رعود الشتاء الأخيرة

الاثنين 2017/05/08

مثل برعم يتهيأ للظهور، تشرئب قصيدة الشاعر من جهة من جهات القلب، مستجيبة للحظة من لحظاته، لحظة عاشها بتعب أبيض، تعب منقوع بمطر لا يكف عن التذكير بنفسه، رغم أن الشجر، خارج غرفته، يغرق بالثلج منذ الليلة الماضية. الشاعر يتكئ، في هذه المدينة الصغيرة الحافلة بالرياح الممطرة،على شباك غرفته الوحيد، ويرقب من وراء زجاجها الذي يرتجف من البرد، غيوماً ثقيلة يزحم بعضها بعضاً، وأسراباً متخيلة لطيور تهم بالتحليق منذ يومين رغم أن ربيعاً ما يكمن على مرمى وردتين منه.

هذه اللحظة الخاصة جداً، تسقط طازجة من أعلى شجرة الزمن. ستأخذ مكانها الأبيض الثلجي، في سياق بدأ يتشكل تدريجياً، سياق قد لا يجد الإنسان فيه متسعاً لغير الزمن الجهنمي الحارق.

هذه اللحظة تتحول الآن إلى جزء من سخاء الطبيعة وبذخها الغامر، هذه الطبيعة التي تخرج عن نظامها بين عشية وضحاها، بل تغير الكثير من عاداتها التي ألفناها مراراً في اليوم الواحد. الشجر الأبيض الطري يخفي عنا خضرته التي كانت تتشممها الطرقات والطير، وها هي الريح تغرف خضرتها من الشجر المثقل بالوفر، والعشب النافر من بين أحجار الطريق.

وهذه اللحظة البيضاء الباردة، التي تتشكل خارج البيوت، ستكون محفزاً لدفء آخر، دفء من نوع خاص، حميم وداخلي يتدفق بين عظام الناس ويتنقل بين لغاتهم في وقت قريب. وبين دفء الداخل وثلجية الخارج ثمة مسافة يتسرب منها خيط من المودة، من الذكرى، من الارتباط الذي لا ينقطع بين فصلين يمران معاً في لحظة من البياض الرمادي، يمتزجان فيه وينفصلان في الآن نفسه.

وهنا تحين لحظة اللغة، لحظة اندفاع الذات، لحظة يترك فيها الخارج أثره على الداخل النفسي للناس. عطاء يجمع بين شغف البشر بالتواصل وحنينهم إلى العزلة البيضاء، بين شتاء نشهد بقاياه الأخيرة، ونتلمس بعضاً من آخر رغباته، وبين ربيع يدخل إلى مفاصل المدينة، ويحيط عريها بالخضرة. ها هو الشتاء يعود عودة سريعة ليحمل بعض حقائبه المنسية ثم يمضي إلى نهاياته الأخيرة. الريح تأخذ للمرة الأولى أهبتها لإطلالة مختلفة، أو دائمة ربما. وثمة ريح خضراء خفيفة شفافة تعبر شوارع المدينة برشاقة أنثى.

الطيور تكمن في مكان ما، في انتظار حفنة من الضوء، وشمس تجلس “عارية الكتفين على المصطبة”، في انتظار شجرة تنفض شيبها الغزير وتتركه يذهب بعيداً مع الريح. والناس في الجوار وفي الشرفات المطلة على الغيم ينتظرون صحوا نهائيا، حاسما وصريحا. لكنهم لا يظفرون بذلك دائماً. فهذا التداخل بين الفصول لا بد منه، وطالما يجدون ذلك الخليط المدهش، الذي رصدته عبقرية أبي تمام ذات لحظة ملهمة:

مطرٌ يذوبُ الصحوُ منه، وبعدَهُ صحوٌ يكادُ من النضارةِ يمطرُ

إن طلائع زمن جديد بدأت في التوافد على هذه المدينة الصغيرة، رغم هذا الصحو الممطر أو المطر الصاحي الذي يتحدث عنه أبوتمام في بيته السابق. شتاءٌ فاتنٌ يجمع آخر رعوده وأمطاره، وربيعٌ طلقٌ يتلمس طريقه إلى قلوب الناس. غير أن البحتري، شاعر الربيع، لم يكن في المدينة لكي يشهد هذا الفصل المفعم بالحياة، وقد جاءها ” يختال ضاحكاً”. كان قد ترك المدينة منذ فترة بعد أن أحس، ربما، أن الشتاء سيطيل إقامته فيها هذه المرة.

شاعر عراقي

14