رشا عمران: الكتابة محاولة لاكتشاف ذواتنا والاحتماء بها

الثلاثاء 2015/01/20
الفوضى الكبيرة ستلد يوما ما أدبا وشعبا وهوية راسخة

دمشق- رشا عمران، شاعرة ابنة شاعر، لم يكن الشعر وراثةً، فكيف لها أن لا تطير وهي التي وجدت نفسها في عشٍ مليء بالعصافير والحرية، ومع أنها قاومت الشعر، قاومت كتابته، ولكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف شاعرة، تصدر ديوانا إثر آخر، إنه القدر بشكل أو بآخر، وما أجمل أن يكتب الشعر أقدارنا.

رشا عمران شاعرة سورية بامتياز، لها من الحضور ما لا يمكن تجاهله، منذ البدء قررت أن تكون إلى جانب الضوء، وراحت تشعل شمعة تلو أخرى، قصيدة تلو قصيدة، وفي الوقت ذاته أخذت تلعن الظلام مع كل شرارة تشع من أصابعها. أصدرت خمس مجموعات شعرية: “رجع له شكل الحياة”، و”كأن منفاي جسدي”، و”ظلك الممتد في أقصى حنيني”، و”معطف أحمر فارغ”، إلى آخر أعمالها الشعرية “بانوراما الموت والوحشة” الذي صدر 2014، كما لها أيضا كتاب دراسة بعنوان “أنطلوجيا الشعر السوري” (1980 - 2008 ).


البيت والشعر


تصف البيت الذي نشأت فيه بـ”صندوق الدنيا”، حيث ولدت في منزل تؤثثه مكتبة ضخمة، ترعرعت بين كتبها، ذلك الصندوق الذي عرفت العالم من خلاله، تقول: “أحيانا أتذكر تلك المرحلة البعيدة من حياتي، وأتخيلني “أليس” تدخل بلاد العجائب وفي كل بلد تتغير شخصيتها وشكلها، وتكبر قليلا، قبل أن تدخل البلد العجائبي التالي”.

بيت للشعر والحب كان أشبه بصالون للثقافة، ذلك الذي لا يغيب عن ذاكرتها، ولا يمكن الحديث عن ذلك البيت دون الحديث عن محمد عمران الأب، والصديق والشاعر السوري المرموق، تتذكره بعد كل تلك السنوات الآن بعبارات مثل “كائن من الشعر المصفى يحمل في أبوته كل تناقضات الشعر”، وتقول عنه: “قلما عرفت معه صورة الأب التقليدية، كانت تظهر أحيانا، ولكن بأوقات قليلة ومتباعدة، كائن من اللطف والحساسية المفرطة والكرم المتهور، محب للبشر بطريقة مربكة، ومحب للحياة بنفس الطريقة”.

رشا عمران: نحن نعيش السقوط العظيم حيث يصبح كل شيء مشاعا

تحتار عندما نسألها، لماذا اختارت كتابة الشعر، تقول: “لا أعرف أبدا لماذا كتبت الشعر لا غيره، ربما كانت محاولات التشبه بالأب الذي أحبه كثيرا ومحاولات لتجاوزه، حقا ليس عندي جواب عن سؤالك هذا، والدي مثلا كان يقول لي أنني أصلح لكتابة الرواية، كان يرى في اهتمامي بالتفاصيل وفي مساحة الذاكرة التي أحملها ما يؤهلني لكتابة رواية قوية، لكنني لم أفعل ذلك، بل أبعدت هذا التفكير نهائيا عني إلى حد أنني أقول عن نفسي إنني لا أصلح لكتابة صفحة سردية كاملة، رغم يقيني بقدرتي على ذلك”.

تعترف رشا عمران بأن ما من شاعر محدد كان مثلها الأعلى، حيث عرفت الشعراء على حقيقتهم، ورأتهم بكل حالات ضعفهم وقوتهم، اختبرت الشعراء واقعيا، إذ تصفهم بالكائنات الهشة، كائنات ليست صالحة لأن تكون مثالا في الشعر ولا في الحياة، وتصل إلى أن فكرة الأبوة في الشعر عملية تبادلية من جهة الأب، ومن جهة الابن، بصفته الوريث والامتداد، وبصفته المريد في الأدب والشعر. وعن عملية قتل الأب تقول : “يحتاج هذا إلى جهد كبير قلما يبذله الآباء، وقلما ينتبه إليه الأبناء الذين سيصبحون أباء بعد حين”.


بين اليأس والأمل


“كل ما نحن فيه حاليا في أزمة كبرى”، هكذا تقول رشا عمران : “الأزمة الكبرى هي أزمة الهوية، الهوية التي تحدد علاقاتك بكل ما حولك، بالكون الواسع، وبعتبة بيتك، إن بقي لك بيت، نعم، انهار كل ما حولنا وكل ما ظننا أنه عالمنا الثابت، سقط كل شيء، وما نفعله الآن هو اختبار، كيف يمكن إعادة تشكيل هذا العالم المتساقط، الشعر جزء من هذا العالم، الثقافة عموما هي أول ما يسقط بفقدان الهوية، كل ما تراه الآن في الشعر أو الكتابة هو ليس سوى محاولات اكتشاف من نحن والاحتماء به، يشبه تماما التعلق بالدين والطائفة والحديث عنهما بهذه الطريقة المشاعية، في السقوط العظيم يصبح كل شيء مشاعا، قبل أن يبدأ الجميع في إعادة البنيان”.

وتواصل : “لا يأتي الشعر مع الفرح ولا مع الربح، الشعر دائما يأتي من أكثر المناطق ظلمة في اللاوعي البشري، تلك المنطقة المعتمة التي تنبض وهي تنبئ بالفقد، الفقد بالنسبة إلي هو ما يمنح كيمياء الشعر”.

وعن حملات التخوين والتقزيم التي طالت أدباء ومثقفين كأدونيس أو الماغوط أو سعدي يوسف أو سميح القاسم أو جوزيف حرب أو أنسي الحاج، تعبر رشا عمران عن ذلك بوصفه ملمحا من ملامح السقوط، وتضيف: “أسبابه هي الرغبة الداخلية الدفينة في تحطيم الرموز والأصنام السياسية والثقافية، هذا أيضا داخل في موضوع البحث عن هوية، وشخصيا أنا ضد هذا الخلط، أنا مع فصل الإبداع عن الموقف السياسي، حاكمني لموقفي السياسي كما تشاء، أما في ما يخص منتجي الإبداعي فعليك أن تكون عادلا، العدالة هي ما يوازن الحياة”.

الشعر دائما يأتي من أكثر المناطق ظلمة في اللاوعي البشري

غادرت رشا عمران سوريا جسديا، لكن مما لاشك فيه أن سوريا تعيش في كل لحظة من لحظات حياتها، دفعها إلى مغادرتها الخوف، وتعترف بذلك إذ تعلن: “طلب مني مرارا مغادرة سوريا، وكنت أرفض، ثم بدأت أتعرض لتهديدات مباشرة، ضعفت وخفت، الخوف حالة إنسانية، وأنا لست بطلة ولا أحب أدوار البطولة، وأحب التمتع بأماني الشخصي”.

وعن الربيع العربي، تقول: “ربما كنا واهمين بأنه سيتم السماح لشعوبنا بأن تقرر مصيرها بذاتها، كنا واهمين أكثر بأن الشعوب العربية يمكنها أن تنجو من التخبط والعنف بعد عقود طويلة من الاستبداد، لست متفائلة، ولكنني أيضا لست متشائمة، أراقب ما يحدث وأحاول تحليله يوميا، لكنني في مكان ما في داخلي أظن أن كلما يحدث الآن ليس سوى الخطوة الأولى في طريق التغيير، ستمر بلادنا بمآزق أكبر بكثير مما هي عليه الآن، ولكنها ذات يوم ستنهض، ذات يوم بعيد جدا، لن يتاح لنا أن نشهده”.

وتعود للحديث عن سوريا ذلك البلد الذي يعاني ما يعانيه، إذ نقول: “بقدر ما يكون التنوع الديني والمذهبي والإثني حالة ثراء في المجتمعات المستقرة والمنجزة، بقدر ما هو بؤرة ضعف في المجتمعات الهشة والواهية كالمجتمع السوري، نحن في حالات تطرف قصوى وربما سنشهد تطرفا مضاعفا، ولكن لكل شيء نهاية، سيختبر السوريون أشكالا عديدة من الحياة وأنظمة الحكم والتمسك بالهويات الصغيرة ما قبل الوطنية، لكن في النهاية سيختارون ما يحقق لهم الكرامة والحياة الآمنة والمواطنة بعيد جدا هذااليوم، نعم، لكن لابد منه”.

تكتب رشا عمران الشعر الآن بشكل متقطع، وتعلن أنها لا تفكر حاليا في إصدار أي ديوان شعر، إذ تفضل أن تتريث وتنتظر، لاسيما بعد صدور ديوانها الأخير “بانوراما الموت والوحشة”. تعيش في القاهرة، وتقول سأبقى فيها طالما هو مسموح لي البقاء فيها، وتواصل:” إن تعذرت الإقامة سأغادرها، لكن لا أعرف إلى أين”.

15