رفاه الأثرياء.. لعنة الفقراء

للحياة في كل ركن من أركان أم دنيا طعم خاص يفوح بروائح كد وجد أهله، وهكذا هي سمة حياة أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة بكل أقطار العالم العربي.
الثلاثاء 2018/05/08
"الفقر ليس خطيئة وإنما الخطيئة أن يكون المرء غنيا فيُهين الآخرين"

تطالعنا بشكل يومي أخبار طريفة وغريبة يحاول أبطالها نيل الشهرة وتسليط الأضواء على ما يرتكبونه من حماقة حتى وإن أودت بحياة بعضهم، وتعد المغالاة السمة الملازمة لهم، ومع ذلك هناك من يعجز المرء عن إدراك غايته بالضبط.

 ويظل صنيعه محل حيرة وتشكيك، فليس غريبا ولا مستبعدا أن يرث قط أو كلب أموال طائلة في البيئة الغربية المقدسة للرفق بالحيوان، أو أن يحظى هذا القط المدلل بمنصب رفيع أو أن يجلس كلب وفيّ ببذلته الأنيقة عريسا مبجلا بإحدى البلدات الهندية النائية، غير أن الجديد أن تنفق حفنة من ألاف الدولارات من أجل تهجير هذه الثقافة الغربية الغريبة إلى بلد عربي!

قد يرى البعض في ما فعلته مليونيرة بريطانية منذ فترة أمرا طريفا، لأنها أنفقت عشرات الآلاف من الجنيهات المصرية على حفل زفاف دميتين على شكل دب، متحملة كامل مصاريف إقامة وسفر ضيوفها البريطانيين، بالإضافة إلى نفقات إقامة العروسين بجناح خاص سبق أن أقام به الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي برفقة زوجته، في فندق فاخر مطل على نهر النيل.

وقد يفتح هذا الخبر الغريب بابا للتندر والسخرية، لكنه من المضحكات المبكيات، فأن تترك سيدة فاحشة الثراء مجتمعها المبارك لمثل هذه الشطحات وتسافر ومدعويها للاحتفال بزفاف دميتين إلى بلد يسجل نسب رهيبة في الطلاق والعزوف عن الزواج، فإنها المؤامرة بعينها.

وقد يتحول المشهد الطريف إلى نقمة مبيتة من قبل القائمين على خدمة حفل تصرف فيه ألاف الجنيهات على دميتين في المقابل تزف المئات من الفتيات في صمت يضاهي القبور التي غالبا ما يتخذن منها جناحا خاصا قد لا يفارقونه مدى الحياة.

الحقيقة، مخيلتي الخبيثة لا يكاد يهدأ لها بال تريد التقاط مشهد مسقط من الخبر حول كيفية تمضية الدميتين لليلة الدخلة بجناح سركوزي؟ أي شعور كان الطاغي، فرحة اجتماع الحبيبين أم المبيت على فراش نامت عليه من قبل أجساد أثرياء العالم؟

لكن لعل السؤال الأهم لماذا ركزت هذه السيدة على فخامة وروعة المكان الذي حلت به وضيوفها ولم تفكر ولو للحظة بحال أهله وتدني ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية؟

المصريون لا ينتظرون هبة من أحد فهم يلعنون في سرهم وعلنهم أبو الفقر وسننه ويتسلحون بقولة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب “لو كان الفقر رجلا لقتلته”، ويمضون في تحصيل قوتهم شامخين مقبلين على الحياة غير مدبرين.

وللحياة في كل ركن من أركان أم دنيا طعم خاص يفوح بروائح كد وجد أهله، وهكذا هي سمة حياة أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة بكل أقطار العالم العربي، صراع من أجل البقاء والانتصار في حرب تخوضها ضدهم كل ظروف الحياة القاسية التي تقودها قلوب رخامية متحجرة لا هم لها غير جمع شمل كل ثروات العالم العربي في جيب واحد.

ولو طلب من السيدة الغنية تزويج رهط من المعوزين لكانت التقطت آلاف الصور التذكارية التي توثق هبتها العظيمة ونشرت غسيلهم بين الدول وتفننت في سخائها أمام عدسات الكاميرا، دون أن يطال كرمها الحاتمي فردا منهم.

لكن لا أحد من أهل البلد أو من بلدان الجوار بانتظار من يمن عليه بزيجة جماعية أو ختان جماعي حتى يفاقم إحساسه بالدونية ويعمق صلته بالفقر والخصاصة.

لم يخطئ الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي حين قال “إن الفقر ليس خطيئة وإنما الخطيئة أن يكون المرء غنيا فيُهين الآخرين”، وباعتقادي أن هذه السيدة أهانت نفسها بالدرجة الأولى حين صرفت وقتها ومالها لتكشف عن هشاشة ارتباطها بحياة أعمق في تفاصيلها من لحظات فرح مسترقة من قصص الخرافات والأساطير.

21