رسومات ديجيتالية تبكي فواجع لبنان ومآسيه

الأعمال الفنية جسدت الجرح العميق للواقع الدامي في بلاد الأرز.
الأربعاء 2020/09/30
بيروت بين زمنين (عمل فني لعدرا القنديل)

لا تزال بيروت تلملم أوجاعها منذ حادث المرفأ في الرابع من أغسطس الماضي. مرّت الأيام وستمرّ، لكنّ الجرح الغائر في صدر وطن مثقل بالخيبات والأزمات لم يندمل على الأقل عند فناني البلد الذين وثّقوا الفاجعة في لوحات زيتية ورسومات توضيحية ديجيتالية تبكي لبنان وأهله.

بيروت – كثرت الأعمال الفنية من لوحات زيتية وأخرى مشغولة بالألوان الأكريليكية التي عبرت عن المأساة الشاملة التي عصفت بلبنان بشكل عام وببيروت بشكل خاص يوم 4 أغسطس الماضي.

ولم يقتصر الأمر على هذا النوع من الأعمال فشمل الإنتاج الفني اللصيق بالحدث الرسومات التوضيحية والديجيتالية التي انتشرت كالنار في الهشيم على شبكات التواصل الاجتماعي، ليتحوّل بعضها إلى ملصقات إعلانية ظهرت في الشوارع وعلى الشاشات الإلكترونية الموضوعة على واجهات المحلات.

قال المفكر الفرنسي جان بودريارد صاحب الأفكار الفذّة والرائية التي بدأت تترجم على أرض الواقع منذ أكثر من 15 سنة، قال إننا نعيش في زمن تكثر فيه المعلومات ويقل فيه المعنى، وهو ما يمكن توظيفه في المشهد الفني اللبناني المشبع بالبصريات التي تناولت أدنى تفصيل من الانفجار جاعلة منه المشهد كله الذي لا شيء قبله أو بعده وهو لا لبس فيه.

لذلك قد يشعر اليوم الكثير من اللبنانيين بالوهن أمام حصار بصري بات هو الأصل وليس النسخة عنه (هنا أيضا تتحقّق أحد أهم أفكار جان بودريارد المبحرة في ما سماه بالمحاكاة والصور الزائفة).

غصّ الشارع منذ انفجار بيروت بكم هائل من الصور الفوتوغرافية الفنية والتوثيقية على السواء وبالأعمال الفنية والديجيتالية التي تميزت بسرعة تنفيذها وبتقدّم الفكرة التي تقف خلفها، وفي أحيان كثيرة على فنية تنفيذها.

إشباع بصري

دمع ودخان ودمار (لوحة للفنانة نور حلبي)
دمع ودخان ودمار (لوحة للفنانة نور حلبي)

انطلاقا من هذا الحشد البصري الهائل، الذي لم يتوقف حتى هذه اللحظة، بات من الصعب على أي أحد نكران أن “المعنى” الصاخب والفائض بالوفرة البصرية المتخايلة والمنبثقة من واقع يشبه الخيال، والذي يقف خلف كل هذه الأعمال الفنية على أنواعها واختلاف درجات أهميتها، أدّى إلى نوع من الإشباع تهالكت من خلاله المعالم الواقعية لهذا الانفجار الذي تحوّل خلال أقل من شهرين إلى حدث أسطوري/ ملحمي يجدر الغوص في أبعاده “الميتافيزيقية” حينا وفي أبعاده الغنائية/ السوداوية حينا آخر.

لم يعد مهما الاستدلال على أسباب هذا الانفجار ولا على كيفية حدوثه ولا على من هو المسؤول الرئيسي عن حدوثه، لأن ذلك بالنسبة للبنانيين ضرب من ضروب الجنون أو السذاجة الوجودية. فاللبناني بشكل عام اعتاد على حالة عدم القصاص من أي مجرم وعلى حالة التمييع التي تصل في أحيان كثيرة إلى تمييع “ما حدث” حتى اختفائه أو تحوّله إلى ما لا يشبهه إطلاقا.

جاءت الأعمال الفنية بمجملها فيضا من التوصيف الذي بلغ حد السريالية والرمزية في بلد تخطى الواقع ليبتكر واقعا آخر، هو الصورة أو العمل الفني، الذي منه تُستحدث النسخ، لا بل تولد الحقائق التي لا يميزها إلاّ بصريتها المطلقة. غاب المعنى. لم يبق لنا إلاّ الصور.

الأعمال الفنية جاءت في مجملها فيضا من التوصيف الذي بلغ حد السريالية والرمزية في بلد أثقلته الجراح

ووفق قدرة ومدة إنتاج نسخ عنها ستبقى حية حتى حدوث أمر صاعق آخر يتطلب استيلاد صور أخرى.. وهكذا دواليك، على الأقل، هنا في لبنان الأرض “الهيبريالية” الما فوق واقعية، والتعبير هو أيضا للمفكر الراحل جون بودريارد.

من الأعمال الديجيتلية “الناهضة” من قلب الحدث، نذكر عملا للفنان عمر مغربل الذي بدت فيه مدينة بيروت من البحر مع صعود دخاني أحمر اللون، أضاف عليها الفنان هذه الجملة “بيروت، قومي من تحت الردم”.

وأيضا نذكر عملا لنور حلبي، وهي لا تزال طالبة اجتماعية، بعنوان “ميلانكوليا” أو سوداوية دمجت فيه الفنانة اللبنانية عملا آخر للفنان الشهير لوي جان فرانسوا لاغروني، لتبدو فيه امرأة مطرقة الرأس مع خلفية نارية/ دخانية لمدينة بيروت.

بين نقيضين

تناقضات الحاضر والماضي (رسم توضيحي لنور فليحان)
تناقضات الحاضر والماضي (رسم توضيحي لنور فليحان)

تقول نور حلبي عن هذا العمل بكلمات تكشف عمق إدراكها لمعنى الإحباط اللبناني “المذاق الذي يولد من كثرة الأمل بالخلاص وليس بالعكس، إنها القشة الأخيرة التي قصفت ظهرنا”.

وتقدّم فنانة الرسومات التوضيحية نور فليحان التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، عملا يجمع مشهدا سعيدا ليد تسكب القهوة العربية في فنجان تراثي/ لبناني مع كلمات حزينة بصفة المخاطبة “بيروت، أنت حرقة قلبي الكبرى. أعلم أنك لست بخير.. ولكننا سنعيد بناءك”.

أما الرسامة عدرا القنديل فنشرت عملا فنيا تشخّص فيه بيروت جاعلة منها هامة دخانية تظهر فيها عين دامعة تسرح في الفراغ. أضافت في أسفل الرسمة صورا لأناس قادمين من العصر الذهبي لبيروت، أي فترة الستينات.

هذا التناقض أوصل المعنى إلى ما هو أبعد من الحالة الآنية ليشمل بيروت تاريخا وحاضرا ونظرة مستقبلية لا تعرف أين سيكون المستقر: في الجحيم أم في هناء أرضي مؤقّت.

أما الفنانة والمصمّمة راشيل عباس فتخطّ ببساطة قلم رشيق اصطبغ بالأحمر على وسع فراغ أبيض بيروت ككلمة نازفة. وتقول عن هذا العمل “بيروت مكان مولدي. بيروت أنشأتني.. أفكار ومشاعر محتدمة اعتملت بداخلي فكان هذا العمل المتقشّف والبسيط، ولكن الصادق جدا: بيروت تنزف”.

هذه كانت بضعة من الرسومات الفنية المستقاة من كم هائل من الصور الفوتوغرافية التي وثّقت الكارثة. صور ورسومات احتلت مكان الواقع فصارت واقعا آخر يقف على هامش “الحقيقة” المنهوبة من معناها، واقعا متأملا وساخرا وسائلا أرباب الخراب الفوضويين: هل من مزيد؟

14