رغم أنف الحقير سأبكي

الاثنين 2015/05/25

الأصعب أن يصلك خبر “تفجير” ولست هناك. تتيه للحظات لا تعلم أي شارع بموطنك كان الهدف ومن الذي أريقت دماؤه. تود أن تسأل مخبرك لكنك تتردد للحظات خوفا من الإجابة، تشرد متمنيا ألا تكون على علاقة بالضحايا. ثم تضيع قبل سماع الجواب. تضيع بين الجميع لأنك تحب الجميع. وتحفظ وجوه أهل الوطن عن ظهر قلب. فاسم من الذي لن يبكيك؟

أقاربي يعيشون على امتداد مساحات هذه البلاد. أقاربي كثيرون لا أعرف أغلبهم.

كرهت عملي وقت سماع خبر التفجير. هذا العمل الذي أكسبني عائلات غير عائلتي.. غضبت من مهنة تكشفك أمام مواطنيك. ترى أكان أحدهم يعرفني؟

قالوا إنهم كانوا يركعون قبل وداع كل شيء.

أي وضاعة دفعت المجرم إلى أن يتنصل من آدميته؟

أي دين قال له بفم ملآن أو فم مشوه: اُقتل.

وماذا حدث لرمال صحرائي؟ ومن لونها بالأحمر القاني؟

لو أني أملك أي سلطة لهدمت كل منابر التخلف والتطرف. ليس انتقاما لتحطيم تماثيل الفن والإبداع في العراق وسوريا وكل مكان، أنا لا أنتقم، فكتب المفكرين والتنويريين والفلاسفة التي درستها لم تعلمني الانتقام بل الصفح. صفحاتها لم تلقنني طرق استباحة الدماء بل وهبتني قوانين الحب والتفكير.

ثم يصرخون: تسقط الليبرالية، بل تعش أيها الخونة.

هل سمعتم عن تنويري قتل؟ أو تنويري خطب فاستباح الدماء؟

وجوه الشر تغزو أرضي، ترتدي ملابس الطاهرين. تنتحر بغباء. وجموع القطيع تصطف خلف قزم قبيح رائحته عفنة وجسده مقزز، كرشه متدل، ولحيته يملؤها القمل. يتمايل الشاذ ويرقص مرتديا وشاح الدين، حتى العاهرة أشرف منه مئات المرات، آلاف المرات.

لكن السافل يجذب القطيع. وتستمع إليه ملايين من أغنام ما عادت تفرق بين الجمال والبشاعة.

ملايين من وطني العربي.

الأم تتابع تفجير مسجد للشيعة بالقطيف.

تنسى الخبر فورا، حتى أنها تجهل إن كان عليها أن تحزن أم تشمت. تلتفت إلى ابنها فتعلمه أن الشيعي كافر، وكل من يخالف مذهبك مرده جهنم. هكذا تقود التربية إلى الإرهاب.

يبدأ الأمر بإصرارك على الغفلة، بتعلقك بتفاسير وحشية، بتمسكك بسلوكيات تتنافى وطبيعة البشر، وينهيك بأن تنال لقب داعشي.

حالة من العناد والبلاهة سيخجل التاريخ من سردها.

ممنوع أن تبكي على غير مذهبك. حرام أن تذرف دموعك على مسيحي. لا يحق لك الترحم على كافر.

ماذا عن المجرم الذي قتلهم وكان من نفس ملتي؟ وكيف سأكمل الطريق بأرض لم تعد تتسع لأبنائها؟

سأبكي، نعم سأبكي ولو كان التفجير في بلاد الغرب أو الشرق سأبكي، ولأجل عيني أي ضحية مهما كان دينها أو طائفتها أو مذهبها أو فكرها أو هرطقتها أو جنونها، سأبكي. رغم أنف الحقير سأبكي. رغم أنف الوقح الذي لا يفهم معنى أن تكون إنسانا أو حتى حيوانا، سأبكي.

24