رفاهية الحوار العربي في زمن الحرب

الأربعاء 2015/06/17

تواجه الدول العربية، بنسب مختلفة، هزات كبرى قد تنتهي ببعضها إلى التقسيم والفشل، ومع أن المصاب جلل، لا يزال النقاش بين مختلف الفرقاء أو القوى الفاعلة على الأرض محدودا بأطر فهم قديم لطبيعة الصراع، حيث الاتجاه نحو مزيد من الابتعاد حتى لو كان ذلك سيؤدي إلى انهيار كامل للدولة القُطْريّة، وبمعنى أدق هناك رفاهية في الحوار العربي على مستوى اللقاءات، بما فيها تلك التي تشرف عليها منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، لا يتناسب أو يقترب أو يبحث بجدية عن حل لما واقع على الأرض، حيث الحرب الأهلية قد بلغت ذروتها، بل في بعض الحالات تحولت إلى نار ستشعل الدول المجاورة في المستقبل المنظور.

تلك الرفاهية في الحوار، التي هي ميراث شرعي من أزمنة السلم، لا تكشف فقط عن ضبابية في الرؤية، وإنما تبيّن دخول العرب مرحلة جديدة، متأثرة بالماضي بما في ذلك فترة الاستعمار، ليست ذات صلة بالنهضة ولا حتى بالاستجابة لإشراف الآخر الخارجي على مسار التحول من منطلق الحفاظ على الحدود الدنيا من شروط ومتطلبات البقاء، الأمر الذي عمّق الخلاف بين النظري وبين الميداني العملي، مع أن الذين يجتمعون حول طاولة الحوار هم أطراف أساسية في الحرب، ويتحمّلون مسؤولية الأوضاع الراهنة.

وإذا كان من الصعب إعطاء حكم عام حول الأحداث الجارية في دولنا العربية، خاصة تلك الموسومة بالدماء، فإن العنف لم يعد فقط من تلك الجماعات الإرهابية التي عاثت، ولا تزال، في الأرض فسادا، وترفض الحوار مع الحكومات، أو أن هذه الأخيرة ترفض الحوار معها باعتبارها جماعات خارجة على القانون ومتمردة على النظام العام، إنما أصبح سمة عامة لأولئك الذين يجتمعون من أجل إيجاد حلول عملية لأحداث، أقلها توقيف الحرب الأهلية في هذه الدولة العربية أو تلك.

صحيح أن العمل العسكري هو الذي يحدد مصير الفعل السياسي أو عملية التفاوض، لكن هذا في حقيقته يعود إلى الحرب مع عدو خارجي، وليس بين فرقاء داخل الوطن اختلفوا حول تسييره، حتى لو تعلّق الأمر بصلة ظاهرة أو خفية مع قوى خارجية لها امتدادها في الداخل سواء من ناحية التأثير الديني أو المذهبي أو العرقي، أو من ناحية التحكم الاقتصادي (المساعدات، القروض، إقامة مشاريع تنموية.. إلخ).

في التجارب العربية الراهنة، والتي أصبحت مزعجة لكثير من دول العالم والهيئات الدولية وبوجه خاص الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تطغى رفاهية الحوار على عملية التفاوض، والأمثلة كثيرة، لدرجة غدت الحالة العربية بالنسبة إلى عدد من المراقبين مجالا للدراسة لتحديد مسألتين، الأولى؛ خلفيات وأسباب تفكك الدولة الوطنية من خلال تصارع القوى الداخلية، والثانية الرؤى السياسية للحكومات والجماعات ومدى قدرتها على التعايش محليا ودوليا.

لنضرب هنا أمثلة عمّقتها محن الزمن وآمال التغيير ودكتاتورية بعض الأنظمة وسفاهة القوى السياسية وعنف الجماعات المتطرفة، لنكتشف الفروق بين حالة الخوف العامة والشعور باليأس داخل المجتمعات، وبين تصورات السياسيين عند جلوسهم حول طاولة الحوار وتقديمهم لخطاب استهلاكي، يثري المتابعة الإعلامية لارتباطه بالحدث، لكنه لا يعمّر طويلا، كونه غير مؤسس على مواقف ثابتة تبحث عن حلول عملية للأزمات، أو على الأقل تقلل من نتائجها السلبية.

من الأمثلة على رفاهية الحوار التي تحولت إلى مأساة، الحوار بين الحكومة السورية وبعض من معارضيها في جنيف، حيث لم يكن هناك مسعى للخروج من الأزمة، إنما تركز النقاش حول “من يحكم من؟”، أي كيفية المحافظة على السلطة من طرف النظام، أو الاستيلاء عليها أو تسليمها للمعارضة.

مثال آخر، نراه جليًّا في المأساة الليبية، التي لم تعد أرضها الواسعة قادرة على استيعابها، ولا السياسيين اللبييين مؤهلين للإشراف عليها، وبين تدخل دول الجوار وفرض أجنداتهم الخاصة، وبين مصالح الدول الغربية خاصة دول حلف الناتو، طافت المشكلة الليبية بين دول عدة منها: الجزائر والمغرب ومصر وسويسرا، ومع ذلك لا يزال المتخاصمون مختلفين حول من له الحق في الحكم، دون أن يهتموا بضياع الوطن، وأن قوى الشر المختلفة ستحل بديلا عنهم جميعا.

وهناك المثال اليمني، الذي يمثل أحدث حلقة في مسلسل انهيار الجبهات الداخلية في الدول العربية، وامتداد ذلك الانهيار إلى دول الجوار، فقد كُشف قبل بداية جلسة التفاوض في جنيف عن طريق المفاوض الأممي، تواجد الطرفين الحكومة والمعارضة من أجل المشاورات، مع أن لقاءهما مهمته البحث عن إيجاد حل للأزمة الراهنة بدايته توقيف الحرب على خلفية ما توصَّلت إليه القوى السياسيّة قبل سيطرة الحوثيين على جميع مفاصل الدولة، وهذا يشي بعدم إجراء حوار مباشر والخروج من رفاهية الحوار.

وإذا كان من السابق لأوانه إعطاء حكم على نتائج الحوار بين اليمنيين كونه لا يزال في بدايته، فإن التجارب السابقة داخل اليمن تعطينا فكرة أولية لما سيؤول إليه لقاء جنيف، خاصة بعد أن تحدث بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، عن ضرورة تحقيق هدنة في شهر رمضان، وكأن الهدف هو تجزئة المشكلة اليمنية، وليس العمل على حلّها بشكل مباشر.

مهما يكن فإن التجارب العربية في التفاوض بين الأطراف المتحاربة، سواء أكانت داخل الدول العربية أو خارجها، تكشف على أن وقف الحروب الداخلية (الأهلية) لم يعد أولوية، وأن هناك رفاهية في التفاوض، وأن حسابات السياسيين متناقضة مع مصالح الأوطان والدول، وأن لقاءاتنا في الخارج تعمق مآسينا في الداخل.

كاتب وصحفي جزائري

9