رضع يقبعون في السجون الفرنسية بتهم أمهاتهم

سجن بوميت في مرسيليا جنوب فرنسا يستقبل بجناح خاص سجينات وأطفالهن الذين تتراوح أعمارهم بين 15 يوما و13 شهرا، والغاية هي الإبقاء على رابط الأمومة.
الاثنين 2018/04/30
ألم الأمهات حاصل في كل الحالات

مرسيليا(فرنسا)- تحمل ساندرين وميكايلا السجينتان في سجن بوميت بمرسيليا (جنوب فرنسا) طفليهما في باحة النزهات المحاطة بجدران عالية وتنظران إلى السماء الزرقاء وهو المنظر الوحيد المتاح لهما.

وتقول ساندرين “الشمس تفطر قلوبنا.. إذ نقول إن الأطفال سيكونون في حال أفضل في الخارج”. ويستقبل هذا السجن في الجناح المخصص للأمهات مع أطفالهن، خمس سجينات أنجبن قبل فترة قصيرة وامرأة حامل. ويتراوح عمر الأطفال بين 15 يوما و13 شهرا.

في هذا الجناح وبغية تأمين رفاه الأطفال، تفتح أبواب الزنزانات أكثر مقارنة مع بقية أرجاء السجن. ويقول ليونيل روشون المسؤول عن جناح النساء الذي يضم راهنا 180 سجينة “هذا الأمر يلطف الأجواء كثيرا”.

بين الساعة التاسعة والحادية عشرة صباحا، والثانية والخامسة من بعد الظهر يمكن للأمهات التنزه مع أطفالهن في ممر عريض أو الخروج إلى الباحة الصغيرة التي وضع فيها مزلاق، وكذلك الاجتماع في “صالون” يضم مقعدين وبعض الألعاب. المكان نظيف ومعقّم في هذا المبنى الذي دشن قبل سنة.

السجن يستقبل في الجناح المخصص للأمهات مع أطفالهن، خمس سجينات أنجبن قبل فترة قصيرة وامرأة حامل. ويتراوح عمر الأطفال بين 15 يوما و13 شهرا

في المطبخ المشترك، تثبت الإيطالية ميكايلا ابنتها جوليا البالغة ستة أشهر في حضنها وهي تحضر لها حساء تقول إنه “أفضل من الأطعمة الجاهزة” ومن ثم تنضم إلى صديقاتها من السجينات.

لا يلتقي الأطفال بأي سجينات أخريات غير أمهاتهم. وعندما يتم نقلهم بسبب لقاء مع أقارب أو زيارة طبية تشل الحركة في السجن. تقول ساندرين البالغة 36 عاما والمسجونة مع طفلها البالغ عشرة أشهر “وضعنا لا بأس به هنا، ينبغي قول الحقيقة”.

تحرص المرأة الشابة الشقراء على ترتيب زنزانتها البالغة مساحتها 16 مترا مربعا، فعلى الرفوف تضع ملابس الطفل الداخلية والحفاظات والحليب المجفف وغيرها من الحاجيات. الملابس والألعاب تأتي عن طريق تبرعات، أما الباقي فمدفوع من قبل السجن.

ساندرين هي الوحيدة التي لم تلد طفلها تيو وهي سجينة، فقد طلبت أن ينضم إليها بعدما دخلت وراء القضبان، وهو حق تستفيد منه الأمهات اللواتي يقل عمر أطفالهن عن 18 شهرا في فرنسا.

وتقول مستذكرة، “أتت الشرطة إلى منزلي في الصباح في شهر فبراير الماضي واقتادوني.. لم أتمكن من وداع ابني”. وقبل ثلاث سنوات حكم عليها بالسجن 18 شهرا مع النفاذ و18 شهرا مع وقف التنفيذ. وبقي تيو مع والده إلا أنه راح يتقيأ وينهار بالبكاء على مدى أسبوعين. وتروي فلورانس دوبروبر مديرة “روليه أنفان-باران” وهي جمعية تساعد على إبقاء الروابط بين السجناء وعائلاتهم، “كان ملفتا كيف تحولت هذه الصدمة النفسية إلى أعراض جسدية وقد استعصى الأمر على الوالد”.

ومنذ اجتمع تيو بوالدته مجددا تحسن وضعه “لكنه يخاف من الأبواب فهذا ليس عالمه وأحيانا تصرخ الحارسات عمدا عند فتح باب الزنزانة بعد الظهر، فينتفض لأنه يكون في قيلولة” كما تؤكد والدته.

ويمضي تيو بانتظام بعض الليالي مع والده. وهو سينضم قريبا إلى دار حضانة في الحي الذي يحتفظ ببعض الأمكنة لأطفال السجن. وخلال غياب الأطفال، يتاح بعض الوقت للأمهات للانخراط في نشاط ما في السجن. فهن لا يقدرن على ترك أطفالهن في عهدة أي شخص ليتابعن دروسا أو العمل في السجن، لذا فإن الأمهات السجينات نادرا ما يحصلن على تخفيف لعقوبتهن لهذا السبب.

تقول ميكايلا وهي تدخن سيجارة في الباحة “هذا ظلم”. وتغرورق عيناها بالدموع عندما تعرب عن “شعور عارم بالذنب”. وتؤكد، “أنا أتألم لحالة ابنتي لأنني فرضت عليها هذا الأمر، لكن الأثر الأسوأ هو على شقيقها البالغ 12 عاما. جوليا تراه كل 15 يوما في ردهة الاستقبال إلا أنها تخاف منه”.

بين الساعة التاسعة والحادية عشرة صباحا، والثانية والخامسة من بعد الظهر يمكن للأمهات التنزه مع أطفالهن في ممر عريض أو الخروج إلى الباحة الصغيرة التي وضع فيها مزلاق

ابنتها التي لا ترى سوى النساء في حياتها اليومية تبكي عندما تسمع صوت ليونيل روشون وهو من الرجال القلائل الذين هم على اتصال مع السجينات. ويقول، “مهمتي صعبة إذ علي أن أسهر على أمن الأطفال وسلامتهم، لكن عندما تغلق الأبواب، لا أعرف ما يحصل داخل الزنزانة”.

وقبل فترة قصيرة سحب طفل رضيع من سجينة عنيفة. ويوضح روشون، “لقد وضعناه في كنف عائلة، لكنه كان يعاني من صدمة من جراء والدته ولا يصدر أي صوت”. وترى فلورانس دوبربر، أنه “لا حل مثاليا للأطفال الرضع، لكن في غالبية الأحيان يبقى الأهم الإبقاء على الرابط بين الأم السجينة والطفل”.

وتضيف قائلة، “فالسجن دون أطفالهن يشكل بالنسبة للكثير من الأمهات انسلاخا وألما جسديا”. وتؤكد، “عندما يبدأ الأطفال بالكلام والمشي والطرق على الأبواب يصبح الأمر أصعب، وتسعى الأمهات إلى إخراجهم منه”.

ميكايلا لا تبتعد عن صغيرتها جوليا أبدا، لكن عندما يحل المساء تشعر بضيق، لأنها تكون محتجزة بمفردها في الزنزانة مع طفلتها حتى الساعة التاسعة صباحا. وتوضح، “نشعر بالذعر عندما تبدأ الحرارة بالارتفاع لأنه من المستحيل استقدام طبيب إلى هنا”.

في إحدى الزوايا تشعر رومانية شابة بالإحباط وقد ضمّت طفلها إلى صدرها. وهي تفكر في خروج طفلها بعد أشهر قليلة وتقول، “أفضل الموت على أن أبقى في السجن بعيدة عن ابني”.

20