رفاهية المنزل الذكي ترفل فيها الجواسيس

المنازل الذكية المتصلة بالإنترنت تمنح أصحابها الراحة واليد العليا للتحكم في كافة تفاصيل حياتهم، ولكنها مليئة بعدد لا حصر له من المتلصصين الذين يقتفون أسرارهم ويكشفونها للعموم.
الاثنين 2019/01/21
إعجاب رغم الشكوك

أسهمت التكنولوجيا الرقمية في تزويد العديد من المساكن بالخدمات الذكية التي لم يعد من الممكن الاستغناء عنها ولا لأي سبب من الأسباب، وخاصة بعد أن اتخذت تلك الأجهزة صفة “الضرورية” وأصبحت تشكل جزءا مهما من حياة الناس اليومية.

ووجدت معظم أحلام الرفاهية طريقها إلى التحقق على أرض الواقع بفضل تطبيقات الأجهزة الذكية التي أتاحت إمكانية تشغيل الأجهزة الكهربائية وفتح الأبواب عن بعد، وتعديل جهاز رقابة التدفئة أو التبريد، ومعرفة تحركات الأشخاص الموجودين في المنزل في أي وقت من الأوقات.

كما لم يعد القلق يساور الكثيرين حول نسيان إطفاء المطابخ أو المصابيح أو الأبواب الخارجية والنوافذ، وباتت منازلهم محمية أكثر من اللصوص، وحتى الضيوف الثقلاء.

وتلعب شبكة الإنترنت دورا أساسيا وحيويا، في كل بيت مزود بالخدمات الذكية، بحيث يعبر أي أمر يعطيه مشترك في إحدى الخدمات لبيته أولا من خلال الإنترنت، ليتم إرساله إلى الشركة التي تزوده بتلك الخدمة، وهنا تكمن التحديات التي تثيرها اليوم المنازل الذكية أكثر من أي وقت مضى، وهي كيف يمكن للناس أن يحسّنوا حياتهم ويتمتعوا بمختلف أشكال الرفاهية من خلال وسائل التكنولوجيا وخدماتها الذكية، مع الحفاظ على حق الخصوصية الذي وجد منذ فجر الحياة البشرية.

يشير جون سولر، أستاذ علم النفس الأميركي في كتابه “نفسية الفضاء الإلكتروني” إلى أن البشر في حاجة لذات عامة للعيش في العالم الاجتماعي الخاص بالأسرة والأصدقاء، وزملاء العمل، والأقران ولكنهم أيضا في حاجة إلى ذات خاصة، أي إلى مساحة داخلية يفكرون فيها ويعيشون مع مشاعرهم وأفكارهم الذاتية من دون أن يكون هنالك أي تأثير خارجي، مشددا على أن اختفاء أي من الذاتين سيعرض حياتهم للتشويش وعدم الراحة.

وتكمن المشكلة في أن الأجهزة الذكية تجمع البيانات ومن السهل أن تنتشر وعلى نطاق واسع على الشبكة العنكبوتية، وبمجرد أن يعرف أحدهم شيئا ما، فإن بإمكانه أن يعرف أشياء أخرى عن حياة الناس الخاصة.

وهناك نقص صادم في قوانين تنظيم تداول الأجهزة المرتبطة بالإنترنت، وهو ما يتيح لشركات صناعة الأجهزة غير المنضبطة إلى بيع الناس أجهزة ذكية لكنها غير آمنة.

الأجهزة الذكية تجمع البيانات ومن السهل أن تنتشر على نطاق واسع على الإنترنت، وبمجرد أن يعرف أحدهم شيئا ما، فإن بإمكانه أن يعرف أشياء أخرى عن حياة الناس الخاصة

ويتمثل مبعث القلق ليس فقط في حجم المعلومات التي يتم نقلها، وإنما في كم المعلومات التي لا يمكن لصاحب المنزل الذكي تعقبها.

ولا تفوّت شركات الإعلانات أي فرصة لتقتفي أثر وعادات استخدام الناس للإنترنت في كل الأجهزة والهواتف الذكية واللوحية الخاصة بهم والكمبيوتر الشخصي والتلفزيون، لمعرفة أين يذهبون في العادة، ومن أين يتسوقون، وأي نوع من المواقع الإلكترونية يزورون وأي البرامج يشاهدون.

وتم مؤخرا تسليط الضوء على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي الذي خضع لتدقيق شديد بعد الكشف عن حصول شركة التسويق “كامبريدج أناليتيكا” على معلومات عما يصل إلى 87 مليون مستخدم، بدون علمهم.

ومن المعروف ارتباط الشركة بالحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب في 2016، وهناك مزاعم بأنها لعبت “دورا هاما” في فوز الرئيس بالانتخابات. غير أن “كامبريدج أناليتيكا” قالت إنها لم تستخدم أيا من البيانات التي حصلت عليها من فيسبوك في مساعدة أو دعم حملة ترامب.

وحصلت الشركة على البيانات من تطبيق أسئلة نفسية وشخصية طوره الأكاديمي بجامعة كامبريدج ألكسندر كوغان، وجمع التطبيق معلومات من يستخدمونه على فيسبوك ومعلومات أصدقائهم ومتابعيهم على الموقع، بحسب ما كشفته تحقيقات صحافية.

ولكن فيسبوك ليس الشركة الوحيدة التي أساءت لبيانات المستخدمين، ففي عام 2017، دفعت شركة “فيزيو”، المصنّعة لأجهزة التليفزيون الذكي حوالي 2.2 مليون دولار لتسوية قضية رفعتها الوكالة الفيدرالية للتجارة في الولايات المتحدة، بسبب تعمد الشركة بيع أجهزة تلفاز تحتوي على برنامج يسمح بالتعرف على ما يشاهده المستخدمون من دون علمهم.

وبالإضافة إلى ذلك، جمعت “فيزيو” بيانات الإنترنت الخاصة بمستخدمي أجهزتها، وكذلك نقاط الوصول القريبة إلى الإنترنت اللاسلكي (واي فاي) والرمز البريدي. وتداولت الشركة هذه المعلومات مع شركات أخرى لاستهداف المستخدمين بإعلانات مصممة خصيصا.

وفي 2016، كشف قراصنة في مؤتمر “ديف كون” للأمن عن أن جهاز وي فايب للاستخدام الشخصي، الذي تنتجه شركة “ستاندرد انوفاشن”، كان ينقل بيانات المستخدمين للشركة وهو قيد الاستعمال.

واتهمت أيضا شركة “ياهو” في عام 2016 بتسليم بيانات مستخدميها لفائدة وكالات تجسس أميركية، وهو أمر خاضت ياهو بشأنه معركة قضائية لكشف ملابساته.

فتح المجال للتطفل على خصوصيات الناس
فتح المجال للتطفل على خصوصيات الناس 

وفي 2015 نشرت شركة غوغل الأميركية براءة اختراع عن أجهزة ولعب للأطفال يمكن استخدامها للتحكم في المنازل الذكية، ووصفت بأنها “أحد براءات اختراع غوغل المقلقة حتى الآن”.

وابتكر الاختراع الجديد مدير التقييم السريع وجنون العلوم، ريتشارد واين ديفول، في غوغل إكس، والتي تمثل المعمل السري لشركة غوغل.

وتكشف براءة الاختراع كيف يمكن تزويد لعب الأطفال بكاميرات وميكروفونات ومكبرات صوت، ومحركات بالإضافة إلى أجهزة اتصال لاسلكية بالإنترنت.

ويمكن استخدام هذه اللعب في التحكم في سلسلة كبيرة من الأجهزة في المنزل، بداية من التلفزيون وأجهزة تشغيل دي.في.دي، وللتحكم في درجة حرارة المنزل والنوافذ والستائر وحتى الأضواء.

وتمثل تلك الفكرة انعكاسا لفكرة “سوبر توي” اللعبة الخارقة التي جسّدها المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ في فيلم الخيال العلمي AI (اية.آي)عام 2001.

وأثارت هذه اللعب الكثير من الجدل حول الخصوصية التي من السهل أن يتم انتهاكها من خلال مثل هذه الأجهزة القادرة على تسجيل المحادثات والأنشطة التي يمارسها الأشخاص.

وشدد مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، وهي مجموعة بحثية تساعد في توفير الحماية للأطفال في الولايات المتحدة، على أن الأسواق ستقدم فيضا مستمرا من المنتجات التي تكسر الإطار الاجتماعي المعروف، سواء في ما يتعلق بالخصوصية أو الأشياء الأخرى.

لكن هناك من يجد مثل هذه المنتجات الذكية جذابة، رغم أنها تفتقر للأمان وتفتح المجال للتطفل على خصوصيات الناس وأسرارهم، وهذا شيء مقلق حين نفكر في الأجهزة المزودة بنظام الملاحة والذي يمكن أن يتحوّل للتجسس على حياة الناس.

12