرائط العالم، واضعا أوروبا في منتصف الكرة الأرضية بعد التعرف على المحيط الهادئ ومساحته دون وجود الأميركيتين، كما أن إراتوستينس اليوناني المصري كان أول من توصل إلى رسم وحساب تقريبي لمحيط الكرة الأرضية في تجاربه التي أجراها بالإسكندرية وتوصل إلى قيمة تقريبية بين 40 ألفا و46 ألف كيلومتر.

وبالإضافة إلى حدود الدول، ظلت خارطة العالم المعتمدة والأكثر دقة لعدة قرون، ويلاحظ أن الخارطة مقلوبة لأنه قديما كان يعتقد أن الجنوب يوجد في الأعلى، واستخدمت تصوراته وخرائطه في سائر اكتشافات عصر النهضة الأوروبية.

واعتمادا على جغرافيا الإدريسي رسم البحار التركي الأمير بيري ريس، الخارطة الأولى في التاريخ التي تظهر سواحل القارة الأميركية بتفاصيل تضاريسية دقيقة. وفي العام 1507 ظهرت الأميركيتان لأول مرة على خرائط العالم، عن طريق خارطة رسمها عالم الخرائط الألماني مارتن فالدسميلر الذي استخدم لأول مرة اسم أميركا المقتبسة من اسم “أمريكو فسبوشي”، لينعت به اسم الأراضي المكتشفة للعالم الجديد، ويذكر أن الخارطة ظلت مفقودة واكتشفت في العام 1901 من قبل كاهن، لتشتريها مكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة مقابل 10 ملايين دولار.

1154 رسم العالم العربي محمد الإدريسي خارطته التي تعد من الخرائط الأكثر تقدما

ومع التقدم التكنولوجي الكبير وثورة الاتصالات والإنترنت التي شهدها العصر الحديث، ظهر برنامج “غوغل إيرث” الذي يعد طفرة في عالم الجغرافيا وخلق ثورة في علم رسم الخرائط، حيث يعتبر مصدر أدق الخرائط في العالم الآن، وهو برنامج خرائطي وجغرافي معلوماتي أنشأته شركة “كي هول”، وكان يطلق عليه في الأصل “إيرث فيور ثلاثي الأبعاد”، ويرسم البرنامج خارطة للأرض عن طريق تركيب الصور التي تم الحصول عليها من صور الأقمار الاصطناعية، والتصوير الجوي ونظم المعلومات الجغرافية ثلاثية الأبعاد الخاصة بالكرة الأرضية.

ويوضح د. محمد صبري، أستاذ الجغرافيا والخرائط بجامعة القاهرة، أن رسم خارطة العالم مر بعدة مراحل وتطور حتى وصل إلى شكل خارطة العالم الحالية، بداية من الحضارات القديمة، والتي رسمت العالم بالحدود التي تعرفها، ومع توسع الإمبراطوريات والاكتشافات الجديدة، توسعت تلك الحدود لتضم أجزاء جديدة من العالم. ويشير صبري إلى أن التقدم في الرياضيات وعلم الفلك ساعد في زيادة التقدم في دقة الخرائط، وأصبحت أميركا الشمالية وشبه القارة الهندية واضحتين فيها، لافتا إلى أنه خلال القرن العشرين أصبحت الخرائط أكثر تقدما وخاصة في مجال الطباعة والتصوير.

وتم إنتاج الكثير من نسخ الخرائط بجودة عالية، حيث أن وجود التلسكوب أعطى مسحا دقيقا للأرض وسمح للملاحين ورسامي الخرائط بتحديد الزوايا لنجم الشمال في الليل أو للشمس عند الظهيرة، كما مكنهم من التقاط صور دقيقة للتضاريس، حيث اتضحت الآن خارطة مكتملة المعالم، بل إن الخرائط الحديثة شملت رسم تضاريس أعماق المحيطات ورسم حدود الفضاء الخارجي، وذلك بالاستعانة بالأقمار الاصطناعية، مؤكدا أن الوصول لهذه المرحلة المتقدمة من الدقة والوضوح والكمال في رسم خارطة العالم لا ينسب إلى حضارة أو شخص بعينه، بل هو نتاج مجهود تراكمي منذ الآلاف من السنين.

12