رسوم مصرية تهدد بتقويض صناعة الحديد

دخول القاهرة على الخط يشجع الاحتكار ويربك واردات المصانع المحلية.
الاثنين 2019/05/13
الاكتفاء بمراقبة نشاط القطاع

دخلت الحكومة المصرية مجددا في حرب مفتوحة مع مصانع حديد التسليح والصلب، بعد إعلانها فرض رسوم إغراق يربك الواردات الأساسية ويمكن أن يؤدي إلى نشوء وضع احتكار يشجع الشركات على اعتماد الأسعار التي تريدها.

القاهرة - أعلنت مصر عن فرض رسوم وقائية على الواردات من خام البليت بنسبة 15 بالمئة ونحو 25 بالمئة على حديد التسليح تام الصنع بجميع أشكاله لمدة ستة أشهر.

وقالت وزارة التجارة والصناعة إن الهدف من الرسوم حماية الصناعة المحلية من المنافسة غير العادلة مع المنتجات التي يتم استيرادها.

وتسمح منظمة التجارة العالمية للدول بفرض رسوم وقائية مؤقتة على واردات الدول الأخرى لأسواقها إذا رأت في ذلك إغراقا يهدد صناعتها المحلية، استنادا إلى شكاوى المنتجين.

وتصل أقصى مدة لفرض الرسوم إلى 180 يوما لإتاحة الوقت لانتهاء التحقيقات وفق المستندات التي يقدمها المنتجون والتي تؤكد تضررهم من عمليات الاستيراد بهدف إغراق الأسواق.

جمال الجارحي: المصانع لا تستطيع تلبية احتياجات السوق
جمال الجارحي: المصانع لا تستطيع تلبية احتياجات السوق

ويتضرر من قرار فرض الرسوم الوقائية نحو 21 مصنعا لإنتاج حديد التسليح تعمل على أرض مصر باستثمارات تصل لنحو 3 مليارات دولار ويعمل فيها نحو 25 ألف عامل. وفي المقابل، سوف تستفيد من القرار مصانع الحديد المتكاملة، ويصل عددها إلى نحو 5 مصانع في مقدمتها حديد عز والسويس للصلب.

وتأتي الرسوم بعد هدنة مع المصانع التي لجأت منتصف العام الماضي لاستيراد الحديد من السعودية بعد سماح السلطات بذلك.

ووافقت الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات على تسجيل شركتي سابك والراجحي السعوديتين، بما يسمح لهما بتصدير إنتاجهما من الحديد لمصر، وفق الضوابط التي وضعتها القاهرة بشأن إلزام المصدرين بتسجيل شركاتهم لدى الهيئة.

ودخلت السوق المصرية شحنات تصل إلى 45 ألف طن من حديد التسليح السعودي وكانت تباع في حينها بنحو 684 دولارا للطن مقابل نحو 706 دولارات للحديد المصري، أي أقل بنحو 22 دولارا للطن.

وتعاملت القاهرة مع الأزمة بحكمة شديدة واستوعب السوق الكمية، في ظل التقارب السياسي مع الرياض، والدعم المالي السعـودي الذي لم ينقطع منذ انتهاء فترة حكم الإخـوان المسلمـين في 3 يوليو 2013.

ووفقا لاتفاقية التجارة الحرة العربية، فإن جميع المنتجات ذات المنشأ السعودي تدخل السوق المصرية بإعفاء تام من الرسوم الجمركية.

ويختلف الوضع الحالي عن السابق، حيث يشمل منتجات حديد التسليح المستوردة من جميع دول العالم، بعد أن كانت الحرب قاصرة على واردات الحديد من تركيا والصين وأوكرانيا.

وانتفضت غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات ضد القرار وناشدت مسؤولين بالتدخل لإلغائه، حيث أدى القرار إلى توقف المصانع وتكدس الموانئ بخام “بليت” والحديد المستورد لحين الفصل في الأزمة.

وقال جمال الجارحي رئيس الغرفة لـ”العرب” إن “المصانع التي قدمت دعاوى الإغراق استندت في شكواها إلى أرقام مغلوطة”.

وأضاف أن “الغرفة لديها ما يثبت أن المصانع الشاكية تقوم باستيراد خام البليت من الخارج، ما يكشف عدم قدرتها على تلبية احتياجات مصانع حديد التسليح”.

وأوضح أن المنتجين ملتزمون بشكل كامل بالمصلحة العامة للدولة، لكن لا يجب ذبح أصحاب مصانع حديد التسليح والتي يطلق عليها أيضا درفلة لحساب خمسة مصانع فقط.

وانتقد الجارحي أداء اللجنة المنبثقة عن جهاز حماية المنافسة في دراسة الشكوى التي رفعتها لوزارة التجارة لإصدار قرار الرسوم.

وكان سعر خام البليت بالأسواق العالمية وقت إعداد الدراسة نحو 470 دولارا للطن، ووصل عند إصدار القرار النهائي مؤخرا نحو 525 دولارا للطن. وزاد من تفاقم الأمور اتجاه شركات الحديد المتكاملة رفع سعر طن الحديد بنحو 29 دولارا بعد القرار، ليصل لنحو 660 دولارا للمستهلك.

وأكد محمد الجارحي نائب رئيس مجموعة الجارحي للصلب أنه مع النصف الأول من القرار الخاص بفرض رسوم على استيراد حديد التسليح تام الصنع، لكنه يرفض الرسوم الوقائية على خامات الإنتاج.

وقال لـ”العرب” إن “القرار بشكله الحالي يستهدف غلق المصانع وتشريد العمالة، الأمر الذي يعد رسالة سيئة لمناخ الاستثمار بالبلاد”. وتلقت “العرب” صورا من عدد من المنتجين تؤكد توقف خطوط الإنتاج بسبب القرار، لأن اقتصاديات التشغيل باتت منعدمة.

محمد الجارحي: قرار وزارة الصناعة يحمل رسالة سيئة لمناخ الاستثمار
محمد الجارحي: قرار وزارة الصناعة يحمل رسالة سيئة لمناخ الاستثمار

وأشار الجارحي إلى أن إجمالي إنتاج مصانع الدرفلة بالبلاد لا يتجاوز 15 بالمئة من إجمالي إنتاج حديد التسليح، وعليه كيف يمكن لمن تبلغ حصتهم السوقية 15 بالمئة التأثير سلبا على مبيعات وربحية من تبلغ حصتهم السوقية 85 بالمئة.

وتقدم عدد من المنتجين بمقترح لحل تلك الأزمة من خلال قرار آخر بموجبه تلتزم المصانع المتكاملة بإمداد مصانع الدرفلة بحاجتها من خام البليت، وفق أسعار عادلة تراعي مصالح الجميع.

ويبدو هذا المطلب منطقيا طالما أن المصانع المتكاملة التي قدمت دعوى الإغراق ترى أن لديها فائضا في إنتاج خام تصنيع حديد التسليح ولا تستطيع تصريفه في السوق المحلية بسبب إغراق البليت المستورد.

وقال أيمن العشري عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات لـ”العرب” إن “مصانع الدرفلة عرضت على أحد أصحاب المصانع المتكاملة في حضور مسؤولي وزارة التجارة والصناعة شراء فائض خام البليت الذي لديه بالسعر العالمي”.

وأشار إلى أن صاحب المصنع رفض ولم يقدم مبررات للرفض، علما بأنه ضمن من تقدموا بشكوي لجهاز حماية المنافسة تُفيد عدم قدرته علي تصريف فائض خام البليت لديه.

ويصل إنتاج مصر سنويا من حديد التسليح نحو 8 ملايين طن وتلامس كميات الاستهلاك نحو 9 ملايين طن نتيجة الفورة الاستثمارية في قطاع التشييد والبناء بالبلاد.

وتبني مصر مشروعات عقارية عملاقة تلتهم كامل إنتاج البلاد من حديد التسليح، وتشمل عشر مدن جديدة، أهمها العاصمة الإدارية الجديدة، فضلا عن زيادة الطلب السنوية على الوحدات السكنية لتصاعد حالات الزواج والتي تصل لنحو 750 ألف حالة سنويا.

ووصف طارق الجيوشي رئيس مجموعة الجيوشي للصلب، القرار بأنه يكرس لوضع احتكاري في قطاع تصنيع وتجارة الحديد في مصر. وأوضح لـ”العرب” أن المصانع المتكاملة لن تجد منافسا لها، وستضع السعر الذي يتناسب مع حساباتها.

10