رسوم كهوف "التاميرا" أو سينما إنسان ما قبل التاريخ

الاثنين 2014/03/24
مر الإنسان القديم من هذه الكهوف ليحكي قصصه ويومياته على سقوف "التاميرا"

مدريد - تشير الأبحاث التاريخية والأركيولوجية إلى أنّ حضور الإنسان في شبه الجزيرة الإيبيرية (أسبانيا)، قد حدث منذ عصور ما قبل التاريخ. ويشار أيضا ـ على وجه الدقة ـ إلى أن الوجود البشري على تلك الأرض يعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل. ولئن أثبتت الأبحاث العلمية ذلك، فإن مواقع أثرية عديدة لا تزال قائمة إلى هذا اليوم، تؤكّد ما ذهب إليه العلماء، من ذلك مواقع؛ أورثي وبينادو وأرديش وأتابوركا(…)، وخاصة موقع “ألتاميرا” الشهير الذي أعيد فتحه مؤخرا.

للمرة الأولى منذ 12 عاما، تم فتح كهف “التاميرا” في شمال أسبانيا برسوماته الشهيرة التي تعود إلى العصر الحجري، أمام مجموعات صغيرة من الأفراد.

ويقع كهف “التاميرا” جنوب منطقة سانتاندار، شمال غرب أسبانيا، وهو من بين الكهوف النادرة في العالم التي تعود إلى آلاف السنين. ويحوي الكهف رسوما صخرية يعود عمرها إلى ما يقرب الـ14.500 عام.

وقد تم اكتشاف المغارة سنة 1868م ولم تأخذ حيزا من الاهتمام إلا بعد 7 سنوات من اكتشافها، أي سنة 1875م عندما اكتشفت بنت في السابعة من عمرها رسوم ثيران وحيوانات أخرى، توحي برواية قصة مصورة عن أحداث الصيد والنشاط اليومي للسّكان القدامى، وذلك في أعلى سقوف الكهف.

ويتم حاليا تنظيم جولة واحدة أسبوعيا، حتى أغسطس القادم، على سبيل التجربة. وفي المرة الواحدة يمكن أن يقوم خمسة بالغين بجولة، مع توفير مرشد لهم، في الكهف المدرج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة سنة 1985، والكائن في مدينة “سانتيلانا ديل مار” بإقليم “كانتبريا”.

وتمّ اكتشاف هذا الكهف، من قِبَلِ صياد عن طريق الصدفة، نظرا لوجوده على البحر الشمالي لمنطقة “سانتيانا دال مار” في عام 1868. وهو يضم أكثر من 260 رسما ونقشا صخريّا تعود مجملها إلى العصر الحجري. ويضمّ في الأساس رسومات ممثلة للحيوانات، ورموزا تجريدية لا تزال معانيها غير معروفة إلى الآن.

ويتكون كهف “التاميرا” من مجموعة كهوف متداخلة ومعقدة، وذات عمق داخل الأرض. ودون اعتبار الكهف الرئيسي الّذي يؤدي إلى مسالك أخرى، فإنّ عدد سلسلة كهوف “التاميرا” تعدّ حوالي 17 كهفا، تتحوي كلها على رسومات وأشكال، رسمها الإنسان ليعبر من خلالها عن يوميّاته وما كان يعيشه من أحداث.

وشكل الكهوف هو الشكل المعتاد، مغارة طويلة ودائرية الشكل تبدأ من ببوابة تم إنشاؤها لحماية الأثر وأماكن للحراسة، وعند الدخول تبدأ الرحلة مع آثار الرسوم والنقوش على الجدران المحيطة بالزائر.

وتقول وكالة الأنباء الأسبانية “إفي”، إن الشعور بالإثارة هائل قبيل إعادة فتح الكهف. وبحسب إدارة متحف “التاميرا” وردت طلبات من مختلف أنحاء العالم لزيارة الكهف. إذ تمثل “التاميرا” بسلسلة كهوفها، أوج فن الكهوف في العصر الحجري القديم، الذي نما عبر أرجاء أوروبا، من جبال الأورال التي تصل روسيا بآسيا وصولا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، مرورا بجبال الآلب والبيرينيه، خاصة خلال الحقبة الممتدة من 000 53 إلى 000 11 قبل الميلاد. ونظراً لدهاليزها العميقة والمعزولة عن التأثيرات المناخية الخارجية، فإن كهوف “التاميرا” تمكنت من حفظ ما تحتويه من رسوم وجدران وآثار أخرى.

وقد تم اختيار بعض العلماء والزوار رفقة صحفيين اثنين، للدخول مرة أخرى إلى الكهوف لمعاينتها والإطلاع على حالتها اليوم، تمهيدا للعودة التّدريجية للنشاط. ومن أجل حماية الرسومات الصخرية التي يبلغ عمرها 14500 سنة، لابد أن يرتدي زوار الكهف بدلات العمال “افرول” والأقنعة، ولا يسمح لهم بالبقاء في الكهف لمدة تتجاوز الـ37 دقيقة فحسب.

وأوضح وزير الدولة للثقافة “خوسيه ماريا لاسال”، مؤخرا، أنّ المنظمين يأملون في أن توضّح التجارب مدى تأثير وجود الإنسان على الكهف. وبعدها سيقرّرون ما إذا كانت الزيارات إلى الكهف ستستمر أو سيتمّ إلغائها.

وهو ما يؤكد فعلا حساسية تلك الرسوم وشدة دقة التعامل معها، “فهي من التحف العالمية النادرة التي يتوجب الحفاظ عليها، لأنّها تصور الشّكل الذي كان يعيش عليه الإنسان الإيبيري منذ آلاف السنين”، حسب قول أحد الصّحفيين. يذكر أنّ الرسومات تأثرت في الماضي بسبب العرق الّذي كانت تفرزه أجساد البشر المرتادين للكهف. وأغلق الكهف لأوّل مرة بين عامي 1977 و1982.

وبعد تعرّضه لمزيد من التدهور، رغم تقليص عدد الزائرين بصورة أكبر، تقرّر إغلاقه مرة ثانية في 2002. وفي المقابل حذّر الكثير من العلماء من إعادة فتحه نظرا لحساسيته. وفي 2001 جرى تدشين نسخة مطابقة للكهف في “سانتايلا”، بالقرب من الكهف الأصلي على بعد نحو 30 كيلو مترا غربي سانتاندر. وبلغ عدد الأشخاص الّذين زاروا النسخة المطابقة للكهف 240 ألف شخص العام الماضي فقط.

12