رسم الغنى الخيالي

الاثنين 2014/10/06

اشتهر الرسام اللبناني صليبا الدويهي (1909 /1994)، بنوع من التجريد الذي يذكر بمساحات شاسعة من الأرض التي تضيع فيها المعاني حين النظر إليها.كان تجريديا منعما برخاء النظر إلى الطبيعة، شكلانية ناعمة تستدعي العواطف من غير أن تخضع لها.

شيء منه كان صارما على المستوى التقني، غير أن ترف أشكاله كان يرتجل قدرا من الاسترخاء، كان بمثابة فضاء روحي تأنس النفس في التجوال فيه ومن حوله.

لقد وصل الدويهي إلى أعلى مراحله في التجريد عند الإقامة في نيويورك، فكان جزءا ناتئا من مدرسة تلك المدينة التي وهبت الفن فنانين كبارا مثل روثكو وغوركي ودي كوننغ، وفي مرحلة لاحقة جاسبر جونز وروبرت راوشنبرغ.

في فن صليبا التجريدي كان هناك شيء من أهدن، القرية اللبنانية التي ولد فيها والتي تقع شمال لبنان، بلده الذي وهبه غير مرة فرصة الذهاب الحر والآمن إلى باريس وروما وأخيرا نيويورك.

لذلك كان صليبا يرسم تجريديا بقوة ذاكرته التشخيصية، وكنت محظوطا أثناء زيارتي الأخيرة إلى لبنان برؤية عدد من رسومه المبكرة، يوم كان يحاول نقل مشاهد قريته إلى القماش.

يا له من رسام قدير، إتقانه لا يبارى، كان يرى المشهد الذي يستحق أن يُرسم لغناه الخيالي، ويرسمه بالطريقة التي تحرره من بلاغته الواقعية، لقد رأيت مشاهد تنتمي إلى الرسم أكثر من أن تنتمي إلى الواقع، غير أنها تذكر أهل أهن بقريتهم.

لقد رسم فضاء خياله واقعيا وهو الفضاء نفسه الذي صنع منه رساما تجريديا في ما بعد، كان يرسم المشهد مبنيا كما لو أنه قد خرج لتوّه من العدم، كانت يده تتخيل ما كان خيال الطبيعة يراهن عليه من غير أن يجازف في إظهاره.

طبيعة مجاورة يخترعها الرسام لتحل محل الطبيعة الواقعية، لقد اتسعت أهدن لتضيف إلى مساحتها الواقعية مساحة اخترعها ابنها، ولو زرت أهدن وقد رأيت من قبل ذلك رسوم الدويهي، فإنه لا يمكنك أن تراها إلاّ من خلال عينيه.

كاتب من العراق

16