رصيد الفن التشكيلي الجزائري يسير نحو الاندثار

الجمعة 2015/04/03
رسومات إتيان دينيه أبرزت سحر البيئة الجزائرية وثراءها التراثي

الجزائر - رغم تألق وإبداع فنانين تشكيليين جزائريين في مختلف المحافل والمعارض الأجنبية، إلاّ أن راهن الفن التشكيلي في الجزائر يمرّ بأوضاع صعبة ومعقدة، بسبب تراجع اهتمام ودعم السلطات المسؤولة عن هذا الفن، مقارنة بما توليه للفنون والإبداعات الأخرى، كالآداب والمسرح والسينما، التي رصدت لها فضاءات رحبة وإمكانيات معتبرة، بينما يعاني الفنان التشكيلي الجزائري من التهميش والعزلة.

ألهمت طبيعة الجزائر خلال القرن التاسع عشر، نخبة من كبار المستشرقين والرسامين الغـربيين الـذين انبهـروا بثراء البيئة الاجتماعية والثقافية، وترك العديد منهم لوحات وأعمالا ناطقة تعبر عن انجذابهم إلى سحر هـذه البيئة وعمقهـا وأصالتها وثرائها بالتراث المتميز.

وكان من أبرز هؤلاء دولاكروا وفرومنتين وسكاسريو وإتيان دينيه، وغيرهم من الذين أضافوا إلى معروضات المتحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر أعمالا رائعة.

وقـال أحد النقاد الغربيين وهو يصف الفن التشكيلي الجزائري “إن رسامي الشرق كانوا كبارا، ومن بين أفضل أولئك ألفونس إتيان دينيه (ناصرالدين دينيه)، وقد تمكنوا من تحويل أناملهم إلى عدسات”.

وهو الأمر الذي مهد الطريق لميلاد نخبة من الفنانين التشكيليين في الجزائر على غرار محمد راسم، مصطفى بن دباغ، محمد بوزيد، موسى بوردين، رشيد علاق، نورالدين شقران، رشيد جمعي، زهرة سلال، وغيرهم.

ولقد بلغ تأثر بعضهم بهذه البيئة، حدّ التمسك بالإقامة الدائمة في الجزائر، لتدريس الطريقة الغـربية في التعبير الانطباعي بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة في العاصمة الجزائرية. ولقـد ذهب الرسام الفرنسي الشهير إتيان دينيه في تأثره بهذا التراث إلى حدّ إشهار إسلامه عام 1913 وسمى نفسـه نـاصرالـدين، ومـات عقب أدائه لفريضة الحج عام 1929، ودفن في مدينـة بوسعادة (250 كلم جنوبي العاصمة) بعد أن أقام عدة معارض فنية في الجزائر وباريس، أبرز من خـلالها عمق التراث الإسـلامي وأبعاده الحضارية والإنسانية.

كانت محصلـة هذه الجهود هي بروز فنانين مشاهير ذوي مدارس متميزة، أثروا الحركة الفنيـة الجزائرية بمجموعات مهمة من التحف التشكيلية التراثية، وقد تكون أبرز سمات الفن الانطباعي في التشكيل الجزائري، هي تلك التي أبدعها الفنان محمد راسم في لوحته “معركة بحرية ضد الفرنجة” التي أوضح من خلالها الارتباط الوثيق والتناسق البنائي بين فن كتابة الخط وأبعاد الزخرفة الهندسية.

دليل ساسي: الفن التشكيلي الجزائري يعاني حاليا من العزلة الجماهيرية والتهميش

ويعتبر النقاد أنه “من الخطأ التصوّر بأن المدارس التشكيلية الجزائرية، هي امتداد لنظيراتها المشرقية العربية أو الإسلامية، لأن المشاهد المتمعن في مكنوناتها، سرعان ما يقع على تميزها الذي فـرضته ظروف المنطقة وإيحاءاتها ومدلولاتها”.

ورغم التركيز على الجانب الانتمائي في الفن التشكيلي الجزائري، فإن الفنانين لم يكونوا متحجـرين وصادّين عن التأثر بالمدارس الفنية الغربية وأساليبها في التعبير الانطباعي، وقد سعى العديد منهم إلى توظيف هذا التزاوج بين المدرستين لتجـديد الدم الذي كـان يجري بحيوية في عروق الحركة الفنية الجزائرية.

وكانت فنون كتابة آيات القرآن الكريم بالخط العربي، المصبوبة في أطر من الزخارف الهندسية المتشابكة، إلى جانب تصوير المساجد والجوامع والأحياء الشعبية، تمثل المادة الرئيسية التي تناولها الفنانون ببراعة وثـراء.

ويمكن أن ينسب للفنانين الجزائريين فضل المساهمة البناءة في تطوير شكل الحرف العربي وأبعاد الهندسة الزخرفية بشكل مستمر، خلال فترة متميزة دفعتهم فيها وطنيتهم إلى الإبداع أثناء سعيهم الدؤوب للتعبير عن انتمائهم وهويتهم.

رغم هذا الرصيد الهائل الذي كوّنه فنانو ما قبل الاستقلال، بدأ هذا الزخم يفقد بريقه في ظل ما أسماه الفنان دليل ساسي في تصريح لـ”العرب” غياب معارض وفعاليات كبيرة تساعدهم على تطوير مستواهم الإبداعي والانفتاح على نتاج الآخرين والاحتكاك بإبداعاتهم.

ويقول ساسي “رغم أن الوسط الثقافي عندنا شهد في السنوات القليلة الماضية عدة فعاليات كبيرة خاصة بالثقافة، إلاّ أن الفنان التشكيلي لم يكن له نصيب من ريع هذه التظاهرات، التي كان من المفترض أن تمس كل الفئات الإبداعية، وحتى المؤسسات الثقافية عندنا قلما ساعدت الفنانين التشكيليين في مسارهم الإبداعي، بل لا تزال المسألة تخص بعض المبدعين على حساب الآخرين، وهو ما جعل الفن التشكيلي يعاني من العزلة الجماهيرية والتهميش النخبوي”.

في حين يرى التشكيلي نبيل بلعباسي في تصريح لـ”العرب”، أن حالة الفنان التشكيلي في الجزائر يسودها الكثير من الضبابية بسبب ممارسات السلطات الوصية، ففي كل المعارض والمهرجانات التي يشارك فيها الفنان التشكيلي يجد نفسه يعامل على كونه فنانا مبدعا من الدرجة الثانية، مقارنة بما يحظى به نظراؤه في الموسيقى والأدب والمسرح والسينما، وغيرها.

الفنانون الجزائريون يُنسب إليهم فضل المساهمة البناءة في تطوير شكل الحرف العربي، وأبعاد الهندسة الزخرفية

ويقول بلعباسي “يتم التعامل معنا دون عقود أو وثائق قانونية، تحمي حقوقنا بعد ختام التظاهرات كما هو الشأن بالنسبة للآخرين، وأمام هذه الأوضاع يكون الفنان التشكيلي أمام خيارين، إما المشاركة والعمل وفق شروط هذه المؤسسات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة، أو عدم المشاركة وانتظار تغيّر طريقة تعامل هؤلاء معهم”.

ويضيف بلعباسي “وهذا الأمر جعل بعض الفنانين يغيبون عن أغلب النشاطات والفعاليات الثقافية التي تعنى بالفن التشكيلي الموزعة عبر مختلف محافظات الوطن”.

ويختم الرسام بقوله “هذا الوضع جعل المبدع التشكيلي في الجزائر، يعيش أغلب الأوقات في حالة عزلة فرضها عليه الواقع الذي يحكم الثقافة في الجزائر، مما اضطرّه للاعتماد على نفسه في إكمال أعماله وإبرازها للجمهور، فخلال تظاهرات الجزائر عاصمة الثقافة العربية (2007)، أو تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية (2011)، أو سنة الجزائر في فرنسا وحتى المهرجان الثقافي الأفريقي في الجزائر (2009)، الذي رصدت له الدولة موازنات ضخمة، لم يحظ الفن التشكيلي بأيّ دعم”.

17