رعاية أميركا للمفاوضات تثير سجالا فلسطينيا

الثلاثاء 2014/05/06
أميركا تقدّم وعودا بالضغط على الجانب الإسرائيلي لوقف الاستيطان وتسوية ملف الأسرى

رام الله ـ بمجرد انتهاء مؤتمر المصالحة الفلسطينية الذي جمع بين حركة فتح من جهة وحماس من جهة أخرى، عادت الأطراف الفلسطينية إلى معاقلها لتتدارس أفق هذه المصالحة وكيفية تعديل إيقاع الأداء السياسي للفلسطينيين تجاه قضاياهم، وعلى رأسها ملف المفاوضات مع الإسرائيليين تحت رعاية الولايات المتحدة.

فقد أكدت أطراف داخل منظمة التحرير الفلسطينية أن رعاية الولايات المتحدة لمسار التفاوض من أجل السلام في المنطقة هو العائق الأول أمام تحقيق دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس، مع تحقيق الاعتراف بحق العودة وإطلاق سراح الأسرى، وأهم هذه الأطراف التي تدعو إلى القطع مع أميركا واللجوء إلى الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث صرحت خالدة الجرار إحدى قياداتها أن الاعتماد على أميركا أمر “غير مجد”.

لكن في الجهة المقابلة، تتمسك السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس بالولايات المتحدة الأميركية كطرف رئيسي لرعاية عملية السلام في المنطقة، فهي الطرف الوحيد الذي يمكن له الضغط على الجانب الإسرائيلي وتحقيق المطالب الفلسطينية بالارتكاز إلى نقاط اتفاقية أوسلو التي التزمت بها الولايات المتحدة، وهي الاتفاقية التي تتضمن البنود المراد تحقيقها من قبل الفلسطينيين. وأهم المدافعين عن هذا الخيــار داخل الحكومة الفلسطينيــة هو وزيــر الخارجيــة رياض المالكي.


واشنطن تدير المفاوضات رغم تحفظاتنا

رياض المالكي: الكرة في ملعب الإسرائيليين، إذا أرادوا العودة من النقطة صفر في المفاوضات فنحن مستعدون


صرح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن أميركا طرف مهم في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وهي “عامل دفع باتجاه تحقيق السلام بين الجانبين”، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية قادرة على الوصول بالطرفين إلى نقاط بعيدة المدى في رسم مواعيد الجلسات التفاوضية والوصول إلى مسافة عميقة في عملية السلام.

وتعود تفاصيل تمسك السلطة الفلسطينية الحالية بالجانب الأميركي كراع رئيسي (والوحيد تقريبا) للمفاوضات بين الجانبين إلى وعود قدمتها الإدارة الأميركية بالضغط على الجانب الإسرائيلي لوقف الاستيطان وتسوية ملف الأسرى، وهي نقاط يعتبرها الجانب الفلسطيني المتبني لخيار المفاوضات مع أميركا “إيجابية جدا إذا تم تحقيقها”.

ويؤكد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في عدة تصريحات وبيانات صادرة عن وزارته أنه “على استعداد متواصل لإطلاع وزراء الخارجية العرب والجامعة العربية على تطورات الملف الفلسطيني وآخر نتائج العملية التفاوضية التي ترعاها الولايات المتحدة”. وتعد هذه الخطوة حسب خبراء نقطة قوة للجانب الفلسطيني للتواصل الدائم مع الجهات الرسمية العربية لخلق توازن داخل أطراف المفاوضات ولضمان شهود على تطور مسار السلام “رغم ثقة الجانب الفلسطيني في نوايا الإدارة الأميركية” حسب قول المالكي.

كما يشير إلى أن التمسك بخيار الولايات المتحدة كراع للحوار بين فلسطين وإسرائيل يأتي في إطار الاتفاقات السابقة لأوسلو، واتفاق أوسلو نفسه رعته الولايات المتحدة الأميركية سنة 1993 والذي يمثله جون كيري وزير الخارجية الأميركي الحالي وهو الطرف الذي يملك القوة السياسية والدولية لتفعيل تلك الاتفاقات. وأهم ما جاء في لائحة النقاط التي تم الاتفاق عليها في أوسلو هي إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى وتجميد الاستيطان والالتزام بخارطة الطريق. لكن في المقابل، تريد الولايات المتحدة (وفق رغبة إسرائيل) تمديد المفاوضات لمدة عام آخر في ظل تواصل التوسع الاستيطاني فوق الأراضي الفلسطينية.

وفي تواصل لموقف السلطة الفلسطينية من شكل المفاوضات التي تجري بين فلسطين وإسرائيل، تؤكد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن الجانب الإسرائيلي هو الذي يتحمل مسؤولية تعطيل المفاوضات للوصول إلى حل كل النقاط الخلافية بين الجانبين وليست الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي يؤكده رياض المالكي عند تأكيده أن “الكرة في ملعب الإسرائيليين، وإذا أرادوا العودة من النقطة صفر في المفاوضات فنحن أيضا مستعدون للعودة إلى النقطة نفسها”. وأكدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في اجتماعها أن “التعثر في العملية السياسية الراهنة يعود أساسا إلى استمرار مواقف وممارسات حكومة نتنياهو في التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وفي السعي إلى إلغاء مرجعيات عملية السلام المقرة دوليا واستبدالها بمرجعية تكرس ضم القدس والسيطرة المطلقة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية بحجة الأمن تارة أو الكتل الاستيطانية تارة أخرى”.

ويرى وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن الولايات المتحدة الأميركية لا تلقى دعما في رعاية المفاوضات فقط من جانب السلطة الفلسطينية، بل إن قطاعا واسعا من الدول العربية تدعم جهود كيري في رعاية المفاوضات. ولعل سلسلة الزيارات الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي إلى الأردن والمملكة العربية السعودية قد أطلعت هذه الدول على آخر التطورات وحصلت على تأييد منها لمواصلة مسار المفاوضات.


خيار "مدمر وعقيم"

خالدة جرار تطالب أميركا بوقف احتكار المفاوضات ونقل ملف الصراع الفلسطيني إلى الأمم المتحدة


أكدت عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خالدة جرار أن انسحاب الجبهة من الجلسة الختامية لمنظمة التحرير الفلسطينية كان نتيجة عدم الاتفاق على صيغة البيان الختامي للاجتماع (الذي أعقب مؤتمر المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس)، الذي احتوى على مواصلة الصيغة التفاوضية السابقة القاضية برعاية الولايات المتحدة الأميركية للعملية التفاوضية ومسار السلام بشكل عام في ما يتعلق بالشأن الفلسطيني.

وتوضح القيادية بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن جبهتها كانت ولا تزال حريصة على توسيع رقعة المتدخلين في القضية الفلسطينية وإجراءات المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي مطالبة بـ”وقف احتكار أميركا للمفاوضات ونقل ملف الصراع الفلسطيني إلى الأمم المتحدة” وذلك لتمكين أطراف أخرى من المشاركة في مقاربات التفاوض والوصول إلى نتائج عملية توقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي فوق الأراض الفلسطينية وملف القدس.

وقد سبقت هذه التصريحات الصادرة عن قيادات من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، محاولات حثيثة من قبل الجبهة للاتصال بهيئات الأمم المتحدة المختلفة (وذات الاختصاصات المتنوعة)، للدفع بالملفات الفلسطينية في ما يخص حق العودة واللاجئين والاستيطان وتهويد القدس وخروج المحتل والجدار العازل، وإجبار تلك الهيئات على استعمال صلاحياتها وعلاج تلك الإشكالات وفق القوانين والمرجعيات الدولية التي تحتكم إليها تلك المؤسسات، وهي خطوة يعتبرها مراقبون “ذكية وجديرة بالاحترام” نظرا للإمكانية الكبيرة لدى هذه المنظمات للضغط وإبلاغ المسائل العالقة إلى المستوى الدبلوماسي والإعلامي الدولي، في ظل تعنت إسرائيلي وإصرار على مواصلة اختراق بنود خارطة الطريق والاتفاقات السابقة. وتضيف جرار أن “القطع مع احتكار أميركا للمفاوضات ومزيد توسيع رقعة تأثير القضايا العالقة لدى المنظمات الدولية سوف يعيد فلسطين إلى دائرة الاهتمامات من جديد لدى زعماء العالم ودوائر قراره”.

وبالعودة إلى الانسحاب الذي سجلته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أكدت تصريحات قيادات جبهوية أن الخطوة جاءت للتأكيد على ضرورة تغيير منهج التعامل مع الجانب الإسرائيلي والقوى الحليفة له. وفي هذا السياق، تضيف خالدة الجرار أنه “صحيح أن البيان أشار إلى استمرار المفاوضات وفق شروط الالتزام باتفاق الرابع من يونيو والقدس وغيره من المطالب الفلسطينية، لكنه أبقى على التفرد الأميركي في رعاية المفاوضات، وهذا الأمر غير مقبول بالنسبة إلينا ما دامت هناك آفاق أخرى يمكن أن ترعى مسار المفاوضات مع الجانب الآخر”.

وتابعت خالدة الجرار حديثها مؤكدة أن الأطراف داخل السلطة الفلسطينية يسعون إلى الإبقاء على الطرف الأميركي راعيا للمفاوضات، بينما ترى الجبهة الشعبية أنه من الضروري تغيير أميركا كراعي وحيد للمسار، نظرا “لعجزها عن تحقيق النقاط التي تريدها فلسطين”. ولعل سنوات من الرعاية الأميركية للمفاوضات لم توصل إلى حد الآن الفلسطينيين إلى ما يرومون تحقيقه.

لكن خطوة الانسحاب التي بادرت بها الجبهة الشعبية لم تكن في معزل عن خطوات أخرى تم اتخاذها في اتجاه توسيع دائرة الاهتمام بالملفات الفلسطينية، فقد دفعت الجبهة بمنظمة التحرير إلى تبني خطوة مزيد دعم التواجد الدولي الفلسطيني في المنظمات العالمية والأممية.

وبالعودة إلى موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي عبرت عنه خالدة الجرار، فإن الجبهة تعتبر أن التمسك بجون كيري الراعي الوحيد للمفاوضات هو “تصفية” للقضية وطمس للقضايا الشائكة المطروحة، وطالبت بـ”الوقف النهائي للمفاوضات مع الاحتلال الاسرائيلي ووقف التنسيق الأمني المترتب عليها، والكف عن المراهنة على هذا الخيار العقيم والمدمر” حسب بيان الجبهة الشعبية.


السلطة الفلسطينية تبدأ تفعيل بنود المصالحة مقابل امتعاض إسرائيلي

محمود عباس: متمسكون بخيار المصالحة الوطنية بكامل بنودها


قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه مستعد لاستئناف المفاوضات مع اسرائيل إذا شملت تحديد حدود دولة اسرائيل ووقف الاستيطان، معتبرا ذلك شرطا لتحقيق السلام. وقال عباس في رام الله خلال حفل إطلاق صندوق دعم مدينة القدس “أخطر شيء هو الحدود، واسرائيل منذ أن أنشئت لا أحد يعرف حدودها، نحن مصممون على أن نعرف حدودنا وحدودها وإلا فليس هناك سلام”.

وجاءت تصريحات عباس قبل ساعات على انتهاء المهلة المتفق عليها لإنجاز المفاوضات المتعثرة بين الجانبين منذ تسعة أشهر، وسط مساع أميركية لاستئناف المفاوضات. وقال عباس “إذا أردنا تمديد المفاوضات فلا بد من إطلاق سراح الأسرى، ونذهب للمفاوضات على أساس وقف الاستيطان، وبحث خرائط الحدود خلال ثلاثة أشهر يتوقف خلالها الاستيطان بشكل نهائي”.

وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، قال عباس أنه خلال الأيام القليلة القادمة “ستكون هناك خطوات تشكيل حكومة تكنوقراط من المستقلين، وتحديد موعد الانتخابات”. وذلك تنفيذا لبنود الاتفاقات التي أبرمتها الأطراف الفلسطينية ضمن اتفاقية المصالحة الفلسطينية الفلسطينية التي انعقدت الخميس 24 أبريل في رام الله.

واحتجت إسرائيل على إعلان التوصل إلى اتفاق مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، مهددة بأنها لن تتفاوض مع “حكومة فلسطينية يدعمها إرهابيون” حسب تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان.

غير أن عباس أعلن أن الحكومة الفلسطينية المقبلة ستلتزم “نبذ العنف والإرهاب، والاتفاقيات الدولية التي أبرمتها السلطة الفلسطينية، وتعترف بإسرائيل”. في حين أن تصريحات محمود الزهار القيادي السياسي في حركة حماس يؤكد أن “اتفاق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية لن يغير من مواقف حركة حماس تجاه إسرائيل في شيء” وأن الحركة “لن تعترف بإسرائيل”.

وقال عباس الثلاثاء “خطونا الخطوة الأولى نحو هذه الطريق، وسنستمر، ونحن متأكدون إننا واصلون إلى النتيجة التي نريد وهي استعادة الوحدة الوطنية”. وفي ذات السياق، يؤكد مسؤول المكتب السياسي لحماس خالد مشعل أنه “على الفلسطينيين إيجاد استراتيجية وطنية شاملة تمكنهم من تحقيق أهدافهم كافة”.

وتعليقا على تصريحات عباس، طالب مسؤول إسرائيلي الرئيس الفلسطيني بالتخلي عن المصالحة مع حماس التي تسيطر على قطاع غزة في إيعاز منه على أنه شرط لاستكمال المفاوضات. وقال المسؤول في تصريح له لوكالة “فرانس برس” (طالبا عدم ذكر اسمه) أنه “ما إن يتخلى محمود عباس عن تحالفه مع حماس، المنظمة المجرمة التي تدعو إلى تدمير دولة إسرائيل، ستكون اسرائيل مستعدة للعودة فورا إلى طاولة المفاوضات وبحث كل مواضيع الخلاف بين الاسرائيليين والفلسطينيين”. لكن الحكومة الفلسطينية أجابت عن هذه التصريحات بأن أعلنت عن اقتراب موعد تشكيل حكومة تكنوقراط وإجراء انتخابات عامة.

12