رسومات سورية يختلط فيها الواقعي بالميتافيزيقي

الكرّ والفرّ يستمرّان في أعمال عمر إبراهيم على وتر التحوّلات الدائمة.
الأربعاء 2021/07/14
لا مكان للعفوية الساذجة في لوحات عمر إبراهيم

هناك فنانون تودّ ألاّ تتخلّف عن متابعة تطوّر أعمالهم الفنية لأنهم في كل مرة يقدّمون فيها جديدهم وتُخبرك أعمالهم بأنها ليست الصيغة النهائية التي يتصوّر فيها الإنسان العالم، وأنها عرضة للتحوّل ومرصودة دوما لدرامية كلمة “يتبع..”. من هؤلاء الفنانين يبرز اسم الفنان التشكيلي السوري عمر إبراهيم.

أي نص فني لصيق بصانعه هو نص متوتّر ودائم التحوّل على وقع التجارب الحياتية، من الأكثر تفاهة إلى الأهم في معناها ونتائجها. ليس كل الفنانين على هذا التماس مع نصهم، بل الكثير منهم يحاذونه في تحكّم شديد بمدى الصدق الذي يُمكن السماح به مع أنفسهم أولا ومع المتلقي الفني تاليا.

من الفنانين، وبامتياز، الذي تدعوك أعماله إلى متابعتها لشدة التصاقها بصانعها الفنان التشكيلي السوري عمر إبراهيم. هذا الفنان قطع أشواطا كثيرة خلال السنوات العشر الأخيرة إن على مستوى العمل الفني أو على المستوى الأكاديمي.

عمر إبراهيم لا يزال منسجما مع لقب {الفنان الميداني الذي تسبق يده عقله، ويسبق عقله مشاعره، ممّا يبقيه على نار الأسئلة الحارقة
عمر إبراهيم لا يزال منسجما مع لقب "الفنان الميداني الذي تسبق يده عقله، ويسبق عقله مشاعره" مما يبقيه على نار الأسئلة الحارقة

خطوط متوترة

في معرضه الأخير الذي قدّمه في باريس عرض الفنان السوري جدارية عملاقة فيها وحوشه التي لازمت سيرته الفنية، وقد أصبحت أكثر مُلاءَمة لمحيطها.

تفشّت في كل مساحة الجدارية كما يُمكن أن تتفشّى مخلوقات هلامية حينا وشبحية حينا آخر، ممّا مكّنها من أن تكون أكثر إيذاء لمن يقترب منها ويلامس “جلدها”. خُيّل لنا يومها أن في تلك الجدارية اكتملت أشكال وحوشه ووضحت هويتها واستقرّت على كونها تمثل الإنسان المعاصر، الشرير منه والخيّر.

غير أن الفنان كعادته ما فتئ يصول ويجول في سراديب عالمه الداخلي الذي تنفذ إليه أبخرة العالم المحيط، السامة منها والمُبلسمة فنراه ينشر على صفحته الفيسبوكية أعمالا ليست جديدة من ناحية المنطق المُولّد لها وليست قديمة في آن واحد. إذ يعود الوجه البشري إلى لوحته كاسحا في خطوطه المتوترة التي يتخللها اللون الأبيض الذي يُجسّد الفراغ “لونيّا”، إذا صحّ التعبير، ليصبح مُتنفّسا لتعابير الوجوه الكئيبة أو غير المنسجمة مع ذاتها أو مع الآخرين.

ولعل تجربة الفنان التي قامت طويلا على رسم الوجوه واستنساخها في صيغ جديدة تحمل بعض التعديلات المؤثرة التي جعلته قادرا اليوم عبر لوحاته الجديدة على أن يحرّر الخطوط المُشكّلة من بعضها البعض، ويُفكّك أي تواصل لوني في الوجه الواحد دون أن يُحدث في ذلك أي خلل يُفقد فيه الوجه المرسوم القدرة على الإشارة إلى أنه وجه بشري، بل دون أن يفقده القدرة على إظهار مُختلف المشاعر التي تسكنه. وجوه ناضحة بما في دواخلها من تمزقات وحيرة ورغبة في تخطي كل ما رزح تحت هوله طويلا صاحب الوجه المرسوم.

أهوال عامة

Thumbnail

لا يقتصر هذا الهول على المأساة السورية التي عايشها الفنان لفترة طويلة وتأثّر بها بشكل مباشر، ولاحقا بشكل غير مباشر عندما غادر البلد نحو بيروت ومن ثم إلى فرنسا حيث استقر، بل يشمل الهواجس والأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية التي اجتاحت العالم لتحدّد معالمه الجديدة.

معالم يقف اليوم أمامها الفنان وقفة تخطٍّ وعودة أكثر خبرة إلى “بلد المنشأ”. فهو أعاد بأعماله الجديدة، أو لنقل بالعديد منها، مُشاهد لوحاته هذه إلى المكان الأصل الذي خرجت منه وجوه الفنان.

والمكان الأصل هو حتما البؤر اللونية التي كانت تسيطر على لوحاته السابقة، والتي كانت تبدو خلايا غنية عمقا ولونا؛ خلايا نائمة أو فوهات براكين بعد وقبل انطلاق الحمم/ الوجوه منها. وكيف نستغرب ذلك ولقاء الفنان الأول مع الفن حدث حينما كان في طفولته يقوم بتشكيل الشخوص والوحوش نحتا بمادة الطين المتواجدة بمحاذاة الأنهار؟

تتعدّد ألوان الوجوه التي نشرها الفنان حديثا، ويصوّر مُعظمها نوعا خاصا من الإعياء الذي لا يدعوها إلى الغيبوبة بقدر ما يدعوها إلى الثبات عبر الوجود والتأكيد عليه، وذلك بالتدرجات النافذة من اللون الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر.

الناظر إليها سيجد على الرغم من تعابيرها المختلفة عن بعضها البعض أنها جميعًا خارجة من أتون صنعه البشر. وسيعثر على أمر آخر وهو أن الفنان مازال منسجما مع لقب أطلقناه عليه سابقا، وهو “الفنان الميداني” الذي تسبق يده عقله، والذي يسبق عقله مشاعره التي تبقيه على نار التحوّلات الدائمة ممّا يعطي لمعظم لوحاته نضارة وتلقائية تبتعد كل البعد عن العفوية الساذجة.

وعن الرسم يقول “اعتقدت دائما أنني أرسم اللوحة التي اكتشفت في وقت مبكر أنها تعاود رسمي لنتشابه سوية أنا وهي وحدنا كي نصل إلى ما نشتهي ونحلم به. ربما أحلم من خلال ذلك بزيادة سعة العالم لبرهة عبر فعل الرسم اليومي، لأقول ما أودّ قوله وأعمل ما أرغب في إنجازه بحرية، كي لا أخاف من شيء ولا أطمع في شيء أكثر”.

رسومات الفنان السوري تستعرض وجوها ناضحة بما في دواخلها من تمزقات ورغبة في تخطي كل ما رزح تحت هولها طويلا

وعمر إبراهيم من مواليد السويداء السورية عام 1978، تخرج في جامعة دمشق للفنون. وشارك في العديد من الفعاليات الفنية وحصل على العديد من الجوائز والشهادات الفخرية من اليابان لتصميم أنجزه لشركة، وحاز جائزتين من مهرجان المزرعة للإبداع الفني والأدبي في مدينته السويداء سنة 2003 وسنة 2009.

كما حصل على جائزة من مهرجان الشباب الرابع في دمشق عام 2004. استقر في باريس منذ سنة 2014، وفيها قدّم معرضه الأخير “من حجر إلى حجر” الذي جاء امتدادا لسلسلة من المعارض الفردية والجماعية والإقامات الفنية في السعودية والولايات المتحدة ودبي وإيطاليا وطوكيو ولبنان وفرنسا وسوريا.

وهو اليوم أستاذ في المعهد العالي للفن في منطقة الباسك، كما يعمل على تدريس مادة الخط العربي في جامعة العلوم السياسية بمدينتي ريمس وباريس منذ عام 2017، وقدّم بالتعاون مع منظمات أوروبية وجامعات فرنسية العديد من  المشاريع الفنية والثقافية المتعلقة باللجوء.

كما شارك في الكتابة الفنية والثقافية في كل من القسم الثقافي بجريدة “المدن” الإلكترونية وجريدة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة وغير ذلك من النشاطات التي طوّرت نصه الفني بشكل أو بآخر، وكثّفت رغبته في اكتشاف عوالم جديدة كانت يوما ما بعيدة المنال.

Thumbnail
16