رضوان السيد: الجمهوريات الخالدة سقطت والإخوان لن يحكموا

السبت 2013/10/05
ظواهر التطرف الأصولي والعنف الجهادي شوهت سمعة الإسلام

بخلفية تفسيرية من العلوم الاجتماعية ومن التحليل السوسيوسياسي، وبخلفية حضارية إسلامية، يحلل الدكتور والمفكر اللبناني رضوان السيد، مستعملا منهجه الاستيعابي التراكمي في حوار خص به جريدة (العرب) عن مختلف التحولات التي عرفها العالم العربي، ومناقشة الخطاب الإسلامي في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

بدأت بسؤال حول طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين وهل ستؤثر في تدبير مرحلة الانتقال الديمقراطي وتحديد ملامح هوية دول الربيع العربي؟ فأجاب الدكتور أن "مجمل الحراك الفكري الموجود على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي، يرتبط بشكل كبير جدا بطبيعة المفاهيم السائدة، فما يُسمى أحيانا بالعلمانيين ليسوا صنفا واحدا أيضا، فهم يضمون خليطا من الليبراليين والقوميين، من اليسار واليمين من حيث العلاقة بالملف الاقتصادي، ومن العلمانيين الرادكاليين والعلمانيين المتصالحين مع الدين.

ومن جهة أخرى، تحتل القوى الليبرالية-العلمانية موقعا بالغ التأثير في صفوف النخبة، وموقعا أصغر بكثير بين عموم الناس، كما أنه من الصعب وضع الإسلاميين جميعا في كفة واحدة، وثَمة حاجة ملحة إلى الحوار بين المعسكرين: الإسلامي والليبرالي-العلماني، وحاجة أكثر إلى بناء جسور الثقة وتعزيز مناخ الاطمئنان، فلدى الليبراليين-العلمانيين شعور عميق بأنهم، وهم فقط، حراس الحداثة، وأنهم، وهم فقط، مَن يستطيع إدارة شؤون الدولة الحديثة، ولديهم أيضا خوف متزايد من التهميش والعزل، الذي يستبطنه صعود الإسلاميين إلى الحكم بقوة الرافعة الشعبية. لذا، ففي المراحل المبكرة من عملية الانتقال والتغيير، ستكون حدة الصراع بين الطرفين عالية، وتكاليف الصراع باهظة نسبيّا، وشيئا فشيئا، ستفرض حقائق توازنات القوة نفسها، من جهة، ويصبح الإسلاميون أكثر تجربة ووعيا وقدرة على بناء علاقات أكثر صحية، من جهة أخرى. ولكن، وكما أشرت سابقا، لا يجب أن يغفل أحد عن حقيقة أن هذا الانقسام يمثل العقبة الأكبر في طريق بناء إجماع تقام على أساسه دولة حرة وأكثر عدلا، ودون هذا الإجماع سيصعب بناء استقرار جديد والتفرغ لمواجهة تحديات التنمية والرفاهية.


كره الإخوان للدولة


عن بروز صراع حاد على دولة (المفهوم) ما بعد الثورات العربية، ما مدى قدرة الفاعل الإسلامي، الذي صعد إلى الحكم، على استيعاب تحديات بناء دولة عربية حديثة وديمقراطية، رد بأن "الإسلاميين حُرموا طويلا من احتلال مواقع مؤثرة في مؤسسة الدولة، ولديهم ما هو بين خوف، وشك، وكراهية للدولة ودوائرها المختلفة، كما سيطرت عليهم لفترة طويلة فكرة "أسلمة" هذه الدولة، دون أن يدركوا الاختلافات الجوهرية بين الدولة الحديثة ونموذج الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية. نحن إذن أمام توجهات متدافعة من حيث علاقة الإسلاميين بالدولة، وما يفاقم من هذا التدافع أن تَسلُّم الإسلاميين مقاليد الحكم يتم في ظرف انتقالي قلق.


تراجع التأثير الغربي


وفي ردّه على سؤال حول مدى تأثير الثورة في خلخلة المرتكزات الجوهرية التي قام عليها النظام الدولي في أبعاده المحلية والإقليمية؟ وما حدود تأثير الفاعل الدولي في مسار الثورة، فكانت الإجابة على شقّين، على حد قوله، مبتدئا بالشق الثاني من السؤال؛ "فالمسألة التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار في قراءة علاقة المشرق العربي-الإسلامي بالغرب أن هناك تغييرا في أولويات الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى تراجع أهمية المشرق العربي-الإسلامي لصالح اهتمام أكبر بحوض "الباسيفيك".

كاتب ومفكر لبناني، حصل على الإجازة العالية من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر ، وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن بألمانيا الاتحادية، شغل منصب رئيس تحرير مجلة الاجتهاد الفصلية. له العديد من المؤلفات والترجمات في مجال الإسلام السياسي، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة ومفاهيم الجماعات في الإسلام والإسلام المعاصر والجماعة والمجتمع والدولة وسياسات الإسلام المعاصر.

هذا التغيير في الأولويات بدأ منذ الولاية الأولى لأوباما، وليس هنا مجال لشرح أسبابه. الولايات المتحدة هي القوة الرئيسة في العالم وفي الكتلة الغربية، ولا تستطيع القوى الأوروبية تعهد مسؤوليات كبيرة ومباشرة في العالم دون مشاركة أميركية، ولابد أن ينظر إلى التدخل الأوروأميركي في ليبيا باعتباره استثناء وهامشيّا. إن انتقال الأولوية الأميركية لحوض "الباسيفيك" هو ما سمح بانتصار الثورات العربية في تونس ومصر، وأعطى دول الخليج الدور الرئيس في اليمن، ويجعل احتمال التدخل الغربي المباشر في سوريا احتمالا مستبعدا، إن لم يكن مستحيلا.

ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن التأثير الغربي في شؤون بلادنا تراجع بصورة ملموسة؛ لم يتوقف نهائيّا، ولكنه تراجع. وهذه في نظري فرصة تاريخية لشعوب المنطقة، لتدبير شؤونها دون العبث الخارجي المعهود".

وأضاف "أما فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال؛ فالحال بالنسبة إلى الثورات العربية المعاصرة أكثر تعقيدا بكثير منها في حالة الثورات الأوروبية الحديثة منها والمعاصرة. فهي تقوم في ظل ضغوط غربية قوية جدا تؤثر بشكل كبير في مسار الثورة، كما أنها تقوم في ظل انقسام أو استقطاب داخلي لم يحل بعد بين دعاة الحداثة (أو التغريب) وبين دعاة التقليد (أو الاعتماد على التراث).

لذلك يصبح امتلاك نموذج تفسيري من منظور العلوم الاجتماعية لكافة العوامل المؤثرة والفاعلة فيها بعيد المنال، خاصة في ظل تأخرنا الحالي في التحول إلى المرحلة العلمية، وفي ظل أنه لا يمكن فهم الظواهر الاجتماعية إلا في إطار سياقها الاجتماعي والثقافي، وهو هنا الإطار الحضاري العربي الإسلامي، وفي ظل أزمة العلوم الاجتماعية.

ولكن، من وجهة نظري، المدخل الصحيح الذي يجب البناء عليه: هو البدء من التوصيف الصحيح للواقع. والواقع هو شيء أكثر من ثورة (أو ثورات). التوصيف الصحيح له هو دخول اللاوعي المجتمعي العربي (بما يحمله من نظرة متميزة إلى العالم) كفاعل أساسي وقوة جديدة مؤثرة في التغيرات المجتمعية، ليس فقط من خلال الثورة الشاملة على المدى القصير، وإنما أيضا من خلال استمرار الضغوط المجتمعية على المدى الطويل.

وهذا التحول الجذري في معادلة القوى المجتمعية من شأنه أن يفرض تغيرات معينة سياسية واقتصادية واجتماعية، بل وفكرية أيضا كما سبق أن ذكرت.

وهذه القوة الجديدة لا يصح وصفها "بالإسلامية" لأن ذلك يعني بشكل غير مباشر ترجيح أو سيادة التقليد على الحداثة، وهو أمر غير صحيح. ولكن هذه القوة تعبر على مستوى اللاوعي عن نوع من الإبداع الجديد القادر على تخطي التقليد والحداثة معا في تعبير عن الذات المعاصرة.


مشكلة فهم الإسلام


عن قيمة (الإسلام) لا كنص فقط، بل كـ (منهج) للحياة يتسم بالتوازن والتكامل كيف يمكن تصدير هذا الفهم نحو الغرب الذي يملك فلسفة وضعية أكثر عقلانية وعلمية وتجريبية"، تحدّث رضوان السيّد مبينا أن الإسلام يعاني في الحقبة الراهنة من "مشكلة فهم" تكاد تكون عالمية وشاملة. كونها عالمية يرجع إلى سوء السمعة الناجم عن بروز ظواهر التطرف الأصولي والعنف الجهادي من قبل حركات سياسية تحمل وصف الإسلام، كما يرجع إلى سوء تأويل من قبل التيارات العنصرية في الوعي الغربي، والمتخلفة عن نزعة التمركز الأوروبي حول الذات، لتلك الظواهر عندما تذهب مذهبا رجعيا محافظا هي الأخرى معتبرة هذه الظواهر جوهرية في "المعتقد الإسلامي" لا ظواهر تاريخية يفرزها المسار العام للتطور السياسي والحضاري لدى "المسلمين".

أما كونها "شاملة" يمكن تفسيره بأمرين: الأول هو إهمال النزعة التاريخية التي يجب أن تسم كل نص يدعي لنفسه الشمول والخلود، ما يستلزم دوما إعادة القراءة والتأويل، ثم تأويل التأويل بقصد بسط مشروعية النص على حوائط الزمن، وفتح أفقه على حركة التاريخ.

أما الثاني فهو اقتصارهم على الفهم الذاتي، أي الداخلي للنص، وعبر مقولاته التكوينية على المستويات البنائية الثلاثة الأساسية: العقائد والعبادات والمعاملات، ولكن دون فهم تلك السياقات النصية التي تدعي، مثله، الشمول والكلية، وتحديدا الأديان السماوية (التوحيدية) السابقة عليه والمجذرة له، والمعتقدات الدينية الأرضية، والفلسفات النسقية ذات الطابع الرؤيوي، التي تصوغ جميعها، أو تدّعي قدرتها على صياغة رؤى متمايزة للوجود، برغم أن تلك القراءة (الخارجية) وحدها هي التي تكشف لنا عن قيمة (الإسلام) لا كنص فقط، بل كـ (منهج) للحياة يتسم بالتوازن والتكامل، وكبنية اعتقادية توافر لها ربما أكثر من أي دين أو فلسفة سابقين، القدرة على التوفيق بين حاجات الإيمان الروحي، وصيرورة ارتقاء العقل البشري.

وبينما يمكن الإدعاء بأن المعتقد المسيحي، وربما البوذي هو الأكثر روحانية ومثالية وزهدوية مع إهمال العنصر المادي/ الطبيعي/ الدنيوي.

وبأن الفلسفة الوضعية الغربية هي الأكثر عقلانية وعلمية وتجريبية، مع إهمال العنصر الروحي/ الإيماني/ الغيبي، يمكننا الإدعاء في المقابل بأن الإسلام هو أكثر نظم الاعتقاد الديني معقولية، وأعمق نظم التفكير العقلاني إيمانية، وربما كان ذلك البعد الجدلي هو سر عبقريته، ومصدر ادعائه (العميق والصحيح) بالشمول والكلية.

لكن بعض الحركات الإصلاحية استطاعت أن تنتج مشروعها السياسي وتؤسس دولتها، لكنها لم تستطع الاستمرار في بعض الأقطار، في حين لم يكن لبعض الحركات الإصلاحية أي دور في بناء المشروع السياسي و بناء هوية الدولة الوطنية، ما هو تفسيركم لهذا التمايز في طبيعة هذه الحركات؟ وما السبب الذي دفع بهذه الحركات إلى الفشل في تحصين مشروعها السياسي؟

"الفكر الإصلاحي -كما أسلفنا- هو أحد الروافد الأساسية التي تغذت عليها الحركية الإسلامية المعاصرة فكريا، وبينهما رابطة استمرارية بأبعاد مجتمعية ومعرفية، ثم إنهما تعاملا مع ظروف اتحدت في النوع وإن اختلفت في درجة حدتها. الإشكالية في التنظير الذي حاولته الحركات الإسلامية لموضوعات سبقتها إليها رموز الإصلاح النهضوي، أنها تعاملت فيه مع ذات المفاهيم الكبرى، والنماذج التفسيرية والتحليلية، بل وبذات مستوى التجاوب مع تحديات موضوعية ماثلة وموجّهة".

وتابع "فإذا كان الفكر الإصلاحي مثلا قد ركز على بناء الدولة على أسس الشورى وإرادة الأمة في مسألة السلطة السياسية، ووحدة الأقطار المسلمة في الوجهة الخارجية للدولة، فإن الفكر الحركي الإسلامي متأثرا بذات الاتجاه مضى يؤصل لمفاهيم الحكم الإسلامي وعناصر قوة الدولة ومقوماتها التي تجعل منها أداة فاعلة في تسيير شؤون المجتمع، والتعبير عن إرادة الأمة وغيرها من قضايا الاجتماع السياسي، غافلا عن أنه يتعامل مع كيان مغاير تماما لمفهوم الدولة التاريخي الذي كان الفكر الإصلاحي معنيا باستبقائه والمحافظة عليه وعلاجه من الآفات التي أضعفت الكيان الإسلامي وجعلته عرضة للاحتلال والتجزئة، الدولة الحديثة التي واجهتها الحركات الإسلامية كواقع قائم ينبغي التعامل معه هي دولة مأزومة باعتبارها دولة تجزئة، وفاقدة بالتالي لمقومات النجاح في المهمات التاريخية للدولة من حفظ بيضة الأمة والدفاع عنها ورعاية الاجتماع الإسلامي وفق مقاصده الشرعية وغاياته الحضارية".

المشكلة الأخرى التي تمخضت عن هذا الاتجاه هو المبالغة في تقدير أهمية "النظرية السياسية" بمرجعيتها الإسلامية في إصلاح هذه الدولة الحديثة، وحسب الدكتور رضوان هي مشكلة في مستويين:

أولهما إغفال طبيعة التجربة التاريخية لمجتمعاتنا، والتي كانت الأهمية الحاسمة فيها للأمة كثابت إستراتيجي لا للدولة كمتغير.

وثانيهما الاعتقاد بأن الإصلاح السياسي هو المدخل اللازم للإصلاح الشامل، في تجاوز هذه المرة ليس للخبرة الحضارية في بناء الأمة و تطورها واستمرارها فحسب، بل لتراث الفكر الإصلاحي النهضوي نفسه، الذي اعتبر الإطار السياسي (الجامعة الإسلامية) مجالا لتنزيل قيم الدين ومقاصده الكلية وأحكامه التي ينبغي استعادتها بالإصلاح الديني والتعليمي التربوي والفكري.


الحركات الإسلامية


مع أن بعض الحركات الإسلامية باشرت مراجعات جذرية في النظرة إلى الدولة والمجتمع وتخلت عن أدبيات كانت تعدها أصولها الفكرية، مثل سيد قطب،غير أنها في عملية بنائها لأدبياتها الجديدة وخطابها الجديد، وجدت نفسها تعيد إنتاج أفكار سبق وأن دعا إليها بعض رموز الإصلاح. في نظركم هل هذا يعني مصالحة مع الفكر الإصلاحي أم يفسر القطيعة بين الحركة الإسلامية وبين الحركات الإصلاحية؟ على هذا التساؤل أجاب الدكتور قائلا: "بداية، ينبغي أن يكون راسخا في وعي الدارس لمجمل حركة النهوض والإصلاح التي عرفها عالم المسلمين في العصر الحديث، أن مختلف المدارس والتجارب الفكرية التي أسست هذه الحركة وساهمت فيها، كانت بمثابة "المشاريع المجهضة"، حيث تضافرت العوامل الخارجية التي ترى في تلك الدعوات نقيضا موضوعيا يتوجب عليها محاربته، مع عوامل القصور الذاتي في قدرة مجتمعات المسلمين على الاستيعاب الواعي والتفاعل الإيجابي مع دعوات الإصلاح وتجارب النهوض المعاصرة".

الإسلام يعاني في الحقبة الراهنة من "مشكلة فهم"

وحسب رضوان "يمثل هذا الأمر -إلى جانب عوامل أخرى- تفسيرا لما تنجلي عنه الحالة الراهنة لواقع مجتمعات المسلمين من حضور ملح لذات الأسئلة والقضايا الكبرى التي لأجلها كانت تلك الدعوات الإصلاحية من قبيل سؤال وحدة الأمة، وسؤال النهوض الحضاري، وسؤال تحرر الإرادة الجماعية الفاعلة لمجتمعات المسلمين..، وهو ما يوضح حجم القصور في الإفادة من فكر الإصلاح النهضوي، ويطرح إشكالات متعددة حول امتداداته الحركية الإسلامية وفعاليتها في الإجابة عن تلك الأسئلة الكبرى".

أرى أن أهم جوانب الأهمية التي يكتسيها استدعاء تجارب الإصلاح والنهوض اليوم هو الإفادة من "منطق الاستجابة" الذي تعاملت به مع تحديات واقعها، وهي تحديات مشتركة مع واقعنا إلى حد بعيد".

الأمر الآخر الذي يرفع من مستوى أهمية الفكرة الإصلاحية عموما، وخاصة الفكرة الشاملة التي تستطيع التعامل مع مشكلات الواقع برؤية نسقية ومستوعبة، هو اللحظة الراهنة من تاريخ الأمة، والتي بقدر ما تحمل من بشائر الأمل فإنها تطرح من الأسئلة المعقدة، فالواقع اليوم يسائل بمعطياته وتداعياته العقل المسلم ونخبه المتصلة بواقع مجتمعاتها برابطة الولاء والانتماء أكثر مما يقدم أجوبة عن مشكلاتها وأزماتها، ومن هنا الحاجة الماسة إلى عقل استشرافي يشتغل وفق رؤية إستراتيجية كلية لمعطيات الواقع وإمكانات المستقبل، وهذا العقل لابد فيه من امتداد التجربة التاريخية التي هي خلاصة مسارات الواقع ومآلاته، ولاشك أن الإصلاحية الإسلامية الحديثة كانت عنصرا أساسيا من عناصر هذه التجربة.

إذا جاز لنا أن نستدعي أهم مضمون من مضامين المشروع الإصلاحي للأفغاني الذي توفي في السنوات الأخيرة من القرن 19 (1897) وهو يحاول إرساء قواعده، فهو أن الرجل قد أسهم في إعادة بث روح "الإسلام المقاوم" في الحياة العامة، أي إحياء المعاني التحررية للإسلام في واقع كانت الأقطار المسلمة كلها أو جلها تعرف فيه حالة حصار أو احتلال أجنبي مباشر أو غير مباشر، ومن ثمة دعوته إلى الوحدة بينها في إطار "الجامعة الإسلامية" كوجه آخر لتدعيم مقوماتها الذاتية للتحرر.

لكن المشكلة التي واجهها هو ومن جاء بعده (ومن بينهم عبد الرحمن الكواكبي) هي حالة الاستعصاء التي قابل بها الواقع العربي والمسلم هذه الدعوات، خاصة حين تجلت ثنائية (الإطار التاريخي-الدولة الحديثة) وتحولت إلى حالة تقاطب فكرية وسياسية حادة وعامة.

لقد كرس الكواكبي حياته لمحاربة الاستبداد كتجل لواقع التخلف في تدبير الشأن العام، الذي أفرزته سيطرة أطراف متعددة على واقع المجتمع والدولة في المشرق، لكنه في المقابل واجه أزمة "الدولة الحديثة" بنوع من الحيرة التي حاول التعامل معها بالتوفيق بين المفاهيم الأصيلة والحديثة في تدبير سياساتها، فنجده في كتابه "طبائع الاستبداد" الذي يعد معلم مشروعه الفكري الإصلاحي، وبعد أن تجاوز مرحلة "أم القرى" يتحدث مثلا عن "الشورى الدستورية" و"الاتحاد الوطني"….

إذا نظرنا إلى تطور هذه الأفكار في السياق التاريخي، يبدو الأمر فعلا كما لو أننا لا نزال نعيش مرحلة تحرر وطني تستلهم قيم "الإسلام المقاوم" للتدخل الأجنبي وتقييد الإرادة الذاتية للأمة وحراسة تخلفها وتجزئتها، وبالتالي فإن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية أو إعادة بناء النظام السياسي للدولة المسلمة الحديثة على أسس العدالة والحرية والشورى… كلها أفكار لازالت تحظى بالراهنية في واقع مجتمعاتنا المسلمة إلى اليوم.


الفهم "النصي" الجامد


حول مواجهة الفهم "النصي" الجامد الذي يعانيه الإسلام من قبل علمائه ومفكريه أنفسهم، يشير رضوان السيّد إلى أن الفهم النصي بمنظور الحركات الإسلامية من جانب ضعف قدراتها على التنظير، وضمور طاقاتها الإبداعية في مجالات الفكر والاجتهاد، والذي أدى إلى تبلور مقولات "ما بعد الإسلاموية" أو ما بعد الحركات الإسلامية، يعبر عن واقع تعرفه هذه الحركات.

لكنه في تقديري ليس خاصا بها فهو تجل من تجليات نهاية "المقولات الكبرى" في مجال التغيير المجتمعي والحضاري، التي تعرفها أكثر المدارس الاجتماعية والسياسية الراهنة، لكنه من جهة ثانية يرتبط بعلاقة الحركات الإسلامية بواقع يتحرك باستمرار، وقدراتها على قراءته بدأب والتعامل معه بمرونة ودقة.

أرى أنه إن كان لنا أن نتحدث عن فكرة إصلاحية جديدة، وفهم جديد للنص الأسلامي تتجاوز النظرة الذاتية، فإنه ينبغي أن ننطلق من "تفاكر" عميق ونقاش شامل ومستوعب لما يمكن أن نسميه مصادر "الإصلاحية الشاملة" في عصرنا، وليس لذلك علاقة بإعادة النظر في المرجعية العامة بل بمصادر التلقي في منظومة التفكير، والروافد المغذية لهذه المنظومة، ومن ثم علاقتها بمعطيات الواقع، والقراءات المتعددة له بما فيها تلك المخالفة. بما يتيح إنتاج أقرب صورة ممكنة عن الواقع وإشكالاته وقضاياه، وليس صورة هي محصلة قراءة خاصة له.


نموذج الدولة


ماهو نموذج الدولة البديل فيما بعد الربيع العربي، وماهي القيم التي لابد أن يحملها هذا النموذج حتى يتناسب مع مرحلة ما بعد الربيع، والآليات التي يمكن من خلالها ترويض الدولة، وتقييد سلطتها، وتفكيك استبدادها؟

عن هذا التساؤل يقول المفكر اللبناني: كما أرى، هناك نوع جديد من الثورات، لأن القيادة هنا هي لاوعي المجتمع. وهي أقرب شبها بالثورة المفاجئة "اللاواعية" للشخص نتيجة لحدوث شيء بسيط ولكنه فجر العواطف المكبوتة في اللاوعي.

والاختلاف هنا واضح بين الحالات (تونس، مصر وقريبا سوريا) التي هي "أيديولوجية" بطبيعتها (بما في ذلك الثورة الإيرانية لأنها اعتمدت على طبقة رجال الدين وأيديولوجية ولاية الفقيه) وبين الحالة العربية. فالثورة المرتكزة على الأيديولوجية تعكس الفكر الغربي "العقلاني" الواعي والذي يجب أن يتبلور أولا في فكرة أيديولوجية (قومية، طبقية، اقتصادية، الخ) ثم بعد ذلك في الحامل الاجتماعي لهذه الفكرة (جيش نظامي، تكتل نخبوي، طبقة اجتماعية، الخ).

وذلك على خلاف الحالة العربية التي لم ترتكز على فكر أيديولوجي وبالتالي لم تعتمد على حامل اجتماعي لهذا الفكر. وبهذا المعنى تكون قد تجاوزت المفاهيم التقليدية الغربية الخاصة بالثورات.

ويضيف "يجب أن نتجنب هنا "الحتمية التاريخية" فليست هناك حتمية في أن تنتج هذه الثورات شيئا معينا. وإنما هناك واجب على النخبة المثقفة في إدراك مغزى التحرك المجتمعي الكلي غير المؤدلج وغير المنظر من أجل الارتكاز عليه لإنجاز ما نأمله من دخول مرحلة جديدة من مراحل النهضة العربية.

فهذه الثورات تعطينا فقط الشروط أو الأرضية المناسبة التي تسمح لنا بتحقيق أهدافنا. ولكن دون الاستعداد لبذل جهد كبير والوعي بأهمية هذه المرحلة الجديدة من قبل المثقفين لن نصل إلى شيء، فكما يقول الأميركيون "ليس هناك غذاء مجاني".

المطلوب هو البناء، الانتقال من مرحلة نقد الذات ونقد الآخر إلى بناء تصورات موضوعية جديدة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية التجريبية تعبر عن مشاركتنا الفاعلة في الفكر الإنساني المعاصر. لذلك لا يجوز أن نطرح فكرا عربيا منقطعا ومستقلا عن الفكر الإنساني، وإنما يجب أن نطرحه في حالة تفاعل مع الأدبيات العالمية. ليس هناك فكر عربي أو إسلامي وفقط، وإنما هناك فكر إنساني يهم الإنسانية جمعاء يتم بواسطة عرب أو مسلمين. هذا هو التحدي الكبير الذي تطرحه علينا كمثقفين هذه الثورات الرائعة".

6