"رفات فراشة" قصائد النور وظلاله

بين الوعي الحاد والانسياب المرن تتشكل قصيدة النثر المعاصرة، وبين هذين المتناقضين تغدو ممارسة تشكيل القصيدة أشبه بالمشي على خيط رفيع بين هاويتين، لذا قليلون هم الشعراء الذين تمكنوا من ترسيخ هذا التوازن وتفادي السقوط من علياء الشعر.
السبت 2016/04/02
نصوص المجموعة كتلة واحدة في الحيز اللغوي الواحد

ترتب خلود شرف عبر كتابها الشعري الأول “رفات فراشة” الكلمة على لحظات وقعتها الأولى، محاولة إشهارها في بياض عاصف عبر أنساق لغوية لا تهدأ من تحريك النص وإشعاله بالصور التي تحتشد على طرفي القصيدة، تعيد الكلمة إلى جذرها وشفرتها الأولى، دون أن تغوص فيها أو تمتحنها ظنا منها وصلوها السليم الآمن إلى المتلقي، ودون الرجوع إليها، وهي في أقصى صورتها البلاغية الكثيفة.

إن كتابة الشاعرة في ديوان “رفات فراشة”، الصادر عن دار التكوين بدمشق 2016، هي كشف دائم عن التجربة الذاتية للأنثى في ذروة انتمائها ووجودها المقيدين بوجود الرجل/ الظل المقابل، حيث تخوض الأنثى من أجله جل معاركها وتهتك مصيرها. “موصد باب بيتي الخشبي/ ظلي من كان/ يفتح لي ويستقبلني”.

في الكتاب سنلحظ كم تتماهى الأنثى مع نقيضها أو شريكها الذي هو في الحقيقة عدوها ومربط قدرها، إنها تلعن وحدتها بغياب الرجل في اللحظة التي “يذوب شعرها بين يديه”، وتناديه في صحراء وحشتها، لكن ما يهم أن خلود شرف لا تكترث بتقنية القصيدة بشكل كبير، فاللغة لديها تسير وفق منظومة واعية من أحاسيس وعواطف تخبئها الشاعرة كيفما أرادت في النص، حيث لا تتوقف عن الإصغاء إلى الأصوات المتسربة من حركة “الشعور” المتأهبة حيث الأنا الواقفة على تماس من “الهو” الغائب في حضور كثيف الملامح والتحول، تقول الشاعرة “لا ليس شعراً ما قلته/ ولا أنت من قاله/ كان الطفل الذي اعتلى التل/ ونزل مرارا يقطف التين عن صدر أمه/ وما شبع حليباً من ثدي”.

هذا التحول المرهف في تشكيل الصورة الشعرية التي تتخلى في بداية كل مقطع عن إغراءات اللغة وملحقاتها المعجمية ومناخاتها المتواترة، إنها تصغي إلى إيقاع التعبير المفتوح المتداول ذي المهام السهلة العابرة، وكل ذلك رغبة في توضيح التجربة الشخصية الخاصة جدا وإيصال لغتها إلى أبعد فضاء وأقرب رجل إلى نفسها.

في النصوص القصيرة التي شغلت معظم الكتاب نعثر على مناخات مغايرة ومتضادة، سواء في الشكل أو في البنية، إذ كلما اقتربنا من العمق سنعثر أو نتعثر بالصخور البلاغية، والتي تثقل النص وتكبله، كل ذلك في رغبة لتستولي الموسيقى على زمام اللغة، وتفتح الأبواب الخارجية الخلفية للمعنى، فتتبعثر الكلمات وتتوزع هنا وهناك دون رادع أو كبح، تعاد المفردة إلى حضن معناها الأولي ودلالتها، ففي كل جملة هناك خسارة للمعنى، وإن كنا نرى ذلك بعيون مغمضة، حينما تتقلب الصور ضمن لوحات أو موضوعات وأفكار مبعثرة ليس لها حاضن سردي واضح، فالمرارة ووحشة الغياب وانشغالات الرجل الذي يحضر ويغيب في القصيدة كضيف غير مرغوب فيه، كل ذلك يأتي في أجواء متناقضة ومختلفة تشي بالكثير من العتمة الشعرية على باقي النصوص الطويلة، ومع هذا تبقى المتعة سارية في التدفقات اللغوية، في ذلك التخاطب المرن بين الذات الشاعرة ومتلقيها الغائب، غائب يحضر بجسده الشعري وصمته اللغوي ومناجاته الدائمة.

تقول الشاعرة “هذا العالم أنا../ تناولته بكوب فغرق./ هذا الغيم ليس ماء/ إنها روحي أطالت في الحب فسبحت/ هذا النهر ليس حكمة./ إنه أنا تأملته كثيرا فصرت صفصافة./ هذا البرد ليس بردا/ إنه يوم فقد شمسه”.

ما يهم في كتابة خلود شرف هو الشغف بالتشكيل الصوري والتقاسيم البلاغية المرافقة، فكل قصيدة هي طريق لقصيدة أخرى، قصيدة تبنى على قصيدة، في إتقان للتجربة الحسية التي تتلقى دعما من المخيلة النشطة والذاكرة التي ترغب في إفشاء كل الحيوات التي عاشتها الشاعرة وحافظت عليها مخفية ومستورة كأثر جمالي.

نصوص المجموعة كتلة واحدة في الحيز اللغوي الواحد، فالشاعرة تقتسم ثروتها لنفسها حتى وإن استولى القارئ على جزء منها، لكن رغم القسمة غير العادلة بين الشاعرة ومتلقيها، نجد تجليات لنصوص قادمة أكثر وفرة وثراء و إمتاعا.

كتابة خلود شرف قريبة من شعرية البوح، ولا سيما العودة إلى الماضي والنهل منه في محاولة لترميم الحاضر وتدعيمه ذهنيا، فكل كلمة لها مشغل وحركة وهواجس وأحاسيس منفلتة ومسربة، وكل صورة هي كتلة حياة يدور حولها العالم، وتتفرع عنها حيوات أخرى أكثر حركة وتشكيلا ورهافة.

17