رشيدة التريكي تحلل رهانات حرب الصور.. والصورة تصنع الحدث

"الصورة ورهاناتها" كتاب للأكاديمية التونسية رشيدة التريكي يبرز أهمية الصورة البالغة في حياة المجتمعات القديمة والحديثة والمعاصرة.
الاثنين 2020/02/24
رشيدة التريكي: عالمنا المعاصر يشهد سيلا من حروب الصور

خضعت الصورة لتحليلات متنوعة من قبل عدد مهم من المفكرين الغربيين إن في القرن العشرين أو في زمننا الحاضر، منها على سبيل المثال تحليل المفكر الفرنسي روجر كيلوا الذي درس دلالة ووظيفة الصورة في سرديات المحاكاة مؤكدا مرارا ضرورة أن يتوفر الشرط القوي للصورة ممثلا في عنصر المفاجأة. كما اهتم الشعراء بالصورة في إبداعاتهم الشعرية وفي هذا الصدد يعتبر النقاد الشاعر الأميركي إزرا باوند عرَاب النزعة التصويرية الهادفة إلى تجاوز سياج “الرومانتيكية” وتكريس “البساطة ووضوح التعبير والدقة من خلال استخدام دقيق للصور البصرية”. هذه أمثلة تمهيدية ليست إلا دليلا على عناية الفكر والنقد بحضور الصورة إن في الأدب أو في الوقائع اليومية في العصور الحديثة.

واليوم نجد استخدام الصورة بأساليب متنوعة في الإشهار اليومي بواسطة الملصقات الجدارية في البنايات وفي مترو الأنفاق وعلى الحافلات، وعبر شاشات التلفزة، والسينما ويُراعى في ذلك توظيف بلاغة آليات الإغراء والمفاجأة من أجل استقطاب الناس وقصد ضمان بيع السلع المختلفة بشكل واسع وخاصة في المجتمعات الأكثر رأسمالية، ونجد للصورة أيضا مكانتها في الحروب، والمعمار، والعملات النقدية، والاحتفالات الشعبية والفولكلورية مثلما نجدها على مستوى شبكات الإعلام المرئي التقليدي والأكثر حداثة كما في الإنترنت وفضلا عن ذلك فإن الاهتمام بدراسة دور الصورة من أجل فهم النفسية البشرية يشهد كثافة وتطورا ملفتين في البلدان المتقدمة وبالخصوص في الغرب وذلك من أجل تمكين المعالجين النفسانيين في مصحات العلاج االنفسي من علاج المصابين بالرضات النفسية الخطيرة.

في سياق فتح ملف الصورة واستخداماتها في مختلف المجالات من المفيد أن نتوقف عند ما قامت به الباحثة والأكاديمية رشيدة التريكي، أستاذة الفلسفة بجامعة تونس، في كتابها “الصورة ورهاناتها” بالنظر إلى الصورة كموضوع حيوي يكتسي أهمية بالغة في حياة المجتمعات القديمة والحديثة والمعاصرة، حيث أبرزت أن “الصورة أضحت سلاحا من بين الأسلحة التي تشرّع وتمنع، بل أصبحت تباع وتشترى فتجتمع من أجلها الدول وكأن وضعيتها هي وضعية الأسلحة الاستراتيجية”. في هذا الشأن بالذات ترى التريكي أن الصورة ليست مجرد حلية خارجية وإنما “أمست وسيلة ناجعة للسيطرة على المستوى المحلي وعلى المستوى العالمي الخارجي”.

بالإضافة إلى ما ذكر آنفا فإنها قد ركزت على قضايا نظرية كثيرة منها ذات الصلة بطبيعة الصورة، والذات والآخر، والصورة في الفن، وسلطة الصورة، والصورة والاستيهام.. كما خصصت الدكتورة رشيدة التريكي فصلا كاملا للنظر التحليلي النقدي في قضية “المسؤولية في صورة الذات وفي صورة الآخر”. على ضوء افتراضها لحوار بين جان بول سارتر وبين المثقف المغربي عبدالكبير الخطيبي. وهذا محور أساسي في كتابها هذا ويحتاج إلى نقاش منفرد في وقت آخر.

 في سياق آخر نفهم من تحليلات رشيدة التريكي أن الصورة قد اتخذت الآن أبعادا مختلفة أكثر درامية وذلك بعد انفجار ثورة عصر الكومبيوتر والإنترنت، ونظر لذلك نجدها تشدّد على أهمية النظر في الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه الصورة في صنع الأحداث علما أنَ عالمنا المعاصر يشهد في تقديرها سيلا من حروب الصور في مختلف نواحي الحياة اليومية. وهكذا تفيد قراءة كتاب “الصورة ورهاناتها” أن للصورة دلالات عميقة عبر مسار التاريخ البشري، وعلى هذا الأساس فإن تحليل الصورة هو في الوقت نفسه تأويل لحركة الإنسان عبر التاريخ التي لا تنفصل عن تنوع الصور والتي يخلقها أو يلاحظها ويتأملها وهو يحاول أن يفهم وجوده ووجود الآخرين.

الصورة الإشهارية تمارس سلطة شرسة للسوق الذي يبيع ليس المنتجات الاستهلاكية فحسب وإنما أيضا قيما أخلاقية وجسدية

ففي تقديرها فإن للصورة تاريخا متوغلا في الحياة الإنسانية قديما وحديثا وحاضرا حيث أنها ما فتئت تمارس “دورها في أحداث العالم لاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين” وذلك عندما دخلت بيوت الناس بواسطة التلفاز أولا والإنترنت ثانيا وخاصة خلال المرحلة التي تطورت فيها “تكنولوجيات الصورة وأصبحت متاحة للجميع بواسطة الهاتف الجوال”. وهكذا نجد الأسطورة اليونانية قد قدَمت للبشرية صورة النرجس المولع بعشق صورته التي تنعكس في الماء لحدّ التماهي الكلي معها مما جعله ينشئ معها علاقة التماهي الملتبسة والهوامية غير المطابقة لحقيقة ذاته في العالم ومع الناس، ولقد أولى المعالجون النفسانيون هذا التماهي المرضي اهتماما خاصا وقادهم ذلك إلى البحث عن آليات ناجعة لعلاج الأشخاص المصابين بمرض النرجسية المغلقة.

أما في المجال الديني فإن الدكتورة رشيدة التريكي تشير إلى الصراع حول الصور وما تمثله وتذكر في سياق ذلك تحطيم المسلمين لأصنام الجاهلية، وتعميم المسيحيين لرمزية الصليب. وتمضي التريكي في تحليل طبيعة الصورة وما يمنحها المعنى بالتركيز على مفهومها عند جان بول سارتر الذي يعتبرها “فعلا وليست شيئا”، كما أنها ركزت على توضيح سلطة الصورة وقدرتها على “توجيه أحكامنا”، وتكوين الرأي العام بواسطة “الصور الإشهارية أو صور نشرات الأخبار”، هذا وتلاحظ أن الصورة في مجال الإشهار تمارس سلطة شرسة للسوق “الذي يبيع ليس فقط منتجات الاستهلاك وإنما أيضا قيما أخلاقية جسدية”، وجراء كل هذا يكون دور الصورة أساسيا “في صنع الحدث تمويها أحيانا وتحقيقا له أحيانا أخرى”.

14