رشيد يزمي "سيد الليثيوم" الذي يكرس تفكيره العلمي لخدمة الإنسانية

السبت 2016/01/30
مغربي اخترع قطعة صغيرة يحملها كل إنسان في العالم المتحضر

إسطنبول - تناقلت الوسائل الإعلامية قبل فترة قصيرة أخباراً تتحدث عن توصل فريق بحث في جامعة نان يانغ بسنغافورة يقوده المخترع المغربي رشيد يزمي، إلى اختراع شريحةٍ ذكية تستطيع شحن الهواتف النقالة في مدة لا تتجاوز عشر دقائق.

جاء في تفاصيل الخبر أن الشريحة الفريدة من نوعها، التي أعلن عنها تُدمج مع بطارية الهاتف الذكي، وتتيح، فضلًا عن سرعة شحن الهاتف بالطاقة، تنبيه مستخدمه في حالة ما ارتفعت حرارة البطارية. كي لا يتم إتلاف الهاتف أو إحداث حرائق، فضلًا عن الزيادة في عمر البطارية.

وبحسب وسائل إعلام مختصة في التقنية، فإن تسويق هذه الشريحة الذكية سيبدأ في نهاية عام 2016، ما سيمكّن كل الهواتف الذكية من الحصول على “شحن قياسي للغاية ينهي معاناة مستخدميها مع انتظار ساعات طوال لأجل ذلك، بعدما كان تقليل الوقت حكراً على بعض الأنواع”.

قرّاء هذا الخبر بشكل عام والمهتمون بتطور العلوم والتقنيات بشكل خاص، سيتوقفون عند الرمزية المدهشة والمثيرة التي ستجمع سياق الأخبار عن إنجازات العالم المغربي رشيد يزمي، الذي قدم إضافة علمية مهمة جداً للبشرية عبر اكتشافه المثير الذي جعل بطاريات أيون الليثيوم قابلة للشحن، مع تلك الأخبار التي تقول بأن “بطارية بغداد” الشهيرة والتي بقيت لعقود واحدة من أهم كنوز المتحف الوطني العراقي قد فقدت ضمن عمليات السرقة التي تعرض لها المتحف إبان الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.

عملياً لا شيء فعليا يربط بين اختراعات واكتشافات يزمي الذي يعيش في زماننا، وبين حكاية “بطارية بغداد” التي تعود إلى الماضي نسبياً، سوى الانتماء إلى ذات العالم الذي أنتج أسراراً عجائبية بقيت دون تفسير، ومنها تلك الجرّة الطينية الصفراء المكتشفة في حفريات جرت في قرية “خوجة رابو” القريبة من بغداد، بين ركام مدينة أثرية تعود للحضارة البارثية (248- 226) قبل الميلاد، والتي سجل العلماء في توصيفهم لها: أنها بطول 13 سنتمترًا، وتتوسطها أسطوانة من رقائق النحاس، مثبتة بعنق الوعاء بسبيكة من الرصاص والقصدير، في ما يشبه اللحام، والتي رأى الباحثون بعد فحصها أنها بطارية بدائية، سبقت البطاريات المعروفة بأكثر من 20 قرناً. ولكنها كانت تستخدم لأغراض مختلفة عن تلك التي تستخدم البطاريات من أجلها في يومنا هذا.

قيل إنها خلية لتوليد الكهرباء، بغرض طلاء التماثيل بالذهب، وقيل أيضاً إنها “مخصصة لحفظ لفائف ورق البردي، أو أنها تستخدم كوسيلة للعلاج بالإبر، بخاصة أنه تم العثور على إبر قرب مكان اكتشافها”. بينما قالت فرضية مختلفة “إنها صنعت خصيصا لأجل ممارسة طقوس سحرية، وأن الكهنة ربما خبّأوها داخل أصنامهم وتماثيلهم للترويج للآلهة والإقناع بقوتها السحرية من خلال الدفء أو الوخز الخفيف الذي يشعرون بهما أثناء لمسها”.

يزمي القادم من المغرب ينجز في مختبر تابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، في علم المواد، نتائج جديدة لدمج الليثيوم بالغرافيت، عبر استعمال تقنية التحليل الكهربائي للأجسام الصلبة. مما شكل قاعدة مهمة لأعماله اللاحقة التي مكنت من تطوير بطاريات الليثيوم لتكون قابلة للشحن

الثابت في الأمر أن البطارية التي ظلت سراً من الأسرار اختفت، ولكن مجرد وجودها جعل من السياق الذي نشأ فيه اختراع البطارية موضوعاً لتداخل التراكمات العلمية متعددة المصادر، والتي أسهم فيها الشرق والغرب على حد سواء. وضمن هذا المسار يمكن التوقف وبصلابة عند الإضافة التي جعلت من رشيد يزمي اسماً حاضراً ليس في مدونات العلوم فقط، بل في العديد من الأجهزة التي يستخدمها يومياً غالبية سكان الأرض.

البطارية

يمكن تعريف البطارية كما تقول المراجع العلمية بأنها “خلية أو عدة خلايا كهروكيميائية، تقوم بتحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقة كهربائية”. ويعود اختراع البطارية التي يعرفها البشر في زمننا الحالي، إلى تاريخ اكتشاف الكهرباء المتحركة عام 1780، على يد العالم الإيطالي لويجي جالفاني، الذي أخطأ في فهم وإدراك سبب وجود التيار الكهربائي في إحدى تجاربه العلمية التي استخدم فيها شرائط معدنية. وهكذا كان على البشرية انتظار الدأب الذي تحلى به العالم ألساندرو فولتا، حينما بذل بعد عقدين جهداً كبيراً في محاولة تفسير النتائج التي خرج بها مواطنه جالفاني وتصحيح مسارها، عبر إثبات أن الكهرباء يمكن أن تتولد كيميائياً، وأن التيار الذي اكتشفه جالفاني لا يعود للأجساد الحية بل إنه يعود إلى القضبان المعدنية التي استخدمت في التجربة.

وفقاً لهذا قام فولتا بإعادة إنتاج ما يعرف بـ “خلية جلفاني”، للاستفادة من آلية التفاعل التي بنيت عليها، ما قاده إلى إنتاج أول بطارية سمّيت باسمه، تعطي تياراً مستمراً ولمدة طويلة نسبياً، فقد وجد أنه عند رصِّ “مراكمة” معدنين مختلفين بعضهما فوق بعض مع الفصل بينهما بطبقة من القماش أو الورق المقوى المشبع بالمياه المالحة، فإننا نحصل على تيار كهربائي.

صمّم فولتا بطارية عن طريق تكديس أزواج متناوبة من أقراص النحاس أو الفضة مع أقراص الزنك، لتكون هذه الأقراص عبارة عن الأقطاب الكهربائية. وقام بفصل بعضها عن بعض بورق مُقوَّى مشبع بمحلول ملحي ليعمل محل المنحل الكهربائي ثم ربط الجزء العلوي من البطارية بالجزء السفلي بسلك ليحصل على تيار كهربائي مستمر.

“خلية جالفاني” ومن بعدها “بطارية فولتا” وضعتا الأساس الأوّلي الذي انطلقت بعده الاكتشافات في عالم الخلايا المولدة للكهرباء المستمرة والتي تعرف بالبطاريات.

ما كان صعباً في البدايات، سيصبح أسهل بالتأكيد مع تقدم الامكانيات العلمية لدى الآخرين، حيث بات من الممكن إجراء التطبيقات المتعددة بحسب اختلاف أنواع المعادن والمواد الكيميائية المستخدمة، وكذلك ضمن أحجام مختلفة، ما أدى إلى ظهور أنواع شتى من البطاريات، تتعدد بحسب نوع التفاعل كبطاريات الزنك والكربون، البطاريات القلوية، وبطارية الرصاص الحمضية (بطارية السيارة)، وكذلك بطاريات النيكل والكادميوم، التي يمكن إعادة شحنها بعكس التفاعل، وتُعد أول بطارية قابلة لإعادة الشحن، وبطاريات هيدريد النيكل المعدني وغيرها.

قراءة أسماء العلماء الذين ساهموا بتطوير البطارية منذ تاريخ اختراعها وحتى وقتنا الحالي قد تستغرق وقتا طويلاً، ولكن اللافت في القائمة أنها لم تحتوي أيّ اسم عربي. إلى أن برزت على السطح جهود المغربي رشيد يزمي الذي اخترع بطارية الليثيوم المستخدمة حالياً في أجهزة الهاتف المحمول وفي الأجهزة المشابهة، ليفتتح عبر إضافته هذه صفحة جديدة من صفحات التنافس بين العلماء والمخترعين، للوصول إلى أنواع جديدة لمولدات الطاقة التي تساهم في جعل الكثير من التقنيات متاحة بين يدي المستخدمين، بعد أن كانت مشكلة عدم وجود البطاريات التي تخدم الأجهزة بشكل مناسب، واحدة من أصعب المشاكل.

رشيد يزمي يتسلم جائزة تشارلز ستارك درابر التي تعتبر بمثابة جائزة نوبل للمهندسين

من المغرب إلى العالم

ولد رشيد يزمي في مدينة فاس المغربية عام 1953 وتلقى تعليمه هناك، حيث حصل على شهادة الباكالوريا، شعبة العلوم الرياضية، وتابع دراسته في جامعة محمد الخامس بالرباط.

سرعان ما انتقل إلى فرنسا، ليتابع دراسته هناك ولينطلق بعدها إلى العالم. عن رحلته الطويلة هذه، يقول في أحد لقاءاته الصحافية “رحلتي خارج المغرب بدأت منذ أكثر من أربعين سنة. ففي سنة 1972 ذهبت إلى فرنسا للدراسة في الأقسام التحضيرية لمدارس المهندسين، وبعد ثلاث سنوات نجحت في مدرسة إليكترو شيمي في غرونوبل. ومنذ ذلك الوقت وأنا أعيش في فرنسا، حيث حصلت على دبلوم المهندسين سنة 1978، فبدأت أبحاث الدكتوراه التي توجّت بمناقشتي أطروحة الدكتوراه سنة 1985، وخلال السنة نفسها بدأت العمل في معهد البحث العلمي، بعدها توجهت نحو اليابان حيث قضيت حوالي خمس سنوات عدت بعدها إلى غرونوبل وبقيت فيها لمدة عشر سنوات استجبت بعدها لدعوة من الناسا في كاليفورنيا، وقد كنت أنوي قضاء سنة هناك، لكن الأمور مرت في ظروف جيدة فقضيت عشر سنوات. وفي سنة 2010 كنت أنوي العودة إلى فرنسا، ولكن جاءت فرصة لألتحق بجامعة سنغافورة للاشتغال في المعهد الوطني للطاقة، حيث وجهوا إليّ دعوة لمساعدتهم في أبحاث البطاريات”.

أنجز يزمي أطروحة الدكتوراه، في مختبر تابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في علم المواد حول دمج الليثيوم بالغرافيت عبر استعمال تقنية التحليل الكهربائي للأجسام الصلبة عوض السائلة، كما كان سائداً. مما شكل قاعدة مهمة لأعماله اللاحقة التي مكنت من تطوير بطاريات الليثيوم لتكون قابلة للشحن. كما أنشأ يزمي شركة “سي أف إكس باتاري” في كاليفورنيا، لتعمل بشكل تخصصي في تطوير وتسويق براءات اختراعاته، خصوصاً، تلك المتعلقة بمجال بطاريات “أيون الفليور”.

العرب والعلماء

في العام 2014 فاز يزمي مع الباحثين جون كودناف ويوشيو نيشي وأكيرا يوشينو بجائزة درابر التي تمنحها الأكاديمية الأميركية للهندسة بواشنطن اعترافاً لهم بأعمالهم ودورهم الكبير في تطوير بطارية الليثيوم أيون المستعملة بشكل واسع، عبر العالم، في ملايين الأجهزة الإلكترونية كالهواتف والكمبيوترات المحمولة وأجهزة التصوير والسماعات الطبية.

يزمي، الذي سجلت باسمه عشرات الاختراعات ومئات الأبحاث العلمية، ينطلق في رؤيته العلمية من جذر مهم يبنى على نقض اليقينيات فهو يدعو إلى “إعادة التشكيك في كل مُسَلَمَات العلوم”، إذ أنه لولا “محاولات قلب المفاهيم” لما تمكن من الوصول إلى اختراعه الذي “غيّر مفهوم تخزين الطاقة في البطاريات عبر العالم”.

وفي مسار علاقته مع موطنه يؤكد يزمي في عدد من الحوارات التي أجريت معه على ارتباطه بوطنه فيقول “أنا بالتأكيد مغربي وأفتخر بذلك، لكن عندما أمارس مهنتي كباحث أفكر في خدمة الإنسانية”، ولكنه يشير من ناحية أخرى إلى حالة الغربة التي يعيشها العلماء العرب، ولا يخفي تفاؤله بإمكانياتهم، لكنه يلفت إلى أن الموضوع لا يدخل ضمن الاهتمامات الكبرى للمسؤولين الحكوميين في هذه البلدان. ويقترح زيادة ميزانية البحث في هذه الدول بـ10 بالمئة سنوياً.

14