رشا كحيل.. راوية حكايات مصورة لا تخشى الاعتراف

كحيل ليست فنانة استعراض أو صدمات. ولم يكن جسدها الذي ظهر عاريا هو الموضوع، بل الجسر الذي عبرت عليه إلى ذاتها.
الأحد 2021/04/11
هل هو فن أم فضيحة؟

"تشريح فضيحة" يمكن أن يكون ذلك التعبير خلاصة علاقة مزدوجة بين فنانة من نوع رشا كحيل وفنها من جهة، ومن جهة أخرى بينها والجمهور المرتاب والمتشكّك الذي لا يرى إلا الجانب المظهري للأخلاق.

كان السؤال مرتبكا وحائرا “هل هذا فن أم فضيحة؟” لم تدر الفنانة ظهرها لحقيقة هدفها، ما تود أن تعبر عنه وما قامت به من أجل ذلك. كان عليها أن تتفهم أن العري ينطوي على فكرة صادمة. تلك الفكرة تقف مثل جدار بين الجمهور العادي ومحاولة الوصول إلى جوهر الحكاية.

“في منزلك” هو عنوان المعرض الذي أقامته عام 2011 وأثار ضجة لم تُسعد الفنانة، لأنها كانت عنوانا لسوء الفهم الذي دفع بالكثيرين إلى إظهار غضبهم واستيائهم وسخريتهم بالرغم من أن ذلك المعرض كان عرضا استفهاميا على جانب عال من الجرأة في التحول بالصورة “الفوتوغرافية” من الوصف المحايد إلى محاولة الاعتراف الشخصي العميق والصادق والمجرد من الغايات.

لقد تحول فن كحيل يومها إلى قضية رأي عام. وهو ما لم يحظ به فنان عربي لا يزا ل في مقتبل شبابه كما كان هو حال الفنانة اللبنانية يومها.

حوار في اتجاه نزعة إنسانية

فن كحيل.. قضية رأي عام
فن كحيل.. قضية رأي عام

وقعت كحيل في المحظور وصارت هدفا يقع في الأرض الحرام بين فريقين. فريق يدافع عن فنها انطلاقا من نزعة إنسانية وجمالية، وفريق يحمل شعار الأخلاق من غير أن يترك مجالا للاستفهام المحايد.

كان التركيز على الصورة بمثابة الوهم الذي عكر مزاج طرف يكتفي بما يراه ولا يفكر باللغة التي استحدثتها الفنانة في محاولة منها للاحتفاء بوجودها المترامي الأطراف الذي لا تشكل فتنة الجسد العاري جزءا استثنائيا كبيرا منه.

حين تلتقط كحيل صورها فإنها في الحقيقة تصنعها لا بمعنى إنتاج واقع جديد ومن ثم انتحاله بل بالمعنى الذي يكون فيه البحث عن لغة جديدة هو جوهر المحاولة الإنسانية.

هناك حوار أرادته متصلا بحقائق وجودية لم يكن الجسد سوى المدخل الذي يقود إليها في حين وقفت الصورة المباشرة بين الجمهور العادي والقدرة على التعامل إيجابيا مع قوة الفن في نزعته الإنسانية.

الجسيد وتطبيعه

معرضها "في منزلك" يمثّل نموذجا للتداخل بين الخاص والعام. لقد صورت نفسها عارية في أماكن مختلفة من منزل صديق اضطر إلى أن يخرج من المنزل ويتركها وحيدة لزمن معين. لكن بالنسبة لها لم يكن الجسد هو المقصود

ولدت في بيروت عام 1980. حصلت على شهادة الماجستير من الكلية الملكية للفنون بلندن، وهي متخصصة بفنون الاتصال والتصميم. أقامت معرضها الشخصي في بيروت عام 2010. كشف ذلك المعرض عن مجموعة الأنواع الفنية التي سيتوزع اهتمامها بينها في الوقت نفسه. فهي مصورة وكاتبة نصوص وصانعة أفلام فيديو وتجهز تركيبات من مواد مختلفة.

منذ البدء كشفت كحيل عن حميمية ستكون صادمة من جهة ما تفصح عنه من اعترافات شخصية لا تقف عند حدود المسكوت عنه اجتماعيا بل تخترقه من أجل أن تتعرف على نفسها من خلال صلتها بجسدها من جهة ومن جهة أخرى من خلال وجودها كائنا اجتماعيا يُعاد تعريفه في كل لقاء.

أعادت الفنانة إلى الجسد اعتباره الذي فقده بتأثير المنظور القيمي الذي ارتبط بالمحرم والمقموع والمخفي والمسكوت عنه عبر سلسلة من التنازلات التي قادت إلى الاستسلام للهيمنة الذكورية.

لم يكن الجسد بالنسبة لها موضوعا للتصوير بالرغم من أن العين المحكومة بالرؤى القمعية لا ترى سوى ذلك. تقول الفنانة “أنا مهتمة بشكل خاص بإعادة بناء المعنى الذي ينشأ من اضطراب وتغيير الأفكار المسبقة” وهي هنا تقصد الأفكار المتعلقة بالجسد والتي اتخمت شتى الأنواع الفنية التي تتمظهر من خلالها الثقافة الشعبية.

لا يتعلق الأمر بالتمرد على ما هو سائد بل بتفجير طريقة النظر وابتكار لغة أخرى لا للتعبير أو الاتصال بل لمحو قناعات ثقافية وإحلال قناعات جديدة محلها. ليست الصدمة بالنسبة للفنانة إلا بداية علاقة جديدة تقيمها بين ما هو خاص وما هو عام.

ربما يمثل معرضها “في منزلك” نموذجا لذلك التداخل بين الخاص والعام. لقد صورت نفسها عارية في أماكن مختلفة من منزل صديق اضطر إلى أن يخرج من المنزل ويتركها وحيدة لزمن معين. بالنسبة لكحيل لم يكن الجسد هو المقصود بقدر ما كانت تسعى إلى تطبيع النظر إليه.

حكاياتها بين غولدن وودمان

Thumbnail

بإيحاء من الفنانة ربما، يركز النقاد على التأثير الذي مارسته الفنانة الأميركية نان غولدن على فنها. لا أنفي ذلك. غير أن هناك أيضا تأثيرا كبيرا مارسته عليها الأميركية فرانشيسكا وودمان بتجربتها المكتظة بالألم والعذاب والشعور بالغربة. وإذا ما كانت وودمان قد أنهت حياتها بالانتحار في روما لأسباب وجودية، فإن كحيل لا ترى في سوء الفهم الذي تحاط به أعمالها إلا سببا لسعادتها. فهي من خلال معارضها الفوتوغرافية أو تركيباتها أو أفلامها القصيرة ذات المنحى المفاهيمي لا تخشى أن ترتكب خطأً بقدر ما تسعى أن تضع ذلك الخطأ إن وقع في إطار استفهامي صادم.

في تركيب الصورة وقدرتها على أن تُزيح المشهد عن واقعيته بالرغم من أنها لا تلجأ إلى أي نوع من الغرائبية الملفقة هناك قدر كبير من العلاقة بتجربة وودمان.

لا تلتقط كحيل صورها الشخصية بل تكتب من خلال الصورة يومياتها. وهو تحول شهده فن التصوير الفوتوغرافي وفن الفيديو في عصر ما بعد الحداثة بعد أن امتزجت الذات بالموضوع أو صارت الذات هي الموضوع. ولم يعد المعنى قائما خارج الشكل. فالفنانة لا تصور ما تراه بقدر ما تكون هي موضوعا للتصوير. ذلك موضوع لا يمكن التعامل معه باعتباره موضوعا خالصا. في حالة من ذلك النوع تتخلى الصورة عن الوصف لتنحاز إلى الفكرة. ما نراه لن يكون مهما بل علينا أن نذهب أعمق مما نراه مباشرة. يمكن أن تحل الكتابة محل الصورة. وهو ما ستفعله الفنانة في حالات ومعارض أخرى.

الباحثة عن هوية

العري ينطوي على فكرة صادمة
العري ينطوي على فكرة صادمة

في إمكان كحيل أن تكتب روايات مستلهمة من صورها. ما أصعب التصوير الذاتي إذاً. كان الرسامون في الماضي يلجأون إلى المرآة من أجل أن يرسموا وجوههم. غير أن تقنية أدوات التصوير المتطورة قد حلت المشكلة غير أنها لم تلغ المسافة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي وهو ما عملت عليه كحيل من خلال إلغاء الموضوع كليا من خلال تطويره.

أقامت كحيل التي تعمل وتعيش في لندن معارضها بين بيروت ولندن وأمستردام وأبو ظبي وسواها من المدن وصنعت أفلاما يمكن رؤيتها عن طريق الإنترنت. وهي إذ أنتجت أعمالا وضعت اسمها على خارطة الفن المعاصر في عالمنا فإن اصطدامها بالمحرمات لم يكن مقصودا لذاته ولم تفعل ذلك بحثا عن شهرة مزعومة. ذلك ما تشهد عليه معارضها التي تنطوي على كثير من التحدي الفكري للمنظومات القيمية السائدة وللبنى السياسية المهيمنة.

كحيل ليست فنانة استعراض أو صدمات. لم يكن جسدها الذي ظهر عاريا هو الموضوع بل الجسر الذي عبرت عليه إلى ذاتها. كان عليها أن تفتح ملف الهوية المغايرة بطريقة غير تقليدية وكان عليها أن تصنع مزاجا مضطربا بين عالمين وهو ما نجحت فيه. غير أن المفارقة تكمن في أن كحيل التي أحدثت انقساما بين معسكرين. معسكر مناهض لها ومندد بفنها ومعسكر مرحب ومتضامن معها لم تعلن عن موقفها ولم تر شرا في ما فعلته. ذلك لأنها تعرف أنها لم تكتب إنشاء ليزول بعد صلح المتخاصمين. ما فعلته هو أشبه بالصدع الأرضي الذي لا يمكن علاجه بالأمنيات.

Thumbnail
9