رعاية أسرة مسلمة لطفلة كادت تشعل حربا على المسلمين في بريطانيا

الأربعاء 2017/09/06
قضية تحتاج أكثر تعقلا

لندن - تتحول وسائل إعلام بريطانية مع الوقت إلى محفّز لتنامي مشاعر الكراهية تجاه المسلمين عبر تغطيات بعضها يختلق “أكاذيب”، وبعضها يذكر “نصف الحقيقة”، واضعة النسيج الاجتماعي وموقع المسلمين في بريطانيا أمام خطر محدق.

وكادت وسائل إعلام أن تتسبب في صدامات بين المسلمين والسكان البيض، في حي “تاور هامليتس″ الفقير في لندن، بعدما بالغت في تناول قضية طفلة مسيحية بيضاء أودعها موظفو الرعاية الاجتماعية لدى أسرتين مسلمتين، بعدما قرروا أن عائلتها لا تصلح لتربيتها.

وكانت صحيفتا “التايمز″ و”ديلي ميل” قاب قوسين أو أدنى من الكشف عن هوية الطفلة، وأسرتين مسلمتين قالت “التايمز″ إن أفرادهما لا يتحدثون الإنكليزية.

ونقلت الصحيفة ادعاءات موظف الرعاية الاجتماعية الذي نقل رد فعل الطفلة، خلال إجراء مقابلة مع والدتها، قائلا بأنها كانت “تبكي وتطلب عدم إعادتها” لإحدى الأسر الراعية بحجة أن الأسرة الحاضنة الأولى تتحدث العربية في المنزل وأنها لا تفهم شيئا مما يُقال.

وتقول إحدى تقارير الصحيفة “سمع موظف الرعاية الاجتماعية الطفلة وهي تهمس في أذن والدتها ببعض الكلمات العربية، التي قيل لها أنْ تلفظها بصوت مرتفع إذا أرادت الذهاب إلى الجنة بعد موتها”.

ونشر تقرير ”التايمز″ صورة للفتاة صحبة امرأة، يُزعم أنها راعيتها، وهي ترتدي نقابا أسود.

وأثارت هذه التغطية الإعلامية جدلا حول تغذية وسائل الإعلام للعداء المتزايد تجاه المسلمين في بريطانيا. وسرعان ما هيمنت الأحزاب اليمينية المتطرفة على القصة كدليل على قضية “إرهاب الإسلام”.

وشرع تومي روبنسون، الزعيم السابق لرابطة الدفاع الإنكليزية، في نشر تغريدات تحوي روابط القضية لمتابعيه على الصفحة الخاصة به على تويتر.

ونشر الحزب اليميني المتطرف “بريتين فيرست” مقطع فيديو لزعيم الحزب بول غولدينغ يندد بالقرار، واصفا إياه “بالعار” وهو يقف أمام العلم البريطاني، مما جعل القضية تبدو وكأنها تصف “المستقبل الذي يمكن أن يصل إليه هذا البلد”.

واتهم المنتقدون وسائل الإعلام بالمبالغة في نقل القضية، مشيرين إلى وثائق المحكمة التي تفيد بأن الأسرة التي تتبنى الطفلة الآن ناطقة بالإنكليزية، وأن الطفلة “سعيدة”.

ويقول مراقبون إن الأمر يتعلق بمراعاة الأسر المسلمة لجوانب الحياة اليومية للطفلة، من بينها اللغة وعادات الطعام والنوم وخلفياتها الثقافية. لكن بدلا من أن تأخذ وسائل الإعلام اليمينية منحى أكثر تعقلا، صبت الزيت على النار ومنحت “النازيين الجدد” مادة لترويج أيديولوجيتهم المعادية للمسلمين بشكل عام.

وحذر مسؤول في الحكومة من أن الادعاءات المضللة بشأن هذه القضية يمكن أن تؤدي إلى “إحجام أفراد الأقليات العرقية عن تقديم خدماتهم مع احتمال حدوث عواقب وخيمة”.

وقال السير مارتن ناري، رئيس لجنة التحقيق في قضية التبني، “من العار أن تسبب هذه الأزمة الكثير من المعاناة، وأرى أن ذلك سيُثني الكثير من مختلف الأعراق عن عرض خدماتها ضمن نظام الرعاية الاجتماعية. سيكون ذلك كارثيا حتما”.

ووصف تريفور فيليبس، الرئيس السابق لهيئة مراقبة المساواة، ما فعله مجلس حي “تاور هامليتس″ بأنه “أغبى تصرف يمكن فعله”، وأن “القضية الآن باتت مرتبطة بإساءة معاملة الأطفال”.

وإلى جانب “سوء معاملة الأطفال”، تسببت قضية الطفلة في تراشق إعلامي على نطاق واسع. وقالت صحيفة الغارديان إن “صحيفة ديلي ميل لم تكن لديها صورة حقيقية للطفلة أثناء تغطيتها للحدث، وبدلا من ذلك لجأت إلى صورة أرشيفية لأسرة مسلمة لوضعها مع الخبر على صفحات الجريدة وعلى الموقع الإلكتروني، بعد أن عدلت الصورة عبر تغطية وجه السيدة بنقاب”.

وتواجه صحيفتا تايمز وديلي ميل تحقيقا من قبل هيئة الرقابة على الصحف “إبسو”، بعدما تلقت شكاوى عن تغطيتهما للقصة.

وقالت إلين ديبن، مستشارة في مؤسسة “كورامباف” العاملة في مجال التبني والرعاية، إن “أحد الأسباب التي تدفعنا إلى عدم التعليق على بعض الحالات الفردية، هو أننا ندرك دائما أنه يتم الإبلاغ عن القضية من وجهة نظر واحدة، وأن هناك العديد من وجهات النظر الأخرى التي لا يتم الإبلاغ عنها. أنت بحاجة إلى قياس الوقت المناسب الذي تستغرقه لاتخاذ مثل هذا القرار لإيجاد مكان آخر للطفل في نفس اليوم، وأيضا بحاجة إلى ترتيب جميع الأمور الأخرى، مثل إبقاء الطفل في المحيط المحلي الذي تعيش فيه الأسرة، مع المحافظة على مدرسته وأصدقائه وأنشطته التي يمارسها، جنبا إلى جنب مع مراعاة الجوانب الأخرى من القضية الأكثر تعقيدا”.

1