رضوى عاشور كاتبة تشبعت بالأفكار التحررية واستلهمت مآسي التاريخ

الثلاثاء 2014/12/02
رضوى عاشور وزوجها الشاعر مريد البرغوثي وبينهما الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي

كاتبة في محراب


محمد مستجاب



كاتب من مصر


تضعنا رضوى عاشور في قلب الأدب النسائي والرواية التاريخية، وهي من محبي التاريخ وإعادة تركيبه أدبا في وقتنا الحاضر، إضافة إلى أنها تعتبر بالنسبة إليّ امتدادا للأستاذة لطيفة الزيات، هي لم تلعب على الجنس مثل معظم النساء الكاتبات، ولم تتعامل بلغة الجسد أو الذات في كتاباتها.

أما عن تدريسها فهي تعتبر رمزا لكثيرات من كاتبات جيلي، ولا ننسى أنها لم تكن تطنطن بنفسها وأدبها في كل مكان كما يحدث الآن، هي تكتب فقط في محرابها، وتعيش بالتالي علاقتها بزوجها وابنها.


عزائي لتميم



عادل النقاطي



كاتب وناقد من تونس


رحيل أديبة وناقدة أضافت إلى المدونة العربية العديد من الإبداعات لعل أهمها ثلاثية غرناطة الروائية ومجموعات قصصية والسيرة الذاتية التي عنونتها بـ”الرحلة”: و” أيام طالبة مصرية في أميركا”، مع عديد الدراسات النقدية مما أهلها للحصول على عديد الجوائز آخرها جائزة سلطان العويس للرواية والقصة من الإمارات 2012. وهكذا تخلو الساحة رويدا رويدا من العظماء وإن تخلدت أعمالهم. رحم الله أم تميم البرغوثي الشاعر الذي ملأ الدنيا الآن وشغل الناس.


سرد حداثي



عزة رشاد



كاتبة من مصر


رضوى روائية كبيرة جدلت هموم البشر بهموم الوطن الاثنين مع صفحات من تاريخه تسائل فيها الحاضر وتومئ للمستقبل، رضوى أستاذة كبيرة للأدب يذكرها تلاميذها كقيمة علمية وأدبية استثنائية. كتبت رواية سياسية واجتماعية ورواية تاريخية اجتماعية بسرد حداثي بلغ ذروة حداثته في أطياف.

لاشك أن الطنطورية هي رواية لكنها أيضا عمل نضالي يتفوّق على الأسلحة والحروب كما على المفاوضات التي تطمس التاريخ وتفرض بقاء الأقوى على الأرض المغتصبة.

رضوى تشبعت بالرفض للقهر والاستبداد، والرفض أيضا للصهيونية والعنصرية، وكمبدعة: من القليلات اللائي لم يركضن وراء موضات الكتابة التي تفصل الذات عن محيطها الاجتماعي، لم تضع كسر التابوهات أو كتابة الجسد كهدف أساسي، فقد حددت هدفها بقضايا بلادها.

رضوى عاشور ظلت من خلال كتاباتها شعلة حياة وصمود


رأيتها في مكتبتي



محمد حامد



كاتب من مصر


رضوى عاشور لم تمت. لقد رأيتها في مكتبتي صباح اليوم. فقد رأيتها في ” الطنطورية ” وكأنها “أطياف” “خديجة وسوسن” في “حجر دافئ” وكأنها “قطعة من أوروبا” تصدر “تقارير السيدة راء” في “سراج” “الرحلة” إلى “غرناطة”.رضوى عاشور لم تمت. لقد رأيتها في نور حرفها: “ليس المهم أن يموت الإنسان قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت”. وإني لأكره أن أذكر مناقب الكبار بعد موتهم، لكن رضوى عاشور كانت لها مكانة خاصة بقلبي. لن أتحدث أكثر، يرحمك الله.


صوت من أصوات الضمير



محمد صالح البحر



روائي من مصر


كلما رحل عنا صوت من أصوات الضمير التي كانت تدلنا على الطريق، نتوه في ظلال الحزن، وكأننا أبناء غير بررة، أو غير واثقين بأننا قد استوعبنا دروسهم التي ظلوا يلقنوننا إياها طوال حياتهم، ويأخذ ذلك الشعور بالفقد في التجدد مع أول لحظة لسماعنا النبأ، يحدث ذلك الآن مع وفاة واحدة من أهم الأصوات الثقافية المناضلة في مصر والعالم العربي، رضوى عاشور، الروائية والناقدة وأستاذة الجامعة التي ضربت مثالا حيا وحقيقيا لما يجب أن تكون عليه المرأة العربية من التحرر المسؤول، التحرر الذي يُطلق إمكاناتها الإبداعية إلى أقصى مدى لتصير امرأة ذات رؤية ثقافية ونقدية ثاقبة، وكفيلة لأن تكون علامة بين أبناء جيلها، وأستاذة للأجيال القادمة، لا ينقصها العلم ولا المعرفة ولا حرية البحث والإضافة إليه، ولا تحدّها القيود التي كبلت المجتمع كله، رجاله قبل نسائه، ولا تقف في وجهها حتى الأنظمة التي راحت تحدّ من حرية المجتمع، وتمنع أفراده حتى من التعبير عن أنفسهم.

عندما تبرز امرأة بكل هذا الزهو في سياق اجتماعي وسياسي، قمة في التحدي والتسلط، فذلك إشارة دامغة على أن المرأة العربية قادرة على صناعة المستحيل إذا توفرت لها الأجواء الملائمة، ومثلها الأعظم رضوى عاشور، التي كان تحرر الوطن والإنسان من أهم سمات نصها الإبداعي، ورؤيتها النقدية لذاتها وللعالم من حولها، استقته من دروس التاريخ لتسبغ به الواقع الآني، لعلنا نرى، فكافأها الواقع بتلك المكانة الأدبية السامقة التي حفرت اسمها كواحدة من أهم جيل الرواد حيث تجاوز إنتاجها حدود اللغة العربية التي تكتب بها، لتترجم إلى أهم لغات العالم، وكافأناها -نحن الأبناء البررة- بمكانة أعظم في قلوبنا لإنسانيتها وحريتها وعينها التي ترى حدود الأفق قبل موضع قدميها.

عندما تبرز امرأة بكل هذا الزهو في سياق اجتماعي وسياسي ذلك إشارة دامغة على أن المرأة العربية قادرة على صناعة المستحيل


ثلاثية غرناطة



صبحي موسى



شاعر وروائي من مصر


رضوى عاشور واحدة من أهم كتاب جيل السبعينات المصري في المشهد الروائي ، وفيها رصدت بأمانة شديدة ما قدمته الوثائق العربية والإسبانية حول ما يزيد عن مئة عام، هي عمر المرحلة التي تلت سقوط غرناطة عام 1492 حتى قرار التهجير القسري للموريسكيين عن الأندلس من عام 1609 حتى عام 1613.

ولعل سيرتها الذاتية “أثقل من رضوى” يمكنها الإجابة عن العديد من التساؤلات، لكن في العموم رضوى كانت واحدة من الباحثين المهمين الذين جمعوا ما بين الفن الروائي والبحث العلمي في عمل أدبي كبير، واستطاعت تقديم ذلك في بناء سردي عملت على إنتاجه من المخيلة، حيث عكفت على رصد الأحداث السياسية الكبرى من خلال الواقع الاجتماعي لما يمكن تسميته بالطبقة الوسطى في ذلك الوقت، ولو لم تنجز رضوى عاشور غير ثلاثية غرناطة فإن كان كافيا لوضعها في مصاف كبار الكتاب، حتى أن عملها ثلاثية غرناطة يعدّ مرجعا مهمّا في الكتابة عن الموريسكيين وما عانوه في الأندلس.

وضعتني رضوى عاشور في ورطة كبرى حين طالعت ثلاثية غرناطة من جديد أثناء الكتابة حول الموريسكيين، فوجئت أنها لم تترك شاردة ولا واردة إلا وذكرتها أو تعاملت معها فنيا، وهذا جعلني أعيد التفكير في عملي وبنيته الفنية كي أتجاوز ما طرحته، وأجبرتني على أن أعطي أبعادا مبكرة لفكرة الموريسكيين بدءا من سقوط الخلافة في قرطبة وبدء عصر ملوك الطوائف حتى سقوط غرناطة، حيث تبدأ فترة الموريسكيين أنفسهم.

ثم اضطررت لعمل بعد جديد عن مصير الموريسكيين الذين تم تهجيرهم وتشتيتهم في مختلف بلدان العالم، وكان لا بدّ أن أتعامل مع هذا البعد على مستويين؛ الأول الذين هاجروا، والثاني البقية التي بقيت أو التي تعود جذورها إلى الثقافة الموريسكية، وما قامت به من نضال في إسبانيا حتى أجبرت الدولة الأسبانية على الاعتراف بإقليم الأندلس كهوية ذات خصوصية متميزة، بعلم يعود إلى عبدالرحمن الناصر والمعتمد ابن عباد، ونشيد قومي مختلف كتبه لويس بلاس أنفانتي الذي أعلن إسلامه أمام قبر المعتمد ابن عباد في أغمات بالمغرب، هذا ما اضطرتني رضوى عاشور إلى عمله في إطار سعي إلى خلق حالة من التميز عما طرحته في ثلاثيتها.

رضوى عاشور لم تترك في ثلاثيتها شاردة ولا واردة إلا وذكرتها أو تعاملت معها فنيا


حوار لم يتم



أسامة جاد



شاعر وناقد من مصر


في مطلع 2010 طلب مني بعض الأصدقاء إجراء حوار مع رضوى عاشور. كانت معرفتي برضوى لا تتجاوز القراءة عن ثلاثيتها الشهيرة، التي أجلت قراءتها أكثر من مرة في ظروف مدهشة. يومها وجدت الأمر فرصة لمراجعات كثيرة في إبداعها وكتاباتها، الأمر الذي أخبرتها به في رسالة إلكترونية بعدها، جاء فيها: كانت تلك المراجعات من أجمل ما حدث معي خلال الفترة الماضية، لا أبالغ لو قلت إنني لم أستمتع بهذا القدر منذ عكوفي على أعمال الكاتب الراحل العظيم عبدالرحمن منيف كاملة في فترة واحدة منذ سنوات.

وفي الحقيقة فقد كنت على معرفة مسبقة بما وجدت من متعة، خاصة وأن قراءتي الأولى لثلاثية غرناطة جعلتني في دهشة ما بعدها دهشة، اتهمت نفسي بالتقصير الشديد وقتها، إنني لم أقرأ لرضوى قبلها، ولعل عذري الوحيد هو كوني كنت في الخارج، ولم أكن على صلة مباشرة بنتاجات المطابع في مصر، وهو ليس عذرا، فلا عذر لي. ولعل استمتاعي مؤخرا بتقارير السيدة راء، التي عدت إليها بعد ظروف خاصة كان السرّ وراء حرصي على إجراء الحوار.

ولكنني مع الإيغال في قراءتها بصورة أكثر تركيزا، واهتماما بالاكتشاف، ناهيك عن الاستمتاع، كنت في حال أشبه بمن يتعلم اللغة في صورتها البكر، في دهشة اكتشاف أن السماء هناك في الأعلى، والأرض تحت أقدامنا، وتلك التي تضيء في آخر الأفق هناك، هي الشمس لا سواها.

حدث بعدها أن رأيتها في منام ما، بين طلاب صفها، وهي تملي، وأنا لا أعرف كيف ألحق بها. رأيتني أكتب أنصاف كلمات، وأقول لنفسي: ستتذكرها فيما بعد، وتتمها، فالحق الآن بما تقول. وقتها انتبهت رضوى لي، وأخذت بيدي، ووعدتني بأن تشرح لي ما استغلق عليّ، وما لم ألحق به من المحاضرة.

لم يتمّ الحوار يومها، بسبب ظروف كثيرة، ولكنني أدركت بوضوح أن اللغة في ذاتها تشغل مساحة واسعة في فكر رضوى، اللغة بما هي كائن اجتماعي يعيش وينمو، ويتوالد، مع إيغاله في الزمان، لغة الكتابة أعني. وانتبهت إلى اهتمامها الواضح بمسألة المتن والهوامش، في أسئلة الإبداع، وسألتها هل للتاريخ متن واحد؟ وهل الرواية هامش من هوامش التاريخ؟

أدركت أيضا أن الأندلس بما جسدته كمعادل عميق للقضية الفلسطينية في كتابات العديد من أدبائنا المعاصرين: محمود درويش، أدونيس، سعدي يوسف، عبدالوهاب البياتي، على سبيل المثال، كانت هي البعد ذاته الذي كان لغرناطة في وعي رضوى العميق ككاتبة، كيف لا وهي زوجة لثائر فلسطيني وأم لشاعر من فلسطين.

كان مما قالته رضوى، في حديث هاتفي بخصوص الحوار إن حياة الكاتب تمتد عبر النصوص في علاقاتنا بهم، كمبدعين، وهي تفسر اهتمامها الكبير بإرنست هيمنجواي على وجه الخصوص -أفردت تقريرا كاملا من تقارير السيدة راء لمصارعة الثيران على ضوء حديثه عن “متعة القتل”-، ولوركا وجرامشي أيضا. الأمر الذي أعرف أنه سوف ينسحب بالضرورة على رضوى نفسها، التي لم تمت، وإنما تظل حياتها تمتد عبر كتاباتها.

15
مقالات ذات صلة