رعب تلك الأيام

الخميس 2013/08/08

لاقى كتابي عن القذافي كثيرا من الاهتمام من قبل النقاد وعارضي الكتب في الصحف، بينها مقال للناقد اللبناني المعروف عبده وازن، اقتبس فيه بعض أقوال لي عن القذافي وأوردها خارج السياق، وحدث أن أعادت المواقع الليبية في الانترنت نشر هذا المقال، فانطلقت إثر ذلك حملة من التعليقات التي يكتبها أناس لا يعرفون شيئا عن تاريخ المرحلة وعن المعاناة التي كان يلقاها أهل الإبداع والكتابة، وأقول جميعهم ودون استثناء، بما في ذلك كتاب ارتبطوا بالنظام إلى حد أن ذهب في أذهان الناس أنهم من أكبر رموزه، بينما هم في حقيقة الأمر يعانون رغم هذا الاقتراب أقسى أنواع الألم والهوان.

وليت أحد القريبين من الكاتب النابغة صادق النيهوم يحكي لنا معاناة وآلام هذا الرجل الذي رآه الناس يحظى بإعجاب القذافي ويغدق عليه عطاياه، بينما أعرف أن حياته نفسها كانت مهددة في يوم من الأيام. ويعلم الليبيون أنه كان يرفع شعارات تعادي المبدعين وأهل الفن والفكر والثقافة لأنهم أصحاب أسماء تنافس اسمه في الظهور، فأراد طمسها بشعارات تقول أنه لا نجومية في المجتمع الجماهيري، وكان هناك من يحمد الله أن الرجل يحكم ليبيا وليس مصر في عهد أم كلثوم وعبد الوهاب وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، لأنه كان سيحرم الناس من إبداع هؤلاء النوابغ من أهل الفن والأدب، والذين عرفوا بهذا الشعار لا يعرفون أنه أنشأ جهازا في الأمن الداخلي، اسمه جهاز مكافحة النجومية، يطارد أي ليبي في أي مكان في العالم صار له صيت، ويدفع الملايين لطمس اسمه.

وأعرف أناسا حارب وصولهم إلى مناصب دولية في اليونسكو وفي الأمم المتحدة لأنه اعتبر وجودهم في منصب دولي نجومية تنافس اسمه فاستخدم الملايين لمنع ذلك. وسبق أن كتبت عن مطارداته لي في كل صحيفة كتبت بها خارج ليبيا ليجد طريقا لإيقافي وحجب الباب الذي أكتبه بأساليب العسف إذا عرف ذلك، أو بأساليب الرشوة والإغراء ووصل أن دفع الملايين لتحقيق هذا الغرض ذات مرة.

وأستطيع أن أذكر قصة معاناة وألم عن كل مبدع من أهل الفن والأدب، بدءا من عمالقة كان حضورهم كبيرا قبل اقتحامه اللعين للمشهد الليبي، وربما أكون أكثر الناس أهلية للحديث عن فصل مما حدث لي شخصيا، ولن أتعرض إلا إلى قصة قصيرة، هي عينة مما لا يعرفه الناس ولم يعرض عليهم ولم أكن قد جئت على ذكرها إلا عرضا، ولي شهود أحياء عما حدث. وذلك عندما عقدت لي محاكمة ثورية إدارية مصورة، عقب عودتي من مهمة إعلامية قضيتها في لندن كرئيس للمكتب الإعلامي في السفارة، ولم أكن خلال فترة عملي قد سلمت من المنغصات لأنه كلما وصل إلى الطاغية ما أحققه من نجاح مع المجتمع الاعلامي العربي الذي أسهمت فيه بدور شديد الفعالية والقوة، جاءني استدعاء أو تحقيق أو محاسبة أو إلغاء لمهمة قبل أوانها.

وبعد عودتي فوجئت بأن هناك محكمة ثورية تعقد لي في وزارة الإعلام والثقافة، وكان أول من أبلغني بالحدث صديق يعمل مديرا عاما للشؤون الإدارية في الوزارة هو عمار محمد عمار، وهو موجود على قيد الحياة ويشهد بما حدث، فخاطبني بأسف وألم يقول أن هناك استعدادات تجري لمحاكمتي محاكمة ثورية، وأن المصورين والمخرجين من الإذاعة تم استنفارهم للتصوير، ومعنى ذلك أن هناك فضيحة تعدّ لي أسوة بما فعلوه في مداهمات سابقة. وقلت له معاتبا لماذا لم تبلغني قبل الآن، فربما تدبرت سفرا على عجل ينجيني من هذه المهانة، لأنني أعرف ما يتم أثناء هذه المداهمات والمحاكمات، ولكنه قال وهو يعتذر أن مهمته الآن هي إبلاغي بأن المحاكمة قد تم تحديد موعد لها هذا المساء، وأنه تعهد أمامهم بأن يسألني المجيء بنفسي هذا المساء لمقر الأمانة بزاوية الدهماني بدلا من أن يحصل استدعائي بطريقة مهينة وحقيرة.

ولكنني لم أترك الأمر للمساء، وذهبت لألتقي وكيل الوزارة ذلك الوقت السيد رجب الصالحين، فلم يستطع مقابلتي إلا بعد استدعاء الفريق الثوري في الوزارة ليكونوا شهودا على المقابلة، ولم أعد اذكر منهم إلا الصادق دهان. وسمعت من وكيل الوزارة، كلاما عن الثورة التي تداهم وتصفي الأعداء والمعارضين ولا تتردد في قتلهم شر قتلة، وقلت له إنني لا أجد مناسبة لمثل هذا الكلام، ولكن الرجل كان يؤدي دورا في حضور بقية الفريق، لأنه كان في العمق رجلا طيبا وقد صار صديقا فيما بعد، ولكنه كان يريد أن يقوم بدوره كاملا. وقلت لهم سأحضر مساء وأقدم دفاعي.

وفعلا وجدت المصورين وأجهزة الصوت والكاميرات جاهزة للتصوير، واطمأن قلبي قليلا عندما عرفت أنها ليست مذاعة على الهواء، كما لم أجد تحقيقا يسبق المحاكمة يصحبه التعذيب لإرغام المتهم على الاعتراف بالتهمة التي ينسبونها له.

كما حدث في محاكمات أخرى، ووجدت الفريق الثوري جاهزا برئاسة السيد رجب الصالحين الذي أبلغني بأن هناك جوانب سياسية عن علاقتي بالشهيد عامر الدغيس الذي كان قد قتل قبل أيام وهي علاقة معروفة لدى الأجهزة، والبيت الذي تركته في لندن بعد انتهاء مهمتي واتخذه هو سكنا، ولا أدري الآن إذا كان قد ذكر اسم صديق آخر تم قتله هو محمود نافع.

وكان هذا نوع من التمهيد للمحاكمة لأنه لم يأت على ذكرهما أثناء التسجيل الذي تركز حول تقصيري في تأييد الثورة، وإحجامي عن الكتابة عنها والامتناع عن أداء عمل مكلف به في لندن هو الدفاع عن الثورة ضد مهاجميها، فلم يحدث أن تصديت لهؤلاء المهاجمين وكلام كثير آخر.

دافعت بما ينفي التهمة، وطبعا عرفت أن المحكمة لن تذاع لأن ما قلته من كلام لا يفيد إدانتي أو تشويه سمعتي، بل يجعلني أظهر بمظهر أكبر وأعظم ممن يحاكمني، ولكنني بقيت أياما في ظل سحابة النقمة والتهديد بالانتقام، ولعلها سحابة لم تنقشع من فوق رأسي إلا ببزوغ شمس ثورة 17 فبراير.

9