رغم المخاطر بإمكان تونس أن تنهض

بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، يشعر التونسيون بالخوف على سيادة بلادهم إذ يتوجسون من خطر الوقوع رهينة للدائنين الأجانب.
الأحد 2021/01/31
مسافة غير بعيدة من حافة الهاوية

عندما نشرت الكاتبة الصحافية كلوديا رايت مقالا في مجلة نيو ستيتسمان البريطانية في ربيع سنة 1982، بعنوان “تونس: الصديق التالي الذي سيسقط؟” أثارت حينها ضجة في تونس.عبّرت الصحافية في ذلك الوقت عن القلق المتزايد الذي كان يساور العواصم الغربية بشأن التهديدات التي تعرّض لها استقرار تونس مباشرة بعد الهجوم المسلح الذي شنته مجموعة من المسلحين التونسيين، الذين سيطروا في يناير 1980 على مدينة قفصة جنوب البلاد لأيام عديدة بعد أن تسللوا إلى التراب التونسي بمساعدة المخابرات الليبية وربما أجهزة استخبارات إقليمية أخرى. كان ذلك زمن الحكم المطلق والمؤامرات والدسائس.

لم يكلف العديد من منتقدي كلوديا رايت في تونس أيامها أنفسهم عناء قراءة مقالها. فبالنسبة إليهم، كان العنوان مبررا كافيا لردة فعلهم. إذ رأوا في كلامها طرحا غير مقبول يصوّر بلادهم المغاربية الصغيرة وكأنها تتدحرج نحو الهاوية. في حماستهم للرئيس الحبيب بورقيبة، اعتبروا أن كلامها يشكل إهانة غير مقبولة للزعيم التاريخي للبلاد وتشكيكا في قدرته على الحفاظ على استقرار تونس تجاه كل التحديات.

ومن المفارقات أن “المجاهد الأكبر” كان هو نفسه في كثير من الأحيان يعرب عن قلقه بشأن مستقبل تونس بعد رحيله، مما كان يزيد من المخاوف في الداخل والخارج بشأن مستقبل البلاد، لاسيما بالنظر إلى صحته المتدهورة وغياب خليفة له بعد وفاته.

كان تبني الأنظمة لمواقف سياسية مؤيدة للغرب أمرا نادرا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آنذاك. وكانت سياسات بورقيبة بالذات تعتبر من قبل الغرب سياسات صديقة في خضم من السياسات المعادية. لذا كان الأميركيون والأوروبيون حريصين جدا على الحفاظ على حلفائهم القلائل في المنطقة.

وقد سادت نظرية الدومينو في الشرق الأوسط خلال تلك السنوات، وخاصة بعد الثورة الإيرانية التي اندلعت في 1979، والتي كان الهوس بها يسيطر على أفكار السياسيين الغربيين. كان القلق المستشري هو أن تتدحرج بلدان المنطقة نحو المعسكر المعادي للغرب، وأن تتحول إلى أنظمة مؤيدة للشيوعية أو للثورة الإسلامية تبعا لنموذجها الإيراني.

كانت التغييرات في الحكم تحصل وقتها في كثير من الأحيان نتيجة للانقلابات أو التقلبات المزاجية للقادة. وكان التمسك ببقاء الأنظمة “الصديقة” هو الوازع الأكبر في إستراتيجيات الغرب.

بعد سنوات من تلك العشرية، وإثر هجمات 11 سبتمبر، طفت على السطح “أجندة الحرية” التي دعا إليها جورج دبليو بوش في 2005. وبدأت الولايات المتحدة في الدفع نحو الديمقراطية باعتبارها أفضل ضامن لمصالحها في المنطقة. ولكنها لم تحقق الكثير. وجاء الديمقراطيون بعدها إلى البيت الأبيض. وإن لم يتبع الرئيس الأميركي باراك أوباما نفس أجندات بوش، فقد تبنى موقفا يقول إن “الوضع الراهن في المنطقة لا يمكن أن يدوم، وإن تغييرات يجب أن تحدث”. وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى تأييده لانتفاضات “الربيع العربي”.

وعلى الرغم من تغير الكثير من الأنظمة العربية بعد يناير 2011، فإن نظرية الدومينو لم تتجسّد. صحيح أن الأحداث في تونس التي أطاحت بنظام الحكم قد أعقبتها احتجاجات شعبية وسقوط أنظمة أخرى في عدد من بلدان المنطقة. ولكنه كان لكل بلاد معطياتها بالرغم من نقاط الوهن المشتركة بين العديد من البلدان العربية التي أساء حكامها إدارتها. إضافة إلى ذلك، ساهم انهيار نظام بن علي في تونس في تبديد الوهم بسيطرة الأنظمة القائمة على الأوضاع في بلدانها.

واستطاعت تونس أن تتجنب إلى حد كبير إراقة الدماء في مرحلة انتقالها المباغت بالمقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة سقطت في أتون العنف المسلح والصراعات.

مسافة غير بعيدة من حافة الهاوية
صعوبة تحقيق انتعاشة اجتماعية واقتصادية بعد انتقال سياسي ناجح نسبيا

وبعد عشر سنوات من تلك الأحداث، لا يمكن لأي بلاد عربية، بما في ذلك تونس، أن تزعم بأنها استطاعت تحقيق انتقال كامل حقق آمال مواطنيها وتطلعاتهم.

اليوم في واشنطن أصبح الديمقراطيون في السلطة. وتم تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي تعهد بدعم الديمقراطية في المنطقة بشكل نشيط. ولكن بايدن، بكل تأكيد، سوف يجد منطقة متغيرة عما كانت عليه في العقد الماضي. وما زالت آفاق انبلاج فجر السلام والديمقراطية والرخاء الاقتصادي فيها بعيدة.

وفي أجزاء كثيرة من المنطقة مثل ليبيا وسوريا واليمن، لا يزال إنهاء النزاعات وحالة عدم الاستقرار يواجهان عقبات كأداء. ولا تزال الشكوك تحف بمجهودات السلام.

وتبرز الأوضاع في تونس تحديا رئيسيا من نوع آخر: صعوبة تحقيق انتعاشة اجتماعية واقتصادية بعد انتقال سياسي ناجح نسبيا. فالاقتصاد هو العامل المحدد لنجاح أو فشل أي ديمقراطية ناشئة، كما ينبه إلى ذلك الكثير من التونسيين. وقد أظهرت الاحتجاجات الأخيرة في تونس أن مشاكل البطالة والفقر وانعدام الفرص يمكن أن تثبط العزائم بالرغم من اتساع رقعة الحرية.

لا تدل المستجدات في تونس أن الانتعاشة الاقتصادية والاجتماعية ستتحقق قريبا. والمسؤولية في ذلك تقع في معظمها على كاهل الطبقة السياسية التي تدير شؤون البلاد أو تؤثر في سيرها. مع ذلك، ما زالت هناك تساؤلات مطروحة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الغرب تجاه هذا المنعطف الذي تعيشه تونس، أكثر من مجرد تكراره لمواقفه المبدئية المساندة للانتقال الديمقراطي.

منذ فترة وحتى قبل الجائحة، خفت الحديث عن خطط مارشال يدعمها الغرب. سنة 2011، قال مسؤول أوروبي رفيع المستوى إن دول “الربيع العربي” اختارت الوقت الخطأ كي تثور. وفي تونس بإمكانه اليوم أن يقول إن المتظاهرين من الشباب ما زالوا عازمين على اختيار الوقت غير المناسب بالنسبة إلى أوروبا للاحتجاج. فظروفهم لا يمكن أن تنتظر استعداد أوروبا للمساعدة. وإذ هم يحتجون، تواجه البلاد مخاوف من الفشل الاقتصادي وعدم الاستقرار الاجتماعي.

وإذا أصغى المرء إلى كلام التونسيين على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يُخيل له أنه يسمع أصداء خافتة لكلام البعض في الغرب في الثمانينات عن ” انهيار تونس”. لكن الأمور مختلفة اليوم. فليس الغرب هو من يتحدّث بهذه الشاكلة. بل هم التونسيون المعبّرون عن خيبة أملهم ومخاوفهم من المخاطر التي ينطوي عليها سيناريو استمرار الاقتصاد في الانحدار.

بشيء من المبالغة، يحاول التونسيون جذب انتباه السياسيين إلى ضرورة التحرك والخروج من سلبيتهم قبل أن يصبح الوضع أكثر سوءا. اليوم بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، يشعر التونسيون بالخوف على سيادة بلادهم التي يتوجسون من وقوعها رهينة للدائنين الأجانب.

وسوف نبقى ننتظر كي نعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة والغرب قادرين على تطوير مفاهيم جديدة حول كيفية مساعدة تونس، والبلدان ذات الأوضاع المماثلة، في انتقالها الديمقراطي، والتغلب على عثرات الركود الاقتصادي وما يصاحبها من بطالة وفقر وتداين مطّرد.

من الأكيد أن جميع أنحاء العالم تواجه جائحة مخيفة ترافقها مشاكل اقتصادية لم يسبق لها مثيل. ومن المؤكد أن المبادرات الكبرى ستتأجل إلى حين انقشاع غيوم الأزمة الصحية.

حتى وإن كان الحديث عن التضامن الدولي يبدو طوباويا نوعا ما في الظرف الراهن، فإن على أوروبا، على وجه الخصوص، أن تفكر في استثناءات لمعالجتها لتبعات الجائحة من منطلقات وطنية محضة، في الوقت الذي تسعى فيه تونس (وعدد من جيرانها جنوب البحر المتوسط) بجهد جهيد لإيجاد طريق لضمان حصولها على كميات كافية من التلاقيح في آجال معقولة.

وحتى على المدى القصير، فإن لدى أوروبا ما يدعوها إلى القلق إزاء تأثير الوباء في شمال أفريقيا على الهجرة غير الشرعية والاستقرار الإقليمي.

وبعيدا عن الأزمة الصحية، تمتلك تونس ما يكفي من الإمكانيات، وخاصة على صعيد الموارد البشرية، والمرونة الكافية لرفع التحديات والتعافي اقتصاديا واجتماعيا، إذا ما وعت طبقتها السياسية بأنها جرّت البلاد إلى مسافة غير بعيدة من حافة الهاوية. وإذا فكر السياسيون مليا، فهم سوف يكتشفون أن محرك الاضطرابات في تونس اليوم، أي شبابها المحتج، يمكن أن يكون هو نفسه المحرك الرئيسي لانتعاشها ونموها.

وإذا واصلوا التفكير مليا، سيدركون أن الحديث عن “سقوط تونس أو انهيارها” لا يقصد منه التونسيون إلا دق جرس إنذار لمن هم من المفروض أن يكونوا حرس البلاد ولكن أخذتهم غفوة.

وعندما تعود النخبة الحاكمة إلى رشدها، ستجد أن أصدقاء تونس مستعدون لتقديم يد المساعدة لها، ربما حتى أكثر مما تتصور.

4