رضا مالك الجزائر تخسر صندوقها الأسود وعدو الإسلاميين اللدود

الثلاثاء 2017/11/07
هزيمة الإرهاب تحتاج انتصارا على الخوف أولا

الجزائر- رحل مؤخرا عن عالمنا رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق رضا مالك الذي يعدّ من أبرز الوجوه والشخصيات في البلاد، وواحدا من الذين تركوا بصماتهم في مسارات السياسة، ابتداء من مفاوضات إيفيان بين جبهة التحرير الجزائرية والسلطات الفرنسية حول الاستقلال الوطني، إلى العداء العلني والصريح للإسلام السياسي والجماعات الإرهابية أثناء العشرية الحمراء، ومرورا بأزمة الرهائن الأميركيين لدى إيران في مطلع ثمانينات القرن العشرين.

عرف مالك، لدى جيل الاستقلال، بكونه الناطق باسم وفد جبهة التحرير المفاوض في إيفيان السويسرية العام 1961، حول تفاصيل الاستقلال الوطني مع السلطات الاستعمارية الفرنسية في مطلع ستينات القرن الماضي. ولدى جيل ثمانينات القرن نفسه اشتهر بقيادته لنهاية سعيدة لمفاوضات أزمة الرهائن الأميركيين لدى إيران.

أما لدى جيل العشرية الحمراء فقد عرف بمقولته الشهيرة “على الخوف أن يغيّر مواقعه”. وذلك أثناء تشييع جثمان الفنان والمؤلف عبدالقادر علولة، بمدينة وهران، بعد اغتياله من طرف جماعة إرهابية العام 1995.

ولد مالك في الـ21 من ديسمبر من العام 1931 بباتنة، وكان من أوائل الذين التحقوا بصفوف ثورة نوفمبر، حيث كان عضوا في لجنة إدارة الاتحاد العام للطلبة الجزائريين عام 1955 إلى جانب توليه منصب مدير أسبوعية “المجاهد” لسان حال جبهة التحرير الوطني. وكان يحمل شهادة ليسانس في الآداب والفلسفة من جامعتي الجزائر وباريس.

كان مالك من أبرز أعداء تيار الإسلام السياسي والتطرف والإرهاب، وظل مقتنعا بأفكاره وقناعاته الفكرية والأيديولوجية إلى غاية مغادرته للحياة، ومن أشد المدافعين عن خيار المؤسسة العسكرية للتدخل في مطلع العام 1992 لإلغاء المسار الانتخابي بعد اكتساحه من طرف إسلاميي جبهة الإنقاذ المنحلة.

منع استنساخ النموذج الأفغاني

يعتبر مالك من أشد المناكفين لرموز جبهة الإنقاذ الإسلامية، في مطلع تسعينات القرن العشرين، واتهمهم بتوظيف الدين الإسلامي من أجل الوصول إلى السلطة، وتحقيق الأغراض الضيقة لصالح تيار أيديولوجي معين.

ظل متمسكا بتحذيراته الشديدة من الانسياق وراء الإسلاميين، لأن الجزائر في رأيه كانت ستكون أفغانستان ثانية في المنطقة، وأن الجيش قام بواجباته الوطنية لمّا تدخل في يناير 1992 لإلغاء المسار الانتخابي، وحلّ جبهة الإنقاذ، وحتى نقل الرعب إلى صفوف الإرهابيين، بعدما بثوا الخوف والدموية في صفوف الشعب الجزائري.

إرث رضا مالك السياسي كبير فقد أسس عام 1995 حزب “التحالف الوطني الجمهوري” وترأسه، وأصدر العديد من الكتب من بينها “الرهان الحقيقي رهان العصرنة في الجزائر وفي الإسلام” و”الجزائر في إيفيان” و”تاريخ المفاوضات السرية 1962/1956”.

يشهد الجميع لمالك بشجاعته وجرأته في مواجهة الإسلاميين، والأذرع العسكرية الناشئة، رغم دموية المشهد الجزائري آنذاك، وسيطرة كتائب إسلامية على ما عرف في فترة تسعينات القرن العشرين بـ”المناطق المحررة” ببعض المحافظات الداخلية، التي كانت تحت هيمنة الجماعات المسلحة، واختيار البعض الصمت أو الهجرة إلى خارج البلاد.

عبارته الشهيرة “على الخوف أن يغير مواقعه” قال عنها مالك راوياً إنه “لما تم اغتيال الفنان والمؤلف المسرحي عبدالقادر علولة في وهران، ولم يكن الأول ولا الأخير، ذهبت إلى جنازته، وأخذناه إلى المقبرة، وهناك ألقيت خطابا في ذلك الوقت، بأنه يجب على الرعب أن يغيّر موقعه”. في ذلك الوقت كان الرأي العام خائفا، حسب مالك، الذي يضيف “لا سيما النخبة الإعلامية والجامعية وكل الناس، وكل المجتمع الجزائري كانوا خائفين، لدرجة أن أصبح الجميع يرتعد، ويطلب منا أن نتفاوض مع الإسلاميين والمسلحين، لننتهي من هذا الأمر ونكفّ شرهم”.

يروي كيف أنه كان رئيسا للحكومة آنذاك، حين كان الخوف يعم الجميع، يقول مالك “قلت: على الرعب يجب أن ينتقل ويصبح عند الإرهاب، وليس لدى المجتمع لأن الكفاح أتى بنتيجة وبالكفاح لا بد أن تبقى الجزائر واقفة والجزائر لديها مبادئها، وقامت بثورتها وثورتها مازالت حية، فعن أيّ ثورة يتحدث هؤلاء”.

جبهة الإنقاذ وظفت الدين

كان الشعب الجزائري ضحية مجازر بن طلحة والرايس، قتلوه ونكلوا به، يشرح رئيس الحكومة الأسبق “كنا أمام تحد حقيقي لاستجماع قوى الدولة والشعب والنهوض مجددا في وجه مخطط الدمار، وكان لزاما علينا أن نحارب الإرهاب وليس التفاوض معه، ووصفونا بـ”الاستئصاليين، طبعا نحن استئصاليون للإرهاب، هل نقبّل جباههم وهم يقتلون النساء، ويهلكون البلاد؟. الجزائر حينها تعطلت بسبب الإرهاب، وخسرنا سنوات عديدة للتقدم والتنمية”.

وفي دفاعه المستميت عن قيادة المؤسسة العسكرية التي تدخلت في مطلع تسعينات القرن الماضي لوقف المسار الانتخابي، شدد مالك في حديث صحافي نادر قبل وفاته بالقول “لو لم نقم بما قمنا به، لكانت الجزائر قد أصبحت أفغانستان، ولو لم نقم بذلك لكانت الأمور أسوأ، وحتى وقف المسار الانتخابي لو لم نقف بصرامة ولو دخلنا في مفاوضات مع الإرهاب، لكانت الجزائر شيئا آخر. لأن قادة جبهة الإنقاذ كانوا يريدون السلطة وليس التفاوض”.

يرفض الرجل رفضا قاطعا تحميل المؤسسة العسكرية مرحلة الانزلاق إلى العنف الدموي خلال العشرية الحمراء، أو نتائج المرحلة الدموية، معتبرا الخيار خطوة لمنع الإسلاميين من السلطة، وحتى تدمير المنطقة، قياسا بتأثير ذلك عليها.

يقول عنهم إنهم “كانوا يريدون أخذ الحكم باسم الإسلام، عن أيّ إسلام يتحدثون، نحن مسلمون أكثر منهم، ونحن نعطيهم دروسا في الإسلام، فهذه البلاد قامت بثورة عارمة، ليأتي هؤلاء اليوم؟ ولم ينجحوا لحسن الحظ، لأن البلاد كانت واقفة بفضل الثورة، فهؤلاء الناس أرادوا القيام بثورة إسلامية باسم الدين، فلم ينجحوا لأن الفضل يعود إلى الثورة الجزائرية، وبفضل الوطنيين الذين لعبوا دورا كبيرا في هزيمة الإرهاب”.

مدرسة رئيس الوزراء الأسبق السياسية ترفض رفضا قاطعا تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية ونتائج مرحلة الانزلاق إلى العنف الدموي خلال العشرية الحمراء. فقد كان يعتبر ذلك الخيار خطوة ضرورية لمنع الإسلاميين من السلطة والحيلولة دون استنساخ نموذج أفغاني في البلاد، وحتى تدمير المنطقة

الوجه المشرق للجزائر

كثيرون يعتبرون مالك أحد الفاعلين في صناعة الوجه المشرق للدبلوماسية الجزائرية، خاصة بعدما جنبت الجزائر منطقة الشرق الأوسط، حربا إيرانية أميركية، في أعقاب أزمة الرهائن الذين احتجزتهم طهران في مقر سفارتهم، فرغم حداثة النظام الإيراني آنذاك وعدم وضوح الرؤية في المنطقة، بعد ما سميّ بثورة الخميني والانقلاب على نظام الشاه، إلا أن الجزائر تمكنت من إرساء مسلسل الرهائن على بر آمن.

عن تلك الأزمة روى مالك قائلا “كانت مشكلة كبيرة عندما احتجزت طهران 52 دبلوماسيا أميركيا في مقر سفارتهم، وكنت قد عينت حديثا سفيرا للجزائر في واشنطن، ولما وصلت إلى هناك لتقديم أوراق اعتمادي للرئيس الأميركي جيمي كارتر، قال لي: تستطيع الجزائر مساعدتنا وتتوسط لدى إيران؟ وكنا نحن نفكر في المسألة، إلا أن القضية كانت صعبة، لأن الوضع في إيران معقد، فثورة الخميني في أوجها، والرجل ليس سهلا”.

يضيف مالك “بدأنا عملنا على الأزمة، لكن ليس بصفة مباشرة، لأنه لم يكن لدينا أيّ اتصال بالسفارة الإيرانية في واشنطن، وقد تمّ تجميد الأموال الإيرانية هناك، وبقي فقط القائم بالأعمال الإيراني، فأطلقنا قنوات اتصال معه، وقدمنا له مساعدات، وتكفلنا بعشرات الآلاف من الطلبة الإيرانيين في أميركا، وخلقنا جو صداقة مع الإيرانيين”.

تغيير المفاهيم الأميركية

إن إرساء عامل الثقة هو ما سهل للدبلوماسية الجزائرية العمل لحل مشكلة الرهائن، يشرح مالك “الإيرانيون قالوا لنا، إذا كانت هناك مفاوضات فأنتم الجزائريون من تتفاوضون باسمنا. وهكذا أصبحنا نمثل المصالح الإيرانية في واشنطن، لا سيما بعدما قامت واشنطن بغلق السفارة الإيرانية، وكنا مجبرين على كراء سفارة أخرى باسم إيران طبعا، وأصبحنا نذهب إلى إيران، والتقينا مع عدة مسؤولين إيرانيين، ومعنا وزير الخارجية الراحل محمد الصديق بن يحيى”.

وقبل الوصول إلى المفاوضات جرّب الأميركيون مختلف الوسائل والوسطاء لكنهم فشلوا، واستعملوا الطيران وفشلوا، حيث وضعوا استعمال القوة العسكرية كأحد الخيارات لتحرير الرهائن لكنهم لم يوفّقوا. يضيف مالك “اصطدمت مروحيتان ببعضهما البعض ومات الكثير، حينها دعوت الرئيس الأميركي إلى إيقاف العملية والعودة إلى الحل الدبلوماسي، لنواصل مسلسل الوساطة والمفاوضات إلى أن نجحنا في حل أزمة الرهائن بصفة نزيهة”.

في تلك الأزمة لم تطلب الجزائر شيئا لا من أميركا ولا من إيران، كما يقول مالك. بل إن تدخلها لدى الإيرانيين كان لدواع إنسانية تتعلق بـ52 رهينة. يقول عن ردود الفعل الأميركية “كانوا في غاية السعادة، ونال الوفد الجزائري المفاوض، الكثير من الاهتمام في الإعلام الأميركي والدولي، وبعثوا لنا بطلاّب الجامعات الأميركية لزيارتنا، وتلقينا رسائل الشكر والامتنان، وقامت السفارات الأميركية في العالم كله، بتنظيم حفل، ووجهوا الدعوة لكل سفراء الجزائر في العالم، كما أن أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس وضعوا لوائح يقدمون فيها الشكر للجزائر، وكتبوا عليها بأن الجزائر قامت بواجبها على أحسن ما يرام”.

يضيف مالك “لم يعترف الأميركيون، أول الأمر، بسيادة ودور دولة مثل الجزائر، بعدما شاع عنها لعقود أنها إحدى أذرع الاتحاد السوفييتي في المنطقة، تتكلم وتتصرف وفق ما تمليه عليها سلطات موسكو، فمفاوضات الأربعة الأشهر من أكتوبر حتى يناير من العام 1981، التي أدرناها بنجاح كبير، غيرت الكثير من المفاهيم والأحكام الأميركية تجاه الجزائر”.

جيل العشرية الحمراء يعرف رضا مالك بمقولته الشهيرة “على الخوف أن يغير مواقعه”. وذلك أثناء تشييع جثمان الفنان والمؤلف عبدالقادر علولة، بمدينة وهران، بعد اغتياله من طرف جماعة إرهابية العام 1995.

خسارات لا تعوض

أقيمت لمالك جنازة مهيبة، وتمّ لف جثمانه بالعلم الجزائري، وحضر الجنازة شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد وكبار مسؤولي الدولة. وبرحيله تكون الجزائر قد فقدت إحدى الشخصيات المفتاحية، خاصة وأنه ظل يمثل دور العلبة السوداء، فيما يتعلق بتفاصيل وأسرار مفاوضات إيفيان بين جبهة التحرير الجزائرية والسلطات الاستعمارية الفرنسية، حيث يبقى المؤرخون وجيل الشباب في حاجة ماسة لرواية وأسرار مالك عن مرحلة حساسة من تاريخ البلاد.

وأمام شيوع وجود بنود سرية في الاستقلال الجزائري، والمفاوضات التي جرت ما بين وفد جبهة التحرير وسلطات الإليزيه، بحسب بعض الروايات التي تستند إلى بقاء لوبي موال لفرنسا في مفاصل ومؤسسات الدولة الجزائرية الحديثة، نفى مالك ذلك تماما، وكذّب تلك الروايات التي تريد التشكيك في نزاهة الوفد المفاوض.

قال مالك إن “الحديث عن البنود السرية لا أساس له من الصحة، فتفاوضنا مع فرنسا كان بشفافية تامة، وليس لدينا ما نخفيه، فطيلة المفاوضات لم يقم عضو من وفدنا بمصافحة عضو من الوفد الفرنسي، إلى غاية صدور قرار وقف إطلاق النار، وكنا نتفادى حتى إعطاءهم ولاعة إشعال سيجارة”.

ويضيف “كنا نكتفي بتبادل التحايا عن طريق الإيماءات وتحريك الرؤوس، وخلال (إيفيان الأولى)، كانت مناقشة مسألة الصحراء وقاعدة المرسى الكبير بوهران، أبرز نقاط الخلاف بيننا، واستمرت ثلاثة أسابيع وانتهت بالفشل”.

لقد سادت القطيعة بين الوفدين حينها، من شهر مايو إلى غاية شهر يوليو من العام 1961، لكن مالك يتابع “عاودوا الاتصال بنا، لأجل فتح جولة جديدة من المفاوضات، وكانت النقطة الأساسية، هي وحدة التراب الوطني”.

بعد الاستقلال تولى مالك العديد من المناصب الدبلوماسية والسياسية، فقد تم تعيينه سفيرا للجزائر في العديد من العواصم العالمية كباريس وواشنطن وموسكو ولندن، بعدها تولى حقيبة الإعلام والثقافة ووزيراً في العام 1977. ثم عيّن رئيسا للمجلس الاستشاري الوطني في أبريل من العام 1992 ثم وزيرا للشؤون الخارجية بداية من فبراير عام 1993، ورئيساً للحكومة في العام 1993.

أسس مالك سنة 1995 حزب التحالف الوطني الجمهوري وترأسه، وأصدر العديد من الكتب من بينها “الرهان الحقيقي رهان العصرنة في الجزائر وفي الإسلام” و”الجزائر في إيفيان” و”تاريخ المفاوضات السرية 1962/1956”.

13