رضا أصلان مسلم مسيحي يفكك الحرب ضد الإرهاب والحرب ضد الإسلام

السبت 2015/04/11
أصلان هبط بالنص الديني من سماء المقدس إلى أرض الواقع

من المعتاد في نقد الثقافة الدينية أنه يعتمد على الأسانيد بالدرجة الأولى، ولم يستهدف البني والمرجعيات، بل كانت كل المحاولات الوسطية أو التوفيقية تخدم أجندات معينة اجتماعية وسياسية. فالشافعي مثلا أسَّسَ الوسطية في الفقه والشريعة. وأسَّسَ أبو الحسن الأشعري الوسطية ذاتها في العقيدة. أما الغزالي، فقد أسَّس وسطيته في مجال الفكر. فلم تكن هذه التيارات نقدية بقدر ما كانت أيديولوجية في طرحها.

سؤال نقد الفكر الديني سؤال يحتاج إلى وقفات وتأملات في كل جوانبه المتعلقة بأصوله وضوابطه أو رسالته ومضامينه، ولعل العنصر البارز داخل هذه المعادلة وله صلة بموضوعنا أن الدين لم يمنع قط، ولم يمانع من امتلاك الإنسان لقوات خاصة في نفسه، دائرة تحت يده في تحريك الصراع بينه وبين الكون والوجود، ولم يمانع من نجاحه في ذلك الامتلاك وترشيد استثماره وتوظيفه، حتى يتمكن من الكشف عن السنن الاجتماعية المتحكمة في سير التاريخ، وإدراك أسبابها البعيدة.

مشرقي في أميركا

رضا أصلان يعدّ أحد نقاد الفكر الديني التقليدي في الغرب بعد أن غادر إيران أثناء أحداث ثورة الخميني في العام 1979 إلى أميركا حيث نُظِرَ إليه كمسلمٍ بريبةٍ وتوجسٍ. ولم تمض بضع سنوات حتى أعجب المراهق الإيراني بشخصيَّة يسوع الناصري، وحين بلغ الخامسة عشرة من عمره اعتنق المسيحيَّة بنسختها الإنجليكانيَّة، وأصبح مبشرًا بمعتقده الجديد بين الناس لما يُقارب الخمس سنوات، واستطاع أن يقنع أمّه باعتناق المسيحيَّة. لكنَّه لاحقًا ترك الدين الجديد، ورجع إلى إسلام خاصٍ يتصوره هو ويُخالف – في نظر معظم المسلمين- الإسلام الحقيقي. والسبب الأساس في تركه المسيحيَّة كما يقول أنه صُدِمَ بعد اكتشافه اختلاف النسخة التاريخيَّة ليسوع الناصري عن النسخة المسيحيَّة.

حصل رضا أصلان على العديد من الدرجات العلمية، فهو حاصل على درجة البكالوريوس في الآداب في تخصص الأديان من جامعة سانتا كلارا، وعلى درجة الماجستير في الدراسات اللاهوتية من كلية اللاهوت في جامعة هارفارد، وعلى درجة ماجستير أخرى في الفنون الجميلة من جامعة أيوا. كذلك حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع، مُركزًا على الدين، من جامعة كاليفورنيا. وفي نهايات العام 2000، عُيَّنَ أستاذًا زائرًا للدراسات الإسلامية في جامعة أيوا، ليصبح أول أستاذٍ متفرغٍ في تخصص الإسلام في تاريخ الولاية. وهو يعيش حاليًا في كاليفورنيا، شخصية أصلان أقرب ما تكون إلى شخصية العالم و الإصلاحي الأميركي، و هو كاتب ومساهم في صحيفة الديلي بيست، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لأستوديوهات بوم جين وهي شركة سينمائية تتناول أفلاماً وثائقية حول الشرق الأوسط الكبير والعالم الإسلامي.

يسوع الناصري حسب أصلان أسس حركة جوهر تعاليمها التبشير بـ "مملكة الله"، وليست هي المملكة التي تؤمن بها الكنيسة، بل إنها تمثل حركة سياسية اجتماعية تسعى للعدالة في المجتمع اليهودي وبسبب تمرد يسوع الاجتماعي - السياسي صلبه الرومان، وليس لسبب آخر كما تزعم الكنيسة

مملكة البؤساء

أثار رضا أصلان الكثير من الضجة بعد كتابه الأخير “المتعصِّب: حياة وزمن يسوع الناصري”، الذي يطرح فيه الصورة السلمية السائدة عن يسوع للنقاش. حيث لم يكن يسوع من وجهة نظر أصلان من دعاة السلام بل مناضلا شرسا من أجل الحرية، يهودي قومي يريد تحرير الأرض المقدسة من حكم الرومان من أجل إرساء مملكة دينية يهودية نقية.

أهم فكرة لدى رضا أصلان. تتمحور في أن هناك فرقًا مفصليًا بين شخصيَّة يسوع التاريخي، والتي تقوم -كما يؤكد هو- على الأدلة التاريخية والوثائق، وبين شخصيَّة يسوع الديني أو الكنَسّي. حيث خضعت، كما يُقرر أصلان، للبيئة الاجتماعيَّة الدينيَّة للشعوب التي آمنت به، فهناك يسوع الصيني ويسوع الياباني ويسوع الهندي ويسوع المصري ويسوع الغربي، يأخذ أشكالاً مختلفة حسب البيئة التي نشأ فيها الإيمان به، فهو في الغرب -مثلاً- صاحب شعرٍ ذهبيٍ وعيونٍ زرقاء وبشرةٍ بيضاء، وهو في الصين شخصية ذات ملامح صينية تمامًا، وهكذا. فتماثيل يسوع وصوره في كل بيئةٍ ومجتمعٍ تعكس تصورات المجتمع نفسه عنه وليس يسوع الأصلي، كما يُقرر أصلان. ويؤكد أن يسوع التاريخي، أي الشخصيَّة الحقيقيَّة في نظره، تقوم على ثلاثة أركان، أنه كان يهوديًا ويُبشر بالدين اليهودي، وهذا هو مفتاح اللغز، وعليه فهو لم يستحدث دينًا جديدًا كما تزعم المسيحيَّة. حيث كان في فقرٍ مدقعٍ، وكان ينتمي إلى الطبقات الاجتماعيَّة الدنيا في الوسط اليهودي الذي كان يخضع في ذلك الوقت للاحتلال الروماني. ويسوع كان في الحقيقة يهوديًا إصلاحيًا ثائرًا ومتمردًا ولم يكن إلهًا ولا ابن إلهٍ، أراد أن يقوم بحركةِ تمردٍ داخل المجتمع اليهودي الذي كان خاضعًا للاحتلال، أسس يسوع الناصري حركةً جوهر تعاليمها هو التبشير بـ”مملكة الله”، وليست هي المملكة التي تُؤمن بها الكنيسة، بل هي تمثل حركة سياسية اجتماعية تسعى للعدالة في المجتمع اليهودي، وتنتصر للفقراء والمعدومين على جشع الأثرياء والأغنياء، فهي مملكة خاصة بالمعدومين والبؤساء، ويعتقد أصلان أنه بسبب تمرد يسوع الاجتماعي- السياسي فقد أعدمه وصلبه الرومان، وليس لسببٍ آخر كما تزعم الكنيسة.

الكتاب تناول الكثير من التفاصيل التصحيحيَّة عن حياة يسوع، والتي نقض فيها روايات الإنجيل وما يعتقد النصارى فيه، وأثبت فيها أن شاؤول أو بولس اليهودي شخصيَّة دخيلة على حركة يسوع، حيث قام بتدميرها من داخلها وحَرَفَ سيرها، وجعلها دينًا مختلفًا عن الدين الذي نشأت فيه وتنتمي إليه، وهو اليهوديَّة.

رضا أصلان يعد أحد نقاد الفكر الديني التقليدي في الغرب بعد أن غادر إيران أثناء أحداث ثورة الخميني في العام 1979 إلى أميركا حيث نظر إليه كمسلمٍ بريبة وتوجس. ولم تمض بضع سنوات حتى أعجب المراهق الإيراني بشخصيَّة يسوع الناصري، وحين بلغ الخامسة عشرة من عمره اعتنق المسيحيَّة بنسختها الإنجليكانيَّة

مؤامرة المسلم والمسيحية

وقت صدور الكتاب في العام 2013، أجرت لورين غرين ملكة جمال أميركا السابقة ومقدّمة برنامج “حوار حيويّ ـ روحيّ” على موقع فوكس نيوز ومراسلة المحطة للشؤون الدينية، حواراً لم يتخطَّ الدقائق العشر، طارحة السؤال: لماذا يكتب المسلم عن المسيحية؟ “لأن هذا عملي كأستاذ جامعي” أجاب أصلان متفاجئا من السؤال، وتابع “أنا أستاذ في تاريخ الأديان، بما فيها الإنجيل. هذا ما أفعله من أجل لقمة العيش. إن الأمر مشابه للطلب من مسيحي أن يكتب عن الإسلام”. تلت ذلك خمس عشرة مداخلة لغرين سخّرتها كلها لإثبات مؤامرة تفيد بأن أصلان يسعى لتشويه المسيحية والترويج لنفسه.

ونتيجة لحجم النقد الذي جلبته غرين لنفسها ولمحطتها بسبب هذه المقاربة، اعتبر معلّقون كثيرون أنها أمّنت للكتاب رواجاً لا يحلم به، ولم تمض ساعات حتى انتشر تسجيل المقابلة على شبكة الإنترنت، وحقق ملايين المشاهدات، بحكم كون القناة من المحطات الإخبارية الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة، بعدها، بيعت من كتاب أصلان نسخ بأعداد هائلة، ما استدعى الناشر طلب طبعات جديدة. وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الكتاب احتل المرتبة الأولى في قائمة الكتب الإلكترونية الأكثر مبيعاً، وحقق مراتب متقدمة في فئات أخرى من القائمة. وقد سبق لأصلان أن أصدر كتاباً ترجم إلى 13 لغة وصنّف من الأكثر مبيعاً عالمياً، موضوعه الإسلام وعنوانه: “لا إله إلا الله: جذور الإسلام وتطوّره ومستقبله”.

وفي أحد أسئلتها، اقتبست غرين قول أحد المشاهدين للبرنامج إن الكتاب يمثل وجهة نظر إسلامية تعتبر أن يسوع نبيّ متعصب، وليس ابن الله، كما ادّعى. حينذاك، أجاب رضا أن الإسلام لا يقول ذلك أبدًا عنه، “كتابي يشكك أيضًا بما يقوله الإسلام عن يسوع. هذا ليس رأي مسلم، بل عمل أكاديمي عن شخصية تاريخية، عاشت منذ 2000 سنة على الأرض، التي كانت تدعى فلسطين الرومانية”.

منطقة الدفاع عند أصلان مرتبطة بأن الغالبية العظمى من العالم الإسلامي تؤمن بأن الحرب على الإرهاب هي حرب على الإسلام، فرأي أصلان الواضح يقول إن “مرجعيتنا هي الحرب على الإرهاب، لكن على حد علمي إننا لا نقاتل ضد الإيتا، ونحن بالتأكيد لا نقاتل ضد أي تيار انفصالي في إقليم الباسك، لم نطلق حرباً على نمور التاميل الذين هم من القوميين الهنود، إذن هي ليست حرباً على الإرهاب، بل هي حرب على الإرهابيين من المسلمين وأنا أعتقد أنها أصبحت حرباً على الإسلام”.

فالبعض من المسلمين دُفع فجأة إلى موقع غير محظوظ فرض عليه إجابة أسئلة الناس الذين لا يشاركون المسلمين معتقداتهم أو ثقافتهم أو قيمهم أو تقاليدهم أو طريقتهم في الحياة، والآن الجميع مسؤولون عن تصرفاتهم.

أصلان لديه أيضاً وجهة نظر مختلفة حول العالم العربي، أو ماذا يقصد الأميركيون عندما يقولون “العالم العربي”؟ ما الذي يجمعهم سوياً؟ “بالتأكيد هي ليست اللغة، ليس الدين، أعني أن 20 بالمئة من العرب مسيحيون، لكن ما بعد ذلك لدينا السنة، لديك الشيعة، الأحمدية، هناك عدة تقاليد دينية داخل العالم العربي. عند هذه النقطة من الصعب التصور ما الذي يجمع العالم العربي على نقطة واحدة، عدا العداء لإسرائيل”، غالباً تنتهي نقاشات أصلان كما أراد لها، حيث توجد في الأديان بتقديره بعض القيود التي تحول دون وحدة البشر.

14