رفاعي طه انطلق من مصر إلى العالمية يرافقه لقب "شيخ الإرهابيين"

الأحد 2016/05/01
رفاعي طه شيخ الارهابيين

القاهرة - ربما لا توجد عبارات مناسبة لوصف رفاعي طه سوى ما يتردد في بعض الأروقة الجهادية والأمنية على حد سواء، ألا وهي أنه شيخ الإرهابيين.

الرجل الذي لقى مصرعه في سوريا على أيدي القوات الأميركية مؤخرا، عاش حياته وفيا لمبدأ واحد لا يتغير وهو العنف، حيث آمن بعمق أنه الحل الوحيد لكل المشاكل التي يواجهها الإسلام في بلاد العرب.

لذا يصنف رفاعي طه في أدبيات الأجهزة الأمنية بأنه واحد من أكثر الإرهابيين شغفا بالعنف والدماء، حيث شارك في عشرات العمليات بمصر وغيرها.

حينما أعلن عدد من قادة الجماعة الإسلامية في السجون المصرية مبادرتهم الشهيرة لوقف العنف في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، وأفرج بموجبها عن عدد كبير منهم، كان رفاعي طه أبرز الرافضين للمبادرة.

وقتها كلفه موقفه هذا، عزله من رئاسة مجلس شورى الجماعة، لكن ذلك كان أهون عليه من التخلي عن مبدئه الذي شرّع كل عمليات خروجه على القوانين الوضعية، والمبادئ الإنسانية ليقتل ويروّع الآمنين بدعوى الانتصار لشرع الله.

مهمة رفاعي المعلنة التي سافر من أجلها إلى سوريا، كانت تقريب وجهات النظر بين جبهة النصرة التي تعتبر فرعا من أفرع تنظيم القاعدة في سوريا وجبهة أحرار الشام، ما يكشف حجم النفوذ الذي امتلكه الرجل وسط الحركات الجهادية للدرجة التي تؤهله للتوسط والصلح بين الفصائل المتناحرة.

رمز عالمي للمتطرفين

مكانته المميزة داخل الجماعة الإسلامية انعكست في الكلمات التي صيغ بها البيان الذي أصدرته الجماعة لنعيه والذي اعتبر رفاعي طه “رَمزا عَالميا، حظيَ بِثقةٍ عاليةٍ من كثيرٍ من الحركاتِ الإسلاميةِ والتَحرريةِ في مصر والعالم الإسلامي”.

لكن بعيدا عن الادعاء الرسمي لقادة الجماعة الإسلامية، تردد أن طه سافر إلى مسرح العمليات في مدينة سرمدا شمالي إدلب السورية لقيادة عدة تنظيمات مسلحة في عمليات ضد قوات بشار الأسد، وهو ما نفته قيادات بالجماعة الإسلامية .

اكتفى عاصم عبدالماجد القيادي الهارب من مصر بالجماعة الإسلامية بالتغريد عبر حسابه على موقع التواصل تويتر، قائلا عبارة مبهمة تحتمل الكثير من المعاني مفادها أن رفاعي طه “كان في مهمّة بسوريا”.

في كل الأحوال، ما يمكن الخروج به أن وجود رفاعي في سوريا في حد ذاته بميوله المعروفة نحو العنف أمر أثار الشكوك في دور ومكانة الجماعة الإسلامية في الأزمة السورية.

قادة الجماعة الإسلامية في السجون المصرية حين أعلنوا مبادرتهم الشهيرة لوقف العنف في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، وأفرج بموجبها عن عدد كبير منهم، كان رفاعي طه أبرز الرافضين للمبادرة

في الحقيقة لم يكن رفاعي طه ممن يستخدمون لسانهم بنفس الغزارة والأريحية التي يستخدم بها سلاحه، حيث كانت يده تسبق عقله في أغلب الأوقات، وهو ما أهّله عن جدارة لنيل اللقب المحبب والذي اشتهر به في مختلف الأوساط وهو شيخ الإرهابيين.

ربما جاء موته في قصف جوي للطائرات الأميركية، ليعطي نكهة إرهابية خاصة، على غرار ما تميزت به حياته، حيث كشفت مصادر قريبة من الجماعة الإسلامية أن هناك رغبة لدى بعض التنظيمات للثأر له.

إذا صدقت هذه التسريبات يكون رفاعي طه واحدا من قلائل سببوا إزعاجا للولايات المتحدة حيّا وميتا، حيث كان ضمن أكثر القادة العسكريين للجماعات الإرهابية راديكالية طوال حياته، كما أن مصرعه قد يفتح على القوات الأميركية في سوريا أبواب جهنم للانتقام.

لم يبق إلا السلاح

آخر ظهور تليفزيوني لرفاعي طه كان في نهاية عام 2014، حين شدد في لقائه مع الإعلامي معتز مطر على إحدى القنوات الإخوانية التي تبث من تركيا أنه “إذا لم يتبق إلا السلاح لإسقاط السيسي. سنحمله لإسقاطه”.

التشدد الذي لا يقبل المفاوضة أو الإقناع يقود إلى البحث في سراديب شبابه المبكر حول أسباب تطرفه المبالغ فيه، مقارنة بما آل إليه حال الكثير من أقرانه الذين تركوا طريق الجهاد المزعوم، بعدما أعادوا التفكير فيه.

ولد رفاعي أحمد طه عام 1953 بمحافظة أسوان جنوب مصر، لكن بدايته الحقيقية مع التطرف كانت بعد التحاقه بكلية التجارة في جامعة أسيوط بصعيد مصر، التي شهدت مولد الجماعة الإسلامية، قبل بقية جامعات الوجه القبلي الممتدة من بني سويف وحتى أسيوط وقنا.

في ذلك الوقت من عام 1971، كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قد تخلّص لتوّه ممن أسماهم مراكز القوى التابعين لسلفه جمال عبدالناصر، وبدأ التفكير في محو ما عرف بالناصرية من عقول الشباب الذين تأثروا بالرئيس السابق.

استعان السادات بمحافظ أسيوط محمد عثمان إسماعيل لتنشيط الوعي الإسلامي عند الطلبة ودعم الطلاب ذوي الميول الإسلامية لمواجهة طلاب التيار الناصري، وهو ما مثّل بداية تكوين التنظيمات الإسلامية المتشددة في جامعات الصعيد.

في أتون الصراع الذي يمكن اعتباره عقائديا وفكريا نمت تصورات رفاعي طه، مع رهط من أقرانه آمنوا أن السبيل الوحيد للتفوق على الناصريين، ورفع كلمة الإسلام في الجامعة هو العنف لإرهاب الخصوم ودفعهم للانزواء.

رفاعي طه يعتبر من جيل المؤسسين بالجماعة الإسلامية، وشارك في تأسيسها قبل أن تتحول إلى تنظيم، وتم القبض عليه عقب اغتيال الرئيس السادات عام 1981 واتهم في قضية تنظيم الجهاد الكبرى، وحكم عليه بالسجن.

لاحقا لم يستطع أو لم يرغب رفاعي طه في التخلي عن تلك القناعة، رغم أن الأمر دان بعد ذلك بسنوات قليلة للجماعات الإسلامية وحدها دون أيّ منافسة مع أيّ تيار مناوئ، وهو ما قد يفسر بأن الرجل ذاق حلاوة التفوق التي يجلبها العنف فلم يرغب في تذوق غيرها.

يعتبر رفاعي من جيل المؤسسين بالجماعة الإسلامية، وشارك في تأسيسها قبل أن تتحول إلى تنظيم، وتم القبض عليه عقب اغتيال الرئيس السادات عام 1981 واتهم في قضية تنظيم الجهاد الكبرى، وحكم عليه بالسجن.

جهاد دولي

ماهر فرغلي الباحث في شؤون الحركات الجهادية الذي سبق له لقاء الجهادي الأكثر عنفا بمنزله في المنيا يقول لـ”العرب” إن رفاعي طه أول من أطلق ما يسمى “إذاعة صوت الخلافة الإسلامية”، وهى إذاعة المساء في زنازين السجون.

كما كتب بحثا عن “وجوب العمل الجماعي والسمع والطاعة للأمير”، خلال سجنه 7 سنوات بعد ثبوت تورطه في قضية اغتيال السادات وتنظيم الجهاد.

أضاف فرغلي “عقب هروبه من السجن التقيت رفاعي مجددا في المنيا يوم زواجه من شقيقة الدكتور حسن طه، الذي قتل فيما بعد خلال أحداث العنف المتواصل التي شهدتها مصر في عقد التسعينات من القرن الماضي”.

بعد الفرح أخذ عروسه وهرب بها من ملاحقات الشرطة، ولم نره أبدا بعد ذلك سوى في فيديو مصور بعنوان “خالد الإسلامبولي بطل المنصة”.. كان يتحدث فيه وهو يحمل السلاح، مهددًا الرئيس المصري (الأسبق) حسني مبارك بالقتل.

كشف ماهر لـ”العرب” أن رفاعي خطط بالفعل لاغتيال مبارك 6 مرات تقريبا أبرزها عملية مطار سيدى براني بمرسى مطروح، التي كادت تنجح، وعملية أديس بابا بإثيوبيا عام 1995.

كان طه يحظى بمكانة كبيرة بالجماعة الاسلامية، حيث وصل إلى منصب رئيس مجلس شورى الجماعة في التسعينات من القرن الماضي وهي الجهة المنوط بها اتخاذ القرارات الخاصة بالجماعة.

مع إطلاق مبادرة وقف العنف من جانب الجماعة الإسلامية بمباركة عمر عبدالرحمن الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية، المسجون مدى الحياة في الولايات المتحدة حاليا، لدوره في هجمات عام 1993 على مركز التجارة العالمي في نيويورك، أعلنت الجماعة التوقف النهائي عن العمليات العسكرية عام 1999 وهو ما رفضه رفاعي طه وتمسك باستخدام القوة والقتال، في مواجهة الأنظمة التي لا تحكم بالشريعة، ما أدى إلى عزله من رئاسة مجلس شورى الجماعة.

واقعة قد تفسر الكثير من شخصية رفاعي طه وتهوّره البالغ، حيث قفز من قطار الترحيلات أثناء نقله إلى السجن، ليهرب بعد مرور 5 أعوام فقط من حكمه البالغ 7 سنوات، لكنّه دفع ثمن هروبه المتهوّر عاهة مستديمة في يده اليمنى.

ماهر فرغلي الباحث في شؤون الحركات الجهادية، الذي سبق له لقاء الجهادي الأكثر عنفا بمنزله في المنيا، يقول لـ"العرب" إن رفاعي طه أول من أطلق ما يسمى "إذاعة صوت الخلافة الإسلامية"، وهي إذاعة المساء في زنازين السجون

بعد خروجه من السجن تنقل رفاعي بين عدة دول، من بينها أفغانستان والتي كان للجماعة الإسلامية المصرية معسكر فيها في فترة الثمانينات، خلال المشاركة فيما عرف بالجهاد الإسلامي ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان.

يعتبر رفاعي طه أحد مؤسسي تنظيم القاعدة، فقد شارك بالتوقيع علي بيان الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبين عام 1998 والذي تحوّل فيما بعد إلى تنظيم القاعدة .

علاقته بالتنظيم بدأت بعد عزله من رئاسة شورى الجماعة الإسلامية، حيث اقترب بشدة من أيمن الظواهري وأسامة بن لادن، خلال فترة وجوده بالسودان التي استقر فيها لفترة كبيرة في التسعينات، والتقي هناك العديد من القيادات الإسلامية من العالم كله .

في أحد حواراته الصحفية أرجع رفاعي طه الفضل في اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وبقية ثورات الربيع العربي إلى أسامة بن لادن وعمليته الشهيرة في 11 سبتمبر عام 2001، بضرب برجي مركز التجارة العالمي، واعتبر أن مقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لم يكن سوى محاولة لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة.

الخلاف الرئيسي بين رفاعي والظواهري أن الأول يرغب في إقامة دولة إسلامية في مصر، بينما يسعى الثاني لنشر الجهاد على مستوى العالم.

يشرح طه رؤيته قائلا “إن بن لادن والظواهري يريان حاجة لإقرار العدل في العالم، لكن الجماعة الإسلامية هدفها إقرار العدل في مصر”.

وحول إذا كانت أفكاره متطابقة مع أفكار تنظيم القاعدة يقول “نفس الأفكار عندما يكون هناك نظام مستبد، مثل أيّ شعب في العالم يقاوم الاستبداد”.

مذبحة السياح

رغم الأدوار المتنوعة التي قام بها رفاعي طه في التنظيمات الإسلامية المتطرفة، ودوره داخل الجماعة الإسلامية على النحو الذي ذكرناه، فإنه لم يتحول إلى شخصية عامة إلا بعد 20 عاما من البداية.

عقب دوره في مذبحة السياح الأجانب بمعبد حتشبسوت بمدينة الأقصر 1997، أصبح رفاعي طه من الإرهابيين المرموقين الذين تبحث الصحف والفضائيات عن أخبارهم، وتتابع تصريحاتهم وتحركاتهم، لما ظهر من خطورته.

شيخ الإرهابيين لم يكن ممن يستخدمون لسانه بنفس الغزارة والأريحية التي يستخدم بها سلاحه، حيث كانت يده تسبق عقله في أغلب الأوقات، وهو ما أهله لأن يحتل موقعا متقدما في صفوف الإرهابيين

يعتبر حادث الأقصر إحدى المحطات المهمة في حياة رفاعي أحمد طه، خاصة بعد صدور كتابه “إماطة اللثام عن بعض أحكام ذروة سنام الإسلام” الذي تضمن اعترافًا وتبريرًا للمذبحة التي صدر ضده فيها حكم بالإعدام، لكن تم الإفراج عنه عقب ثورة 25 يناير 2011، بموجب قرار إفراج أصدره الرئيس الإخواني محمد مرسي.

تفاصيل أحداث المعبد بدأت في الساعة الثانية عشرة ظهرا يوم 17 نوفمبر 1997، حيث هاجم 6 إرهابيين مسلحين بأسلحة نارية وسكاكين يرتدون زيًا أمنيًا، مجموعة من السياح في معبد حتشبسوت بالدير البحري، وقتلوا 58 سائحًا خلال 45 دقيقة.

خرج رفاعي طه ليعلن مسؤوليته والجماعة الإسلامية عن الحادث، ليعيد الجماعة إلى قلب المواجهة مع النظام والأجهزة الأمنية مجددا، وينسف مبادرة وقف العنف التي لم يكن الحبر الذي كتبت به قد جفّ بعد.

الخلاصة أن رفاعي لم يكن يرى أيّ حل لمشكلة الجماعة، وإطلاق حريتها في الدعوة إلا باغتيال رأس النظام، لذا أقام معسكر تدريب أطلق عليه “معسكر الخلافة” في أفغانستان.

بعد تولي القيادي الإخواني محمد مرسي رئاسة الجمهورية عام 2012 دعا رفاعي طه كل الإسلاميين إلى الاحتشاد خلفه لإتمام المشروع الإسلامي، وقال إن مرسي “يطبق حكم الله في الأرض”.

قال رفاعي طه، آنذاك إن الجماعة نبذت العنف لأن الحكم الإسلامي تحقق الآن لكنهم مستعدون لحمل السلاح من جديد للدفاع عن مرسي وهم ملتزمون في نهاية الأمر بتطبيق الشريعة بشكل كامل.

أضاف طه، أن هناك حرية الآن لذلك لا حاجة للعنف، لكنه حذر من يحاول الإطاحة بمرسي بأنه سيواجه بالعنف.

شارك في اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة، عقب عزل محمد مرسي، وكان دائم التحريض على العنف، وينسب له البعض المقولة الشهيرة “ها نحرق مصر” حال عدم عودة مرسى إلى سدة الحكم التي خرجت من ميدان رابعة واعتبرها كثيرون سبب التفكير بالإسراع في فض الاعتصامين من قبل قوات الجيش والشرطة في 14 أغسطس 2013 قبل أن يتحولا إلى بؤرة متفجرة.

اختفى رفاعي بعد فض الاعتصامين، وهرب إلى السودان ومنها إلى تركيا، ثم استقر به المقام في سوريا، التي لقي فيها مصرعه ليرحل ومعه سره وسبب وجوده هناك، رحل وبقيت الدولة المصرية التي نذر أعوام حياته الـ63 كلها لإسقاطها.

8