رسول محمد رسول: المثقف الإرهابي جزء من نخبة تستمرئ قتل الآخرين

الاثنين 2013/12/16
المثقف العربي الحر صار معزولا ومشلولا

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشددة ومتطرفة، أدّت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حادّ في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار ضمن سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

رأى الناقد والباحث رسول محمد رسول الأستاذ في الفلسفة الألمانية، أن دور المفكر العربي يتناهى إلى العزلة والجمود، مؤكدا أن قتل المفكّر الآن صار شاملا وتدميريا يطال أهله وأسرته وتفجير منزله وقتل عياله، وأن ذلك هو ما جرى في العراق، وسيجري لاحقا في سوريا ولبنان ومصر وتونس طالما أن مؤسسات وإيديولوجيات التكفير الديني والتهميش الفكري والثقافي والطائفي والعرقي تنتشر وتتنامى، لافتا إلى أن صمت المفكرين على أذى الدكتاتورية للإنسان العربي خيانة للوطن وللأمة وللعالم، إنها خيانة لا أخلاقية تجعلهم يوما إثر آخر مهزومين ومعزولين رغم أنهم نشروا كتبا كثيرة في أرقى الطبعات.. وفي الحوار معه مزيد من التفاصيل المهمة.

قتل على الظن


أكد رسول محمد رسول أننا نعيش في عصر يبدو المفكّر العربي فيه مهزوما في ظل الوجود المهيمن للإرهابي والقاتل والمبيد للإنسان في غير مكان من وطننا العربي الكبير بآلامه وجوع الإنسان فيه وهزيمته، وفي ظل تمويل بعض الدول العربية لهذا الإرهابي أو ذاك -سواء كان دينيا أم غير ديني- بكل ما يُريد ويتمنى؛ ابتداء من المال والسلاح ولوجستيات الدعم الإعلامي، وانتهاء بنساء النكاح والمتعة الجنسية والترفيه الإيروتيكي. بإزاء ذلك يتناهى دور المفكّر العربي إلى العزلة، فلا أبسط ولا أيسر من قتل أي إنسان، وهتك شرفه وحرماته، واغتصاب أبنائه وبناته وزوجته، وتفجير منزله، كل ذلك سهل وميسور، خصوصا أن المفكّر أو المثقف هو إنسان يعيش في فضاء مفتوح وتبدو كل حياته معرضة للاختراق في أية لحظة ممكنة.

وأضاف قوله ’’إن "المثقف الحرّ" بات الداعي إلى حقوق الإنسان وحرية العيش والتعبير عن ذاته منحسرا في ظل صعود "المفكّر الإرهابي" الذي أخذ يظهر ملتحيا مرة وغير ملتح مرّة أخرى في سيمياء شكله، هذه بعض صور ظهور المفكّر الإرهابي أو قد نتنازل ونسِمُه بـ"المثقف الإرهابي"، هذا النوع من البشر قاتل جديد للإنسان والحياة وقيم الحرية والخير وبناء المستقبل‘‘.

وبسؤاله كيف يسمي المفكّر بـ"المفكّر الإرهابي"، أليس في هذه التسمية مفارقة؟ يجيب قائلا: "نحن نعيش في عالم تغزوه المفارقات، المفكّر الإرهابي حالة واقعة بالفعل، إنه جزء من نخبة تستمرئ قتل الآخرين، فئة تعتلي منصّات التلفزات العربية، وتتواجد في خطب الجمعة الدينية لتشعل فتيل الحروب الطائفية والجهوية والبينية فتدعو بذلك علنا وضمنا إلى قتل البشر على الظن وعدم اليقين، فما عاد الإنسان قيمة عليا، وهو بنيان الله في الأرض.

ولهذا بات دور المفكّر العربي المعاصر جامدا؛ ففي الماضي كان الاغتيال يستهدف قتل المثقف نفسه الداعي إلى حرية التفكير والتحرّر من ظلاميات المفكّر الديني المتطرف أو الدكتاتور الحاكم المستبدّ، أما الآن فصار قتل المفكّر شاملا وتدميريا يطال أهله وأسرته وتفجير منزله وقتل عياله، هذا ما جرى في العراق، وسيجري لاحقا في سوريا ولبنان ومصر وتونس، طالما أن مؤسسات وإيديولوجيات التكفير الديني والتهميش الفكري والثقافي والطائفي والعرقي تنتشر وتتنامى".

اهتراء ثقافة الحرية


أشار رسول محمد رسول إلى أننا نعيش في ظل هيمنة دولة إسلامية عربية فاسدة، وقال "منذ القرن الأول الهجري بدأت رحلة تدمير المثقف والمفكّر واستمرّت حتى الآن، لكنه الآن بدا التدمير أشدّ قهرا. في كل الدول العربية تبني دوائر أمنية معينة استراتيجيات تقويض دور المثقف والمفكّر إلى الحدّ الأدنى، بمعنى أنها تريد تجميد دورهما في الحياة الثقافية والفكرية.

في الماضي كان الاغتيال يستهدف المثقف نفسه أما الآن فصار قتل المفكر شاملا وتدميريا يطال أهله وأسرته وتفجير منزله وقتل عياله

وأوضح ذلك بقوله: "قبل نصف قرن كانت الدولة العربية تريد من كلٍّ من المثقف والمفكّر أن يمارس دورا إيديولوجيا لخدمة أجنداتها وبرامجها التعبوية، أما الآن وقد أصبح التعبير الإيديولوجي محصورا على المفكّر الديني المسيس، وكذلك على الإرهابي قاتل البشر، وبضعة عمال معرفة جُدد كالصحفيين والناشرين والمؤسسات الثقافية والعاملين لصالح بعض الدول، فلا مجال للمفكّر الحرّ، وهذه بداية لنهاية المثقف والمفكر الإيديولوجي.

لقد لعب المثقفون الإيديولوجيون الأحرار دورا مهما في تقويض سلطة الدولة الجائرة والظالمة، لكنّ دورهم الآن يتطلّب منهم التخلي عن الدور الإيديولوجي لصالح دورهم الحرّ في بناء الإنسان والدولة والمجتمع في ظل توافر الإنسان المعاصر على وسائل الاتصال المفتوحة والعابرة لجغرافيات الحاكم المتسلِّط، ومناهضة بعض المؤسسات الثقافية والفكرية العربية المارقة، وعلى كل مثقف مقاومة بربرية قمع الفكر الحرّ في دويلته. يجب على المثقف والمفكّر الحر أن يحميا ويدافعا عن وطنهما وأمتهما وكونيتهما لأنهما ومن دون ذلك لا هوية لهما. ولو كانت الدولة عائقا فأهلا بإزاحتها عن طريق الفكر الحر وليس بالتأدلج المقيت أو الثورة التي تبطش بمقدرات الشعوب. ما هو مؤسف هو وجود بعض المفكّرين يتآمرون على الوطن والأمة والعالم عبر النظر إلى الإنسان بأنه لون أو شكل أو دين أو مذهب، يا لها من بشاعة قاتمة!".


انتهى زمن النقل


يرى رسول أن الدولة العربية الحديثة في القرن العشرين ولدت عسكرية القوام والهوية، واستمرت هكذا، بل وولدت طائفية وعرقية سافرة، وهذا ما جعلها دولة جهوية تكفيرية في أحيان عدة، وظلت هكذا، ودولة من هذا النوع لا ترحب بالمفكّر الحرّ بدليل أنها تحارب الفلاسفة، وتلغي تدريس الفلسفة، لأن الفلسفة تفتح ذهن الإنسان العربي على السؤال؛ سؤال الأشياء والأكوان والعوالم والهويات والأديان والقيم، سؤال طبيعتها وهويتها وقيمتها، وهذا ما لا تريده الدولة العربية المعاصرة.

ولكن فات الأوان؛ فالعالم مفتوح على بعضه، وما عادت المدارس مغلقة على الدرس الذي تريده الدولة، وباتت كثير من المجتمعات العربية مجتمعات مفتوحة، ولم يعد الإنسان العربي أعمى في صحراء بلا ملامح. إلاّ أنه، ولصلابة جمود الفكر العربي، ولتعقّد ملابسات وإشكاليات الفكر العربي المعاصر، ترانا نحتاج إلى ثورة حقيقية تجلي الترسبات التي أتت على الفكر العربي بالجمود والتكلس والخمود والنسيان والبطالة والتعطيل.

وشدد أنه تمّ بالفعل اغتيال العقل العربي لكنه لم يمت بعدُ؛ فمنذ جابر بن حيان وأبو يعقوب الكندي حتى برهان غليون، وعبد الله العروي، وحسام الألوسي، ومحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، مضى العقل العربي يسائل نفسه وذاته وكيانه على نحو متواتر، وسيبقى هكذا حتى أبد الدهر. العقل العربي حيوي ولذلك هو القادر أبدا على النهوض بالإنسان نحو العلا. أنا متفائل بعودة المفكّر العربي الحرّ إلى حياض الإنسان والمجتمع العربي.

وقال "العقل النقلي حقيقة موضوعية لا فكاك منها منذ القرن الأول الهجري، هذا العقل هو جزء من تراث الأمة، وهو طريقة للتفكير في الوجود والحياة، لكن أنظمة عربية عدة وظفته لصالح إيديولوجيتها لأكثر من مئة عام مرّت، وقد حان الأوان لهزيمة هذه الأنظمة الفاسدة، وسنرى معا كيف سيحفر مفكر النقل العربي المتطرف والقاتل للبشر تراب الأرض لكي يعمّر له قبرا هو أدرى بزواله لاحقا من وجه البسيطة. أما الإسلام السياسي الذي سمحت الولايات المتحدة وبريطانيا بصعوده إلى دفة الحكم في العراق ومصر وتونس وأمكنة أخرى قادمة فهو يعيش حالة من التصفية والغربلة، وفي حدود عام 2030 سنجد الإسلام السياسي وقد فكك من صلابة أدائه المجتمعي في ظل صعود المفكّر الحرّ الذي سيتنامى دوره وحضوره في غضون السنوات العشر القادمة".

طائفية قذرة


وفي الشأن نفسه أضاف رسول محمد رسول قوله: "لو كان أنموذج هذا المفكّر يشعر بحريته لما سقط في الدولة المارقة. ولكن لا ينبغي التعامل مع هؤلاء بقسوة كبيرة، نعم إنهم مفكرو سلطة، مثقفو سلطة، ولكن لهم مبرراتهم، وفي النهاية تراهم فشلوا كما فشلت الدولة الوطنية الفاسدة في تحقيق تنمية عربية مستدامة.

كان صمتهم على أذى الدكتاتورية للإنسان العربي خيانة للوطن وللأمة وللعالم، إنها خيانة لا أخلاقية تجعلهم يوما إثر آخر مهزومين ومعزولين رغم أنهم نشروا كتبا كثيرة في أرقى الطبعات، ووزعت كتبهم على نحو جماهيري وبدعم من الأنظمة الحاكمة، واحتلوا مناصب في صحف ومجلات ومؤسسات ثقافية عربية الطابع، وسافروا إلى بلدان شتى لحضور مؤتمرات وندوات فكرية وثقافية وأدبية، وتحصلوا على جوائز كثيرة، لكن كل ذلك بدأ مرحليا، هؤلاء شركاء في قتل المثقف أو المفكّر الحُرّ الذين أخذوا على عاتقهم تهميشه والتضييق عليه، بل وحتى قطع رزقه وقوته اليومي، وتشويه سمعته وشخصه، تراهم هؤلاء علمانيين وليبراليين لكنهم طائفيون قذرون".

يوم الأربعاء رياض نعسان آغا: هل نحمل المفكرين والمثقفين مسؤولية الاستبداد

15