رغيف الدم وجبة الطفولة العربية

الخميس 2015/03/12

قبل حوالي العام كنت أدرس دورة حول الإعلام المرئي في القاهرة، وفي يوم قاهري مزدحم تناهى إلى سمعي صوت تظاهرة “إخوانية” كانت واضحة فيها هتافات أطفال بكل ما فيها من براءة وهي تردد شعارات انتهازية مع كبار لم يترددوا بكل السوء الإنساني في توظيفهم من أجل الوصول إلى غاياتهم، وحين ألقيت نظرة على التظاهرة كان أولئك الأطفال يرددون بأعلى أصواتهم “بالطول بالعرض نفديك يا ريّس″، استفزني ذلك لمعرفة ما يجري والتحقق من دور صغار في أعمال كبار، فأوحى لي ذلك بإجراء استطلاع يتمحور حول مفهوم الثورة لدى الأطفال خلال الربيع العربي.

اتجهت بفكرتي الاستطلاعية في اليوم التالي إلى ميدان التحرير وشوارع القاهرة المزدحمة لالتقاط عينات عشوائية من الأطفال والغوص في فكرتهم عن الثورة ومتغيراتها، فكان أن التقيت بكثيرين سألتهم عن مدى فهمهم للثورة والحياة في ظل الأوضاع الراهنة، فأجابوني إجابات ذات قاسم مشترك ينتهي إلى ما يتلقونه من البيت في تفسير الواقع، وأن كل ما يفعلونه من مشاركة في التظاهرات يهدف إلى توفير رغيف يأكلونه، وذلك يضعنا أمام حقيقة سلبية وهي أن البيت لم يوفر المناعة والحماية العقلية لاختراق واحتراق براءة هؤلاء الصغار وطفولتهم، وإنما عمل على دمجهم في الواقع بكل قسوته وعنفه.

وذات الرغيف كان القاسم المشترك الأعظم في إجابات أطفال التقيتهم في عدة مواقع لأسر فقيرة ومتوسطة الحال وسألتهم ذات الأسئلة، وكانت إجاباتهم بعيدة عن الوعي بالمضمون الثوري وفكرة الثورة لديهم، وكل ما يتحرك لأجله الفقراء ينتهي إلى الحصول السلس على الرغيف الذي لا يتوفر لهم، في وقت لا يوجد فيه عمل لكبير أو صغير كما في السابق، فذاك الطفل يقول بأن والدته كثيرة المشاكل مع والده الذي أصبح عاطلا بعد أن تباطأ العمل السياحي ولم يعد ذا دخل كاف كما في السابق، فيما يبحث الميسورون كحال طفل التقيته خارجا من نادي الزمالك، عن اللعب بأمان بعيدا عن الرصاص، وذلك الذي تخاف والدته من ذهابه إلى المدرسة خوفا عليه من عيار طائش من هنا أو هناك.

بين الرغيف والثورة علاقة اخترقت عقل الأطفال وأنتجت ثقافة بديلة أزاحت البراءة من قاموسهم ووجدانهم، وحصلنا على تشويه مريع للطفولة العربية في حالة أشبه بزيادة النار للطبخة الوجدانية والعقلية، بدلا من نار تربوية هادئة تعمل على نضجهم، فاحترقت ذواتهم بمرارات الواقع الذي صنعه الكبار بأخطائهم وسوء تقديرهم للمسؤولية، فوعي هؤلاء الأطفال أصبح مشحونا بمفاهيم أكبر من عمرهم ومتجها صوب الرغيف الذي ينبغي ألا يكون هاجسهم، وإنما إدراك الدنيا من حولهم والتمتع بالحياة والتنشئة الخالية من العنف والدم والموت والجوع والمرض، وأن يكون أكثر تركيزهم في محصلتهم الدراسية.

المشهد المأساوي بقتل أطفال من خلال رميهم من سطح بناية والذي كان بطله محمود رمضان يؤكد أن استغلال الأطفال في محرقة العنف والموت بعد أن كان بعضهم يهتف في المظاهرات، أصبح من سمات مرحلة اجتماعية سيئة لا يتردد فصيل سياسي منبوذ مثل الإخوان، في تقديمهم لمعركة ليست لهم، ثم قتلهم تاليا حينما لم يستجيبوا لهم أو عارضوهم أو رفضوا سلوكهم، حتى أن كثيرين منهم تتملكهم قناعة مكتسبة من الواقع يعبرون عنها بقولهم “الإخوان وحْشين”، ففي الحالة الأولى تم الدفع بهم إلى ميدان صراع قاتل، وفي الثانية جعلوهم وقودا لحراكهم السلبي لتعكير الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ذلك ينقلني إلى ما حدث أخيرا في العراق بإعدام طفل من قبل المليشيات الشيعية لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره رميا بالرصاص في محافظة ديالى، وكان حينها موثوق اليدين، وتم ذلك في مكان مجهول بعد تعذيبه من قبل الذين أعدموه وبرروا ذلك بأنه شارك في عمليات ضد المدنيين والجيش العراقي، وهنا نضع المئات من علامات التعجب حول رمي الطفل بالرصاص وتوثيق يديه والزعم بمشاركته في عمليات قتالية.

وجود هذا الطفل في حالة تنتهي به إلى ما انتهت به من الرمي بالرصاص خطأ إنساني فظيع، فمقعده في هذا العمر في فصله الدراسي، ولكننا أمام اختراق كامل للطفولة العربية يكشف عن تغييب وغياب للدولة والمجتمع وأجهزتهما عن حماية تلك الطفولة من اختراقات الواقع العدائية والعنيفة، أولئك يخرجون بحثا عن الرغيف وذلك في الواقع ليس مهمتهم، وهؤلاء يشاركون في قتال أكبر من بنيتهم النفسية والعقلية والجسدية، لنحصل في خاتمة المطاف على صغار لم يجدوا العائل المنطقي لهم، وهم في مواجهة الموت والخراب في مجتمعات لم تعد تشغل نفسها كثيرا بحماية أطفالها من الاستلاب الدموي، وقبل أن يأتي الطوفان لابد من الحد من هذا الانهيار الإنساني، لأننا سنظل نحصد صغارا يكبرون على مزاج متصالح مع الدم والموت.


كاتبة سعودية

9