رسوم ومخطوطات نادرة لمدينة الإسكندرية يُكشف عنها للمرة الأولى

في معرضين متزامنين يقامان حاليا في مدينة الإسكندرية يتم الكشف عن مجموعة كبيرة من الوثائق والمخطوطات التي تم العثور عليها أخيرا، وتعرض لأول مرة على الجمهور والباحثين.
السبت 2018/08/04
تصور بصري لمدينة الإسكندرية في منتصف القرن الثامن عشر

الإسكندرية (مصر)- يقام حاليا في مكتبة الإسكندرية معرض يضم مجموعة من اللوحات المرسومة بالحبر لأحد المستشرقين الغربيين، وهو الفنان البلجيكي برتنشامب الذي زار مدينة الإسكندرية في منتصف القرن الثامن عشر، وسجل بريشته الكثير من معالمها العمرانية والحضارية.

وتعرض هذه الرسوم والدراسات تحت عنوان “وصف الإسكندرية” وقد نشرت صور هذه اللوحات والرسومات النادرة في ألبوم أصدرته مكتبة الإسكندرية أخيرا مع دراسة للباحث المصري حسام عبدالباسط.

وكانت اللوحات ضمن المقتنيات المجهولة للملك فاروق والذي ورثها عن والده الملك فؤاد الأول، وكان ملك بلجيكا ألبرت الأول قد أهدى هذه المجموعة من المخطوطات إلى ملك مصر أثناء زيارته لمدينة الإسكندرية عام 1930، ثم تمت مصادرتها من العائلة المالكة بعد ثورة يوليو 1952 ضمن ما صودر وقتها من مكتبات الأسرة المالكة في مصر.

معرض "خبيئة المتحف" يضم مجموعة كبيرة من الوثائق التي تم اكتشافها بمحض الصدفة داخل قبو أحد القصور الملكية
معرض "خبيئة المتحف" يضم مجموعة كبيرة من الوثائق التي تم اكتشافها بمحض الصدفة داخل قبو أحد القصور الملكية

وزعت مقتنيات هذه المكتبات وما تحويه من كتب ومخطوطات نادرة في ما بعد على مكتبات عامة مختلفة، واستقرت رسومات المستشرق البلجيكي داخل مكتبة إحدى الوزارات، وظلت حبيسة منذ ذلك الحين من دون الالتفات إلى قيمتها حتى تم الكشف عنها أخيرا وإهداؤها إلى مكتبة الإسكندرية.

وتقدّم لوحات المعرض صورا نادرة وتصوّرا بصريا لمدينة الإسكندرية في منتصف القرن الثامن عشر، وهي تعد وثائق في غاية الأهمية للباحثين والمهتمين بتاريخ المدينة والمنطقة بشكل عام.

ويؤكد مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية إتاحة هذه الوثائق والرسومات والمخطوطات النادرة التي تم العثور عليها للراغبين في الإطلاع عليها، فهي تعد إضافة إلى كنوز مكتبة الإسكندرية، مصدرا هاما من مصادر البحث والدراسات التاريخية.

الرسومات والتخطيطات المكتشفة يمكن لها أن تعيد كتابة تاريخ مدينة الإسكندرية في العصر العثماني عن طريق رسم صورة حقيقية لأوضاع العمران في المدينة الأكثر قدما في شمال مصر، ومفتاح البلاد خلال العصور الوسطى، كما يقول الباحث حسام عبدالباسط، وهي تعد قراءة جديدة لتاريخ مدينة الإسكندرية التي تعرضت للتدهور الحضاري والمعماري خلال تلك الفترة.

ويقول الباحث في مجال الدراسات التاريخية حسام عبدالباسط “على الرغم من الكثرة العددية للمنجزات المعمارية والحضارية التي أقامها حكام الإسكندرية في العصر الإسلامي، إلاّ أن الآثار المتبقية التي تعود إلى هذه الفترة تبدو ضئيلة للغاية، فقد اندثر العديد منها بفعل الزمن ومعاول الهدم والتخريب البشري، وتبدو الدراسات التاريخية لهذه المنشآت في غاية الصعوبة للباحثين لكثرة ما تعرضت له تلك الآثار من ترميمات وإضافات، وهو ما يصعب معه رسم صورة واضحة لها”.

ويكاد لا يعرف الكثير عن صاحب اللوحات المستشرق البلجيكي برتنشامب، فهو لم يحظ بالشهرة الفنية أو العلمية كما هو الحال على سبيل المثال مع فناني وعلماء الحملة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر.

وتميزت رسوم الفنان البلجيكي بالدقة في تناول التفاصيل، والتركيز على الحالة العمرانية في مدينة الإسكندرية في ذلك الوقت، فقد تناول في رسوماته العديد من الشواهد والأبنية الإسلامية والفرعونية والرومانية، وبعض هذه الآثار اندثر من دون الاحتفاظ بتصوّر دقيق لهيئتها التي كانت عليها، ومن هنا تأتي أهمية هذه الرسوم والمخطوطات، إذ يمكن للباحثين في مجال التاريخ والآثار إعادة تقييم بعض ما تم الاستقرار عليه تاريخيا بناء على دراسة هذه المخطوطات.

وغالبا ما تخفي القصور والأبنية القديمة الكثير من الأسرار، ففي داخل الأقبية والممرات، وحتى الجدران قد تكون خزائن لأسرار ومفاجآت غير متوقعة، وهذا ما يكشفه معرض “خبيئة المتحف” الذي يقام في متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية بالتزامن مع معرض “وصف الإسكندرية”.

رسومات تتميز بالدقة في تناول التفاصيل
رسومات تتميز بالدقة في تناول التفاصيل

ويضم المعرض مجموعة كبيرة من الأوراق والوثائق التي تم اكتشافها بمحض الصدفة داخل قبو أحد القصور الملكية، وهو القصر نفسه الذي يشغله متحف الفنون الجميلة، ففي قبو هذا القصر تم العثور على صندوق خشبي قديم وسط مجموعة كبيرة من المهملات كان سيتم التخلص منها. وبفتح هذا الصندوق تم العثور على مجموعة من الملفات تحمل اسم “متحف فاروق الأول للفنون الجميلة”، وهي ملفات ووثائق تضم الكثير من الأسرار التي تخصّ تاريخ المبنى ومقتنياته الفنية.

ويعود تاريخ هذه الوثائق والأوراق إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتضم مجموعة من أوراق الملكية التي تخص مقتنيات المتحف التي تم جلبها من أوروبا، ومراسلات رسمية بين عدد من الشخصيات العامة والملك فؤاد الأول.

وتظهر هذه الوثائق بدقة مصادر الكثير من الأعمال والتحف الفنية، كما تكشف الغطاء عن أصول بعض الأعمال الفنية التي يضمها متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية. ويقول مدير متحف الفنون الجميلة علي سعيد إنّ المتحف يمتلك مجموعة ضخمة من الأعمال النادرة لكبار الفنانين العالميين.

ويذكر أن متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية يضم مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية لأشهر الفنانين العالميين، بداية من أعمال فناني عصر النهضة الأوروبي إلى أعمال المبدعين الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، علاوة على مجموعة متنوعة من أعمال المستشرقين الأوروبيين الذين زاروا مصر في أوقات مختلفة، كما يضم المتحف أيضا أعمالا نادرة لعدد كبير من رواد الفن المصري الحديث من أبناء مدينة الإسكندرية، مثل الأخوين سيف وأدهم وانلي، ومحمود سعيد وآخرين.

13