رسوم ومنحوتات تستجدي الخصب في زمن الحرب

احتفالات "أكيتو" التاريخية تعيد الربيع مجددا إلى سوريا الجريحة من خلال أجواء وطقوسا موغلة في القدم عبر جماليات فنية لـ25 فنانا.
الجمعة 2019/04/12
من الموت تولد الحياة

حفلت المراجع التاريخية القديمة بالحديث عن الاحتفال بعيد “أكيتو”، أي رأس السنة التي تنطلق في الأول من أبريل من كل عام في حضارات سوريا والعراق، زمن الآشوريين والبابليين والسومريين، وهو احتفال ضارب في أعماق التاريخ، استعاده بعض التشكيليين السوريين مؤخرا في معرض أقيم في قلب مدينة دمشق القديمة لينثروا ربيعهم الخاص جماليا ورمزيا.

دمشق – يوم “أكيتو” هو التقويم الذي نشأ عنه التاريخ المشرقي القديم، إلى أن وصل إلى عامه الـ6769، وظل معتمدا في معظم دول العالم حتى القرن الثامن عشر، حيث قام ملك فرنسا باعتماد التاريخ الميلادي، واعتبار أول يوم في السنة هو الأول من يناير من كل عام.

وتخليدا، لهذا التاريخ، وهذه الأجواء الموغلة في القدم، تصدت جهات سورية أهلية، لوضع تصوّر فني، تستعيد من خلاله بعضا من هذه التفاصيل التاريخية والحضارية الهامة، ففي “قصر الشهبندر” في قلب مدينة دمشق القديمة، أقامت صالة “ألف نون”، بالتعاون مع مجموعة جوليا دومنا، معرضا خاصا للاحتفال بعيد “أكيتو” رأس السنة الشرقي القديم الذي يشمل حضارتي سوريا والعراق القديمتين شارك فيه خمسة وعشرون فنانا بلوحات فنية وأعمال مختلفة، كرست بعضها العديد من التفاصيل عن هذه الحقبة التاريخية الغنية.

ولم تكن اللوحات الفنية الوحيدة في المعرض، في حفل الافتتاح تحديدا، بل حضرت الموسيقى الشعبية التي زينت المكان بأنغام مستوحاة من فكرة العرض، فحضرت الآلات الشرقية القديمة وتنوعت النغمات التي قدمتها وخلقت جوا مميزا للزوار الذين قدموا لمشاهدة هذه الاحتفالية.

و”أكيتو” في المعنى اللغوي تعني باللغات القديمة، البيت الذي تسكن فيه الآلهة مؤقتا، ليحميها من المخاطر، ريثما تنتقل لتعيش حياتها الأبدية، بعد سنوات الحياة في العالم السفلي الذي تكابد فيه العناء والصعاب والمخاطر، والاحتفال بهذا العيد الذي يصادف الأول من أبريل، هو يوم بدء التقويم الشرقي للعام، وكان يحمل معنى الاحتفال بالحصاد، بعد بذر الشعير ودنو أجل حصاده، وهو أقدم عيد مسجل في تاريخ الشرق الأدنى، حوالي 2500 عاما قبل الميلاد، حيث كتب عنه في تأريخ مدينة “أورو” وكان يقام لإله القمر السومري “نانا”، ويحمل معنى القداسة والهدوء، لذلك كان مرتبطا بفترة التزاوج والخصوبة.

وعند البابليين كان موجودا بصيغة أخرى، تحكي عن جانب آخر في الحياة يتمثل بانتصار الإله مردوخ، ما يعني عودة الحياة إلى طبيعتها، فهو يمثل الربيع واعتدال الطقس بعد موسم المطر الذي كان يملأ الحياة مطرا وبردا ورعدا وبرقا، وهو يأتي بعد اتفاق الآلهة لتحرير تموز خطيب عشتار من الحياة السفلى وتزويجهما.

واتفقت المراجع التاريخية في قسم كبير منها على أن كلمة “أكيتو” تعني عند الأكاديين الفرح، وعند السومريين الحياة، أما السريانية فتجعل منها معادلا للفرح والاحتفال، كما سمي بأسماء بديلة عند أقوام آخرين، عاشوا تلك الفترات الزمنية الموغلة في القدم.

العيد مرتبط بفكرة أن الحياة تستمر وتعود مجددا بعد فترة من الغياب
العيد مرتبط بفكرة أن الحياة تستمر وتعود مجددا بعد فترة من الغياب

والعيد مرتبط بفكرة أن الحياة تستمر وتعود مجددا بعد فترة من الغياب، وهي فكرة عاشت في أساطير الحضارات الشرقية القديمة كثيرا، وظهرت في العديد من أدبياتها التي تقول “من الموت تولد الحياة والحياة تنتهي بالموت ضمن دائرة كونية لا منتهية”.

ويقول الفنان التشكيلي السوري بديع جحجاح “كان القصد من إقامة هذا المعرض، وفي هذا التوقيت بالذات، توثيق هذه الجذور الحضارية، ونقلها إلى الجمهور السوري، لكي يعرف المواطن العادي بمدى غنى وعمق حضارته في وطنه الذي يعيش فيه، هو محاولة لتقديم معلومة عن تاريخ وجذور موغلين في القدم في وقت أراد فيه الآخرون محو هذا التاريخ وسحقه بشكل همجي، وجعلنا في مهب الريح، هي دعوة إلى الأصالة والبعد التاريخي العميق في أكبر تشكلاتهما وأبعدهما الحضارية”.

وثمّن بعض زوار المعرض ضرورة إحياء هذا التراث الحضاري الذي يشكل جذرا تاريخيا كبيرا وعميقا لأهل هذه المنطقة، إذ قال زائر “تاريخنا وعبر الآلاف من السنين تعرض للكثير من التزوير والنهب الممنهج لآثاره، فعبر مراحل تعاقبت على احتلال هذه المنطقة دول عديدة من المغول إلى العثمانيين ثم الأوروبيين، وكل هؤلاء قاموا بتزوير التاريخ ونهب الآثار القديمة، وبالطبع سرقة التاريخ وأفكار الحضارة الموجودة فيها، لذلك لا بد من إقامة هذه الفعاليات بشكل منتظم ورصين بحيث نحافظ على
استمرار هذه الحضارة بأسلوب راق ومحبب ومفيد”.

وحفل المعرض بلوحات جسدت أفكارا عديدة، تحدثت إحداها عن المرأة وأهمية وجودها في الحضارة القديمة، وهي لوحة مزجت شعر نزار قباني مع الحالة الفنية التي ظهرت عليها، كما  قدّمت أعمال أخرى تمثل طقوسا كان يعيشها الناس، فظهرت الطبيعة بتفاصيلها كالشمس والنهار ومدى انعكاسها على الحالات النفسية للإنسان.

17