رشيدة الشارني: النساء العربيات يؤجلن حياتهن إلى الآخرة

الخميس 2014/12/11
على العقلية الذكورية المتربصة بالمرأة أن تكف عن استغلالها والإساءة إليها تحت أي غطاء كان

رشيدة الشارني قاصة وروائية تونسية، تكتب عن الحياة في جانبها الهامشي، تطرح من خلاله تساؤلات عدة عن إنسان الزمن المعاصر، عن طموحاته وتطلعاته، تكتب عن الوطن والأجيال والذاكرة، هي التي كتبت عن “خضراء”، الأم التي أنجبت ثلاثة ذكور، أصغرهم مسجون وأوسطهم مفقود وأكبرهم مقهور، في روايتها “تراتيل لآلامها”.

بدأت رشيدة الشارني هذه الفترة في كتابة رواية جديدة تصور حسب قولها: «ما مررنا به من أوضاع صعبة ومظاهر مفزعة، هددت هوية الوطن، جعلتني أتساءل عميقا حول المسألة الدينية وأحاول من موقعي كمربية بالدرجة الأولى، وكمثقفة أشعر بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة، أعتقد أنه ينبغي علينا بعد هذا المنعرج التاريخي الكبير أن نسعى إلى معالجة هذا الموضوع بحكمة ودراية». “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتبة لاستجلاء عوالمها.


هواء الواقع


عن علاقتها بالكتابة تقول الروائية رشيدة الشارني: «أكتب لأبدّد شيئا من دهشتي أمام العالم، ولأمسك بلحظات اللامعقول فيه، وأزرعها بأسئلتي، ولأنني معبأة من الداخل ومسكونة على الدوام بعذابات الإنسان ومآسيه، وحزينة للخراب الذي آلت إليه أوطان كثيرة، مازلت مخلصة للطفلة الكامنة فيّ، التي تعتقد أن العالم الحقيقي شبيه بقصص الطفولة ذات الألوان الزاهية والإنسانية العالية والجمال الخرافي البديع والأحلام الوديعة الممكنة، أكتب أيضا لأنني أجد متعة في التواصل عبر الأبجدية، ولأنني أتوق إلى تحقيق إضافة إلى الأدب. في السنين الأخيرة تحوّلت الكتابة بالنسبة لي إلى أداة للمقاومة ووسيلة للتحرر والآن أصبحت سبيلا للوجود».

أما عن مدى انشغالها بالقارئ أثناء الكتابة توضح الكاتبة بقولها: «يشغلني بالدرجة الأولى الموضوع الذي يمس القارئ ويلامس وجدانه ويثير تفكيره، عندما أشرع في الكتابة لا أفكّر في القارئ، ما يهمني بالأساس هو تفاصيل الموضوع، والبناء الفني للعمل والمتانة اللغوية للنصّ، ولعل القارئ موجود فيّ بما أنني قارئة بالدرجة الأولى لذاتي التي هي في الحقيقة ذاته، وعندما يصبح نصي بين أيدي القرّاء والنقاد أنتبه كثيرا للملاحظات البنّاءة بل أصبح ناقدة شرسة لعملي».

للأسف الربيع العربي كشف عن التصحر الفكري والثقافي الذي نعيشه، والأرض أخرجت أسوأ ما فيها وهو التطرف

عن شخصيات رشيدة الشارني الإبداعية وإن كانت تشعر بالحزن على مصيرهم تردّ الكاتبة: «هناك شخصيات بمجرّد أن أحييتها، انطلقت تكتب نفسها وكأنها استعارت أصابعي لتحفر عميقا في ذاتها، وتعيد ترتيب فوضى الحياة، وتخطط لمصيرها على نحو مختلف للذي أردته لها، مثل شخصية خضراء في روايتي “تراتيل لآلامها “، وهناك شخصيات أخرى تناديك لتعرّج عليها وتمنحها اهتماما أكبر لأنّها تنطوي على مخزون هائل من التجارب الإنسانية مثل شخصية سعد الحاج والمنصف في الرواية ذاتها، أشعر أحيانا أن هناك منطقا داخليا للعمل يقودني نحو رسم مصير مختلف عن الذي تصوّرته، وأن هناك شخصيات درامية مارست تأثيرا هائلا عليّ أثناء الكتابة، في روايتي المذكورة كنت أتوقف بين وقت وآخر لأتنفّس هواء الواقع، ولأمحو شيئا من تأثير تلك الشخصيّات التي كانت تأبى أن تغادرني وأنا في الحقيقة لا أشعر بالحزن لمصيرها فتلك مشيئة الواقع المتخيّل، ولكنني أشعر بافتقادها وأتساءل إن كنت قد أوفيتها حقّها».


الأسئلة الحارقة


في مجموعتيها القصصيتين “الحياة على حافة الدنيا” و”صهيل الأسئلة” استطاعت التقاط عدّة صور من حياتنا اليومية؛ تفسر رشيدة الشارني هذه المسألة بقولها: «هي ليست حياتي تحديدا وإنّما هي حياة شريحة كبيرة من النساء، ولكن القارئ يعتقد دوما أن بطل القصّة هو كاتبها، أنا منتبهة كثيرا لتفاصيل الحياة وأصغي جيّدا إلى هموم الآخرين، وحكايات كبار السنّ، ما أفعله هو أنني أغرف الكثير من ذاتي لأصوّرها، هناك قصص دارت أحداثها في زمن غير زمني مثل قصّة “تلك السنديانة تملك الجواب” التي دارت أحداثها في القرن 18، وقصص “الحياة على حافة الدنيا” و”جنازة نسائية” و”الأموات يعودون من الماضي” التي جرت وقائعها في أربعينات القرن الماضي، صحيح أن هناك قصصا تعبّر عن تجارب حقيقية تعرّضت لها مثل قصّة “طريق دار العجائب” التي تعبّر عن ذاكرة المكان لمدينة باردو التي عشت بها، والتي تحوّلت إلى مكان رمزي بعد الثورة. لا تهمّ كثيرا علاقة المبدع بالحدث، المهمّ هو أن يطوّع هذا الحدث إلى بناء فني بديع ينقل من خلاله خبراته وأسئلته الحارقة».

رواية تقدم شخصية تخطط لمصيرها على نحو مختلف

في العام 2003 تحصّلت على لقب امرأة العالم، لكتاباتها المناصرة لقضايا المرأة، فتبدو مسكونة بهاجس المرأة العربية وهمومها، وعن رأيها في أين تكمن مشكلة المرأة في ذاتها أم مع الثقافة الذكورية؟ تقول الشارني: «يكمن الإشكال الأكبر في إيمان المرأة بحقّها في الحياة والكرامة والحرية، نساء كثيرات ممن برمجت حياتهن مسبّقا، ويتعرضن للظلم والعنف والاعتداء اليومي مازلن يتصوّرن أن ذلك أمر طبيعي، وأن عليهن أن يتحمّلن بصبر وجلد هذا المصير لدواع دينية تعدهن بالجنة، يعني أنهن يؤجّلن حياتهن إلى الآخرة بعد أن رفضتهن الحياة».

وتضيف رشيدة الشارني: {الظاهرة الغريبة الآن أن هناك شريحة من النساء تسعى إلى عبوديتها وتقبل أن تعيش في عصر غير عصرها وأن تكون الزوجة الرابعة في شبه زواج عرفي بعد أن كرّمتها قوانين بلدها ورفعت من شأنها.

هؤلاء النساء المغرّر بهن في غالب الأحيان باسم الدين يرتبك مصيرهن بمجرّد انكشاف اللعبة الدنيئة. على العقلية الذكورية المتربصة بالمرأة أن تكفّ عن استغلالها والإساءة إليها تحت أيّ غطاء كان وأن تفكر بضميرها قبل أيّ شيء آخر».

عن الربيع العربي وإن كان قد حقق ما تصبو إليه، تجيب رشيدة: «بعد الثورة ازدهرت حرية التعبير بشكل همجي، وفي أغلب الأحيان شُوّهت صورة المسؤول، وهُدّد أمن البلاد عديد المرّات، إنّها حرية الرأي حين تُمنح لذوي الأخلاق الفاسدة والحسابات السياسية الضيّقة. لقد استقلت من رابطة الكتاب الأحرار صيف 2013، لأنّها تباطأت في أخذ مواقف من عديد الاعتداءات التي طالت الفنانين، وللأسف كشف الربيع العربي عن التصحّر الفكري والثقافي الذي نعيشه، والأرض أخرجت أسوأ ما فيها وهو التطرّف والغطرسة وعدم المسؤولية، مما جعل شريحة كبرى من المجتمعات تفضّل الدكتاتورية على الحرية التي تهدّد أمنها واستقرارها، أعتقد أن الوضع في تونس مختلف بسبب الموروث الثقافي الذي يتسم بالاعتدال والسماحة والانفتاح والمستوى العلمي الذي تحظى به طبقة واسعة من المجتمع، نحن نتحاور ولكننا لا نتقاتل».

15