رضا ضراب.. إيران وأردوغان في مرمى مكافحة الفساد المالي والسياسي

مجلس الأمن يطالب إيران منذ عام 2005 بتعليق كل الأنشطة المتعلقة بالتخصيب، ومُنعت جميع دول العالم من توريد أي مادة تساهم في أنشطة البرنامج النووي الإيراني.
الخميس 2018/05/24
ضراب شاهد إثبات رئيسي

بتهمة خرق العقوبات الأميركية على إيران، أدانت هيئة المفوضين في القضاء الأميركي المصرفي التركي محمد هالكان إتيلا، قبل أيام، وحكمت عليه بالسجن 32 شهرا. وكانت قد اعتقلته بنيويورك في مارس من العام الماضي، ما أثار استنكار الخارجية التركية، التي اعتبرت الأمر “مجرد تمثيلية” تستند على أدلة واهية بخرق العقوبات الأميركية على إيران، بالإضافة إلى تورطه في غسيل أموال وخداع أميركا والاحتيال على البنوك الأميركية.

 وقد تزامنت محاكمة إتيلا مع محاكمة رجل أعمال وتاجر ذهب أذري تركي من أصل إيراني اسمه رضا ضراب في القضية ذاتها، ولكن المحكمة اتخذته شاهدا رئيسيا في محاكمة المصرفي التركي، بعد أن قرر ضراب التعاون مع الادعاء الأميركي، ووافق على أن يكون شاهد إثبات رئيسيا ضد آخرين متورطين في القضية، مدعيا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وافق شخصيا على اتفاقات تسمح بخرق العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران.

 وقال ضراب أمام المحكمة إن أردوغان، حين كان يشغل منصب رئيس الحكومة، سمح بخرق العقوبات التي كانت مفروضة على إيران، وزاد في اتهامه لأردوغان بأنّه تورط في نظام غسل الأموال الإيرانية حول العالم بالمشاركة مع المصرفي إتيلا في الفترة ما بين عامي 2010 و2015 بغية السماح لإيران بدخول الأسواق العالمية وبتجاوز العقوبات المفروضة عليها.

ضراب اعترف بأنه دفع 50 مليون يورو (وفي مكان آخر 59) لوزير الاقتصاد التركي حينذاك ظافر شاغليان، لتسهيل انتقال الأموال، كما أنه سدّد شخصيا 15 بالمئة من العجز في تركيا، بينما تكشف المعطيات، أنه هرّب مليارات الدولارات من عائدات الضرائب في الخزانة التركية، وقام بالتغطية عليها.

 وتأتي هذه المحاكمة في سياق تجديد العقوبات الأميركية على إيران، بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاقية النووية الموقعة سنة 2015 حيث تجري عملية تعرية أوراق إيران والدول التي تعاونت معها في عمليات الخرق لقانون العقوبات.

شبكة فساد واسعة

واشنطن تتخذ من ضراب شاهدا رئيسيا في محاكمة المصرفي التركي بعد أن قرر التعاون مع الادعاء الأميركي، وأن يكون شاهد إثبات رئيسي، مبرهنا على أن أردوغان كان قد وافق شخصيا على اتفاقات تسمح بخرق العقوبات الدولية ضد إيران
واشنطن تتخذ من ضراب شاهدا رئيسيا في محاكمة المصرفي التركي بعد أن قرر التعاون مع الادعاء الأميركي، وأن يكون شاهد إثبات رئيسي

وكما في كلّ صفقات الفساد المالي الكبيرة، التي لا تمرر إلا بتوريط رجالات بارزين من السلطات المعنية، يجري الكشف عن الفساد السياسي والإداري لشخصيات رسمية ومؤسسات قد تكون متورطة في هذه الملفات لصالح السلطات الإيرانية، ومن هنا كان انشغال القضاء الأميركي والتركي كل من جهته، بالنظر في اتهام ضراب الذي ولد في العام 1984 والذي اعتقلته السلطات الأميركية في العام 2016 بتهمة التورط في أنشطة لغسل الأموال الإيرانية والتحايل المصرفي، بينما أمرت النيابة العامة في تركيا مؤخرا بمصادرة ممتلكاته بعد أن أدلى بشهادته في محاكمة نيويورك.

اتهام ضراب لأردوغان بأنه أمر بتيسير هذه الصفقات وتمريرها أدى إلى توتر في العلاقات التركية الأميركية، ومن ثمّ في السياق ذاته، أصدر النائب العام في تركيا مذكرة اعتقال بحق نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية الضابط السابق غراهام فولر تتهمه فيها بالارتباط برجل الدين التركي فتح الله غولن المتهم بالوقوف خلف مؤامرة الانقلاب الفاشلة. وقال مكتب النائب العام التركي، إن ممتلكات ضراب وممتلكات أسرته ستصادر، وذلك حسبما ذكرت وسائل إعلام حكومية ونقلت عن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أنه يأمل في أن “يتراجع ضراب عن خطئه”.

وفي السياق ذاته، زعم ضراب أنه قد تعاون مع إتيلا في عمليات غسل الأموال لإيران، وقال في شهادته أمام المحكمة، إنّ أردوغان والمصرفي المتهم، أسسا نظاما لغسل أموال إيرانية دولية حول العالم في ما بين عامي 2010 و2015 وذلك للسماح لإيران بدخول الأسواق العالمية متجاوزة العقوبات المفروضة عليها، وأضاف ضراب إنّ وزير الاقتصاد التركي هو من أبلغه، بأنّ أردوغان، هو من أعطى توجيهاته لبنوك تركية للمشاركة في نظام غسل الأموال الإيرانية، التي بلغت قيمتها الملايين من الدولارات.

غموض إجرامي

وفي حين نفى إتيلا المعتقل في نيويورك تلك المزاعم، اعتبرت وزارة الخارجية التركية أنّ المحاكمة تستند على أدلة لا مصداقية لها، وخلال جلسة النطق بالحكم التي أقيمت قبل أيام، قضت المحكمة بحبس إتيلا 32 شهرا وهو المتهم الرئيسي في القضية، مع تسعة أشخاص آخرين، واعتبر نائب رئيس الوزراء التركي بكير بوزداغ أنّ ضراب قد “أجبر على توجيه الاتهامات”، ووصف بوزداغ المحاكمة الأميركية بأنها مسرحية. وقد دفع اعتراف ضراب السلطات التركية إلى اعتقال 17 شخصا كجزء من التحقيق المرتبط بالملف.

 محكمة نيويورك اعتبرت أن أقوال ضراب ذات علاقة بالالتفاف التركي على عقوبات أميركية مفروضة على إيران، ورفعت المحكمة

دعوى قضائية فرعية، تتهم فيها تاجر الذهب التركي الإيراني بالاعتداء جنسيا على السجين فوزي جابر (62 عاما) القادم من ساحل العاج، مستغلا ضعفه ومعاناته الصحية، عندما تشاركا في زنزانة واحدة بسجن فيدرالي بمانهاتن بين نوفمبر2016 ومارس من العام الحالي، ما حوّل الزنزانة إلى “غرفة تعذيب” حسب الادّعاء، حيث يشتبه أن الاعتداء على جابر استمرّ حتى تمّ نقل ضراب إلى قسم آخر. بينما اعتبر محاميه التهمة شنيعة وكاذبة ومن مصدر قليل المصداقية، وأنّ الاتهامات “غير مسندة” لعدم وجود أدلة كافية، وأضاف أنّ ضراب حصل على الكحول وجهاز هاتف في السجن برشوة الحراس.

بموجب تلك الصفقات المشبوهة المربحة دفعت إيران المليارت من الدولارات كعائدات هيدروكربونية في القطاع المصرفي الدولي، عبر المصرف التركي الرسمي “خلق بنك”.

ماذا استفادت إيران

الحكم على إتيلا النائب السابق لرئيس بنك "خلق" يتزامن مع الحديث عن تجديد العقوبات الأميركية على إيران
الحكم على إتيلا النائب السابق لرئيس بنك "خلق" يتزامن مع الحديث عن تجديد العقوبات الأميركية على إيران

مجلس الأمن ومنذ العام 2005 يطالب إيران بتعليق كلّ الأنشطة المتعلقة بالتخصيب والماء الثقيل، ولهذا فقد تمّ منع جميع دول العالم من توريد أي مادة تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في أنشطة إيران المتصلة بالبرنامج النووي، وتجميد الأموال والموارد الاقتصادية، التي تمتلكها أو تتحكم فيها الكيانات والأشخاص المرتبطون بالأنشطة النووية.

 وبعد توقيع الاتفاق النووي بدأت عمليات رفع الحظر عن إيران بشكل جزئي وتدريجي، لتعود القوات الإيرانية في سوريا وتجد نفسها بين مطرقة إسرائيل والسندان الأميركي، ولتعمل واشنطن على محاصرة طهران عسكريا واقتصاديا وفي المدى الاستراتيجي، الذي صالت وجالت فيه بارتياح منذ بداية الثورة السورية في مارس من العام 2011.

 العقوبات تمنع إيران من عقد أي صفقة بالدولار، ما حدا بها إلى التحوّل نحو اليورو والعملات المحلية، والمراهنة على تلاقٍ مع الدور الأوروبي الرافض لقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق، ليكون رهانها الأهم والقلق في الآن ذاته، على الدول الأوروبية والصين وكوريا الجنوبية والهند وغيرها، وحتى الآن لا يمكن الحكم على نجاح هذا الرهان.

أما القضاء التركي فقد أعلن مؤخرا عن إغلاق واحد من التحقيقات الثلاثة في ملف الفساد المفتوح منذ ديسمبر من العام الماضي، ضد مقربين من حكومة أردوغان. مؤكدا إسقاط التهم عن 60 مشتبها بهم، من بينهم نجل وزير سابق، وفق ما نقلته الصحافة التركية. ولكن التحقيقات لم تزل جارية، في علاقة ضراب بالملياردير الإيراني بابك زنجاني وقضية تهريب أطنان من الذهب وقضايا أخرى، تتعلق باختلاسات ودفع رشى في أسواق عامة بمنطقة فاتح في إسطنبول، التي تعتبر معقلا للحزب الحاكم، وقضية اشتباه في ضلوع حوالي 30 شخصاَ في القضيتين، من بينهم ابنان لوزيرين سابقين آخرين، وتشير أصابع الاتهام إلى تورط إيران في قضية الذهب للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، بسبب برنامجها النووي، ويذكر أن ضراب كان قد اعتقل في العام 2013 بتهمة فساد في تركيا، حينها كانت لديه علاقات اقتصادية واسعة مع إيران، ومنها شركته “سورينت” التي انتقلت ملكيتها إلى الإيراني زنجاني.

وثائق تركية مزيفة

ولم يجد أردوغان سوى اتهام فتح الله غولن بفبركة هذه التهم بالكامل، ونفذ حملات تطهير واسعة النطاق في سلكي الشرطة والقضاء باعتبارهما مخترقتين من جمعية غول، وهو ما نددت به المعارضة البرلمانية والحزبية واعتبرته خطوة في الطريق لإغلاق الملف. ويشار إلى أنّ الحكومة التركية بعثت بوثيقة “مزيفة” إلى المحكمة الأميركية، التي تنظر في قضية خرق العقوبات الدولية على إيران.

العقوبات تمنع إيران من عقد أي صفقة بالدولار، ما حدا بها إلى التحوّل نحو اليورو والعملات المحلية، والمراهنة على تلاقٍ مع الدور الأوروبي الرافض لقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، ليكون رهانها الأهم والقلق في الآن ذاته، على الدول الأوروبية والصين وكوريا الجنوبية والهند وغيرها

 وقد ترافق إغلاق الملف، مع تسريب معلومات في إيران عن وجود ضغوط كبيرة تمارسها جهات نافذة في الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات لتنظيم محاكمة صورية تمهد للإفراج قريبا عن زنجاني، الذي اعتقله الرئيس حسن روحاني، في محاولة منه لمحاربة الفساد و”الدولة العميقة”. غير أنها، بدأت حاليا تمهد لإطلاق سراحه.

 وكانت محاكمة إتيلا قد شهدت مؤخرا مفاجأة من العيار الثقيل عندما انضمّ الشرطي التركي السابق حسن كوركماز أحد المشرفين على قضية الفساد في تركيا إلى قائمة الشهود، حيث فشلت محاولات محامي إتيلا المعيّنين من قبل تركيا خلال الجلسة الرابعة عشرة من المحاكمة في إسقاط شهادة الشرطي وإخلاء سبيله في قضية كان يحاكم فيها بمساعدة قاضٍ آخر.

 نائب رئيس الوزراء التركي بكير بوزداغ يصف هذه القضية بأنها قضية سياسية وليست قضائية، وبحسب صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، فإن ضراب كان قد اعتقل لضلوعه في قضية فساد، بمقايضة الذهب بالغاز مع إيران، عن طريق تسهيل وزير مقرب من أردوغان، إلا أن الرئيس التركي تدخل في التحقيقات، وتم إبعاد المحققين في القضية، وأسقطت التهم، غير أنها أثارت السلطات الأميركية ودفعتها إلى التحقيق في الوقائع.

يشار إلى أن أردوغان نفسه قد تحدث خلال ديسمبر من العام 2012 في إسطنبول عن رغبته في كسر العقوبات الأميركية على إيران. أردوغان الذي قال القضاء الأميركي إنه حصل على مكالمات هاتفية سجلتها الشرطة التركية له، جاء فيها حديث عن تورطه مع أبنائه في قضايا فساد.

12