رصيد الثقافة الضائع

الثقافة العربية كانت وما زالت محكومة بإشراف وتوجيه الدولة الرسمية، ما جعلها خاضعة لسلطة السياسي عليها وتوجهاته.
الثلاثاء 2018/08/07
لوحة: صفهوان داحول

بدا أن الثقافة العربية في عقد الستينات وجزء من السبعينات تسير بخطوات واثقة، تعزز فبها مكتسباتها وتقاليدها لثقافة جديدة واعدة. لم يكن هذا التطور الملحوظ يخص حركة النشر وظهور المجلات الثقافية، فقد كان ظاهرا في الحياة السينمائية والمسرح والحركة التشكيلية والأدب أيضا. في النصف الثاني من السبعينات الماضية بدأ المشهد الثقافي يشهد بدايات تراجع متصاعد في حجم الإنتاج السينمائي وفي مستواه الجمالي. ولم يكن الأمر مختلفا في المسرح ومهرجاناته، أو في الحياة الأدبية والمجلات الثقافية، على خلاف ما كان مؤملا بعد استكمال متطلبات العمل الثقافي الجاد.

حتى الآن تجاهلت الدراسات النقدية أسباب هذا النكوص الثقافي، الذي أوصلنا إلى حالة الفوضى الثقافية، التي نعيشها الآن، حتى في مدن المراكز الثقافية التقليدية، التي كانت تقود هذا الحراك وتعزز مكتسباته. على الرغم من هذا التجاهل يمكن لمن عايش تلك الحقبة أن يتوقف عند مسألتين أساسيتين لا يمكن الفصل بينهما،؛ المسألة الأولى هي أن الثقافة العربية كانت وما زالت محكومة بإشراف وتوجيه الدولة الرسمية، ما جعلها خاضعة لسلطة السياسي عليها وتوجهاته، في حين تم تغييب دور المجتمع الأهلي والمثقفين المستقلين عن المشاركة الفاعلة في تعزيز وتطوير الحياة الثقافية.

أما المسألة الثانية فقد ظهرت في غياب الحريات العامة، التي لم يكن أثرها السلبي على الثقافة أقل تأثيرا من هيمنة الدولة عليها. لذلك كان من البديهي أن ينعكس فشل الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية على الثقافة أيضا، طالما أنها تدار وترسم سياساتها بنفس العقلية والوسائل والأدوات من قبل جهات رسمية تحولت الثقافة معها إلى عمل وظيفي.

لقد كانت الثقافة أكثر المجالات التي حاولت الدولة التحكم فيها، سواء لأغراض الدعاية لها، أو لخطورتها على تشكيل الوعي العام، خاصة مع تصاعد هيمنة الدولة الكلية على المجال العام وإخضاعه لسيطرتها. كل هذا يجعل مفهوما ما حدث للمسرح العربي أو السينما بصورة خاصة، والثقافة بصورة عامة، خاصة بعد أن جرى تهميش الثقافة قبل أن تستطيع ترسيخ قيمها وتقاليدها وحسم خياراتها الفكرية والجمالية.

لذلك كان طبيعيا أن نرى شبه غياب للإنتاج السينمائي واقتصاره على مجهودات فردية في الغالب، كما أصبح مألوفا أن تتحول الحياة المسرحية إلى مجرد احتفالات تنتهي بانتهائها، وأن يغيب التنسيق الثقافي العربي وتصبح المجلات الثقافية ذكرى من زمن مضى، في حين أسهم الفضاء الافتراضي في تعميق حالة الفوضى والارتجال.

وبينما تتسع حركة النشر الخاصة، تتقلص حركة النشر الرسمية، في حين تغيب التجمعات الثقافية ويزداد ضغط الواقع على المثقف الحر.

15