رفسنجاني: غياب تاجر الفستق الذي ينذر بسقوط الثورة

علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الشخصية السياسية الإيرانية التي غيّبها الموت الأسبوع الماضي، تفقد برحيله طهران رؤيتها السياسية المتوازنة والمعتدلة التي دعت إلى الإصلاح وتجرّأت على نظام سلطوي متشدد لمحاولة إضفاء نفس إصلاحي على تركيبات النظام وفق ما عرف به من واقعية وعقلانية نجم عنهما اتفاق تاريخي مع الولايات المتحدة لإيمانه بأن “عالم الغد هو عالم مفاوضات وليس عالم صواريخ”، وأن التفاوض لا يعني بالضرورة الخضوع، ولتدعيمه التيار الإصلاحي سيحتاج ائتلاف الإصلاحيين في غيابه إلى إعادة ترتيب أوراق تحالفاته، كما أنه برحيل “عرّاب” كل التحولات السياسية في إيران ربما سيؤدي ذلك إلى انزلاقات نحو المجهول.
الاثنين 2017/01/16
هل كان حقا معتدلا؟

طهران - تعددت الأوصاف التي ألصقت بعلي أكبر هاشمي رفسنجاني خلال 40 عاما هي عمر حياته السياسية في إيران. فالرجل الذي رحل هو جزء من حكاية الثورة الإسلامية التي قادها الخميني في إيران، وهو جزء من كواليسها السوداء وما ارتكبته (الثورة) من آثام ضد إيران والإيرانيين والمنطقة برمتها. ومع ذلك لا يلحظ المراقب إلا الرواية التي تتحدث عن اعتدال ووسطية، رغم أن في ذلك الوجه ماكيافيلية عميقة متجذّرة كأساس لعقلية الرجل في ممارسة السياسة وتولي السلطة وتوسيع النفوذ.

أجاد رفسنجاني، ابن رفسنجان التابعة لمحافظة كرمان، ببراعة الخلط بين الأداء السياسي والتمارين الدينية الإيمانية التبشيرية. وتراكمت مناصبه منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

ورغم شهرته الواسعة سواء بزعامته للبرلمان الإيراني أو توليه لرئاسة الجمهورية في ما بعد، فإن تقلده لمناصب أخرى، لا سيما رئاسته لمجلس تشخيص مصلحة النظام في العديد من المرات، تواكب دائما مع إطلالاته كخطيب جمعة مفوّه يدلي من خلاله منابر الدين بدلوه في تعبيد سبل ما يريده في السلطة وما لا يريده في الخصوم.

وبناء على تلك الحرفة وانطلاقا من تلك المهارة حفر رفسنجاني طريقا مميّزا مقلقا مستفزا ندر أن فك طلاسمه خبراء الحكم في إيران.

قد يصعب التكهن بما إذا كان لقب “ثعلب” السياسة في إيران، الذي رافق رفسنجاني حتى مماته، هو مديح يشيد بخصال أم هجاء يشي بسوء في شخصه. فالرجل لامس برشاقة حدود الطوباوية الإيمانية وحدود الانتهازية الفجّة. هو واحد من تسعة أبناء لمزارع ثري عمل في حقول الفستق. حمل روائح الزرع وتجارة الفستق إلى صفوف الدراسة حين التحق بالتعليم الديني وهو في سن الـ14 من عمره. في مدارس الدين تلقى علومه على يد آية الله الخميني لينضم إلى المعارضة التي قادها الإمام عام 1963.

رفسنجاني حول البرلمان إلى صمام أمان يحمي الثورة من أمراضها وتناقضاتها، وكان مواكبا وربما عرابا لكل التحولات السياسية في البلاد

وما بين ما نعرفه من يومياته الأولى مع أول مرشد للثورة إلى ما نعرفه قبيل وفاته مناكفا للمرشد الثاني، أن الماكيافيلية وهي نهجه وفلسفته وعقيدته، وما كتبه صاحب “الأمير” أتاح له البقاء والنجاة من مصائر أنهت حياة أو حضور رفاقه الأوائل في “الثورة الإسلامية”. غاب الرجل وعمره 82 عاما. وكما في حكايات عيشه وألغازها، كثيرة هي تأويلات وفاته واحتمالات أسبابها.

رحيل رفنسجاني

نعت طهران رسميا الرجل وأعلنت وفاة من “قضى حياته يخدم نهج الإسلام والثورة”. وأعلنت الحداد لمدة 3 أيام، وأكرمت بهذه المناسبة نجله مهدي بأن أخرجته من السجن مؤقتا، مذكرة بمناسبة الوفاة بما أخذته “الثورة الإسلامية” على الراحل، وبما طال غضبها من عقوبات طالت الابن والابنة (فائزة) التي أريد منها تكبيل الوالد بسمعة فساد تجهض طموحاته التي لا تتوقف، للتسلق نحو الزعامة المطلقة.

تتعدد وجوه رفسنجاني، ولخصومه ما يبرر وصفه بأنه مخادع ينهل من خطاب الثورة من أجل مصالحه الخاصة.

حتى أن الدارسين لشؤون إيران يتحدثون عن دفاعه عن المحرومين، فيما ثرواته تتراكم متناسلة من استخدامه لنفوذه لممارسة فساد لطالما اعتبر جزءا من حنكة السياسي العتيق. حتى أن واحدا من المراقبين الغربيين يروي أنه كان انتهازيا مستعدا أن يفعل أي شيء مستغلا نفوذه من أجل تعبئة حساباته المصرفية.

لكن موت رفسنجاني يكشف حالة موت تعاني منها طبقة من الجيل الأول لرجال الدين الذين هيمنوا مع الخميني على الجمهورية الإسلامية.

هناك أسماء ماتت وهناك من مات مع وقف التنفيذ. فحتى المرشد الحالي علي خامنئي، الذي سيبلغ 78 عاما هذه السنة، هو في حالة موت حتى لو بدا أن إطلالاته وتصريحاته تروم عكس ذلك.

أجريت للمرشد عملية استئصال لسرطان البروستات عام 2014 ومذاك يتراكم الحديث عن خليفته أو عن مصير ولاية الفقيه.

تبوأ خامنئي منصبه عام 1989. لم يكن من المحتملين في هذا المنصب، لكن ذلك “الثعلب” رفسنجاني رتب أمر ذلك ورسم سيناريوهاته. كان في بال “تاجر الفستق” أن يأتي بسقف ضعيف يسهل تطويعه، إلا أن تلك التجارة فسدت وخسر رفسنجاني الصفقة وتحوّل خامنئي إلى سقف صلب وضع حدا نهائيا لأطماعه.

يموت رفسنجاني وهو جزء من طبقة رجال الدين الذين يتحكمون برقاب الإيرانيين منذ العام 1979.

أغلبية المواطنين، أي أغلبية الناخبين، ولدوا بعد قيام “الثورة”، بما يعني أن الهوة سحيقة ليست مع جيل فقط بل مع أجيال ثلاثة.

غاب رفسنجاني وسيغيب رفاقه جميعا خلال العشر سنوات المقبلة. في إيران من يهمس بخبث “الموت هو السبيل الوحيد لإزاحتهم عن السلطة”. وبموت رفسنجاني تتفكك عقدة من عقد النظام السلطوي.

لكن الأدهى أن صماما من صمامات أمن النظام وديمومته يسقط مع رحيل الرجل. فبقدر ما كان الرجل يمثل تيارا مقلقا لـ”المحافظين”، إلا أنه لا يصنف في عداد الإصلاحيين الذين حاصرهم النظام السياسي وقيّد حركتهم.

واقعية وعقلانية

أجاد رفسنجاني تقديم نفسه ضرورة للمتشددين وضرورة للمعتدلين. وهو بين هذا وذاك تعايش بدهاء مع تعقيدات التركيبة السلطوية، وبقي عائما يسبح على سطوحها.

رحيل رفنسجاني عزز قلق الأوساط الشعبية

لم يكن رفسنجاني خارج دوائر المواسم الدموية الأولى لنظام الثورة في إيران. دخل سجون الشاه أربع مرات على الأقل، وربما تلك التجربة المريرة غذّت لديه عطشا للانتقام ومباركة حملات التطهير والإعدامات التي طالت رجالات النظام السابق بعد الثورة.

لا وثائق تبرئ الرجل من آثام تلك المرحلة، لكن ما يشتهر به ليس “عادية” انخراطه في التصفيات الدموية “الضرورية في أي ثورة”، بل واقعيته وعقلانيته في مقاربته لشؤون الحكم وأصول إدارة الدولة.

ولئن انشغل عالم اليوم بالاتفاق النووي مع إيران، فإن رفسنجاني نفسه هو من عمل على اقتناء بلاده لتكنولوجيا الصناعة النووية في جانبيها المدني والعسكري من روسيا وباكستان. ورغم طباعه “الدولاتية” (نسبة للدولة)، فإن عواصم العالم لم تبعده عن ميادين الإرهاب في أخطر صوره.

أتى على ذكره المحققون في الأرجنتين في ملف تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، والذي أدى إلى سقوط 12 ضحية، فيما أشار مدعون عامون في ألمانيا إلى صلات له في عمليات اغتيال منشقين إيرانيين في أوروبا.

قد تكون تلك الاتهامات زعما وادعاء، لكن منطق الأمور يقود ربما إلى استنتاج حاجة رفسنجاني لتثبيت إنجازات دموية دفاعا عن “الثورة”، من أجل التجرؤ على تقديم أطروحات معتدلة دفاعا عن نفس الثورة.

قاد رفسنجاني حملة واقعية لإعادة وصل روابط ما بين طهران وواشنطن. تلك الواقعية تقف وراء ما عرف بـ”إيران غيت”، المثلثة الأضلاع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة عام 1985.

ينقل عنه إقراره بأنه كتب للخميني يدعوه إلى إعادة التفكير في السياسة المعتمدة مع “الشيطان الأكبر”، معتبرا وفق ما كتب “أن هناك طرقا صعبة لذلك، وإذا لم تسعفنا في اجتيازها، فسيكون صعبا علينا اجتيازها من بعدك”.

قيل أيضا إنه طالب بالوصل مع واشنطن كما هو حال الوصل الجاري بين طهران وموسكو وبكين، وبأنه دعا المرشد الأول للثورة إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، معتبرا أن التفاوض لا يعني الخضوع.

لم يكن الأمر جدلا نظريا فقط، بل إن مكتب رفسنجاني هو الذي أشرف على المفاوضات التي جرت مع حزب الله في لبنان لإنهاء أزمة الرهائن الأميركيين الذين خطفهم الحزب ما بين عامي 1984 و1991.

وبناء على طي هذا الملف باتت خطوط التواصل مفتوحة بين طهران وواشنطن. منذ عهد الخميني أدرك رفسنجاني أن العالم يدار بالتفاوض، وهو، وفي قلب أزمة العالم الأخيرة مع برنامج الصواريخ الإيرانية، غرّد مستفزا رأس السلطة “عالم الغد هو عالم مفاوضات وليس عالم صواريخ”.

الدعوة إلى الإصلاح

انتهت الحرب العراقية الإيرانية لأن رفسنجاني أقنع الخميني عام 1988 بتجرع “الكأس المر”. وانطلاقا من موقعه كرئيس للجمهورية بعد ذاك أطلق الرجل حملة إعمار ما هدمته 8 سنوات من الحرب.

روّج للقطاع الاقتصادي الخاص وعادى التدخل الكثيف للدولة في الاقتصاد. لكنه في السنوات الأخيرة لم يتوقف عن التبشير بضرورة الذهاب إلى إصلاحات سياسية تتيح المزيد من حرية التعبير والحريات وإطلاق يد المجتمع المدني.

تلطّى رفسنجاني كثيرا على جملة شهيرة مفادها أن “على الدولة أن تبقى على قيد الحياة لإنجاح أفكار الثورة”.

وبمعنى آخر فإن الرجل اعتبر أن دعواته الإصلاحية لا تهدف إلى تقويض الثورة بل للحفاظ عليها.

من خبر رفسنجاني يعرف أنه لم يكن منظّرا، حتى أن من كان يستمع إليه وهو يلقي محاضرات في الاقتصاد كان يستنتج أن مضمون ما يقوله فارغ لا يتصل بعلم. وحين سئل أحد العارفين حول فحوى ما يقول كان الجواب دائما “هو كلام تاجر فستق”.

يحكى أن رفسنجاني كان شديد الإنصات لمحدثيه وأنه حين كان رئيسا للبرلمان حوّل “المجلس″ إلى الميدان الأكثر انفتاحا داخل النظام السلطوي الإيراني.

كان ممثلو المجتمعات التي تتشكل منها “الأمة” الإيرانية، وما أكثرها بين إثنيات وقوميات وطوائف ومذاهب، يجدون مكانا للقول لكن أيضا يجدون رجلا يستمع إليهم.

موت رفسنجاني يكشف حالة موت تعاني منها طبقة من الجيل الأول لرجال الدين الذين هيمنوا مع الخميني على الجمهورية الإسلامية

حوّل رفسنجاني البرلمان إلى صمام أمان يحمي الثورة من أمراضها وتناقضاتها. وكان مواكبا، وربما عرابا، لكل التحوّلات السياسية في البلاد. فهو من ابتدع بعد وفاة الخميني عام 1989 منح رئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذية بعد نجاحه في هندسة إلغاء منصب رئيس الوزراء. وعمليا فقد اخترع رفسنجاني المنصب على قياسه واحتله لولايتين من العام 1989 إلى العام 1997.

وبحذاقة رفع رفسنجاني خامنئي إلى منصب المرشد، ربما لأن اعتزازه بقدراته ومواهبه أغشى بصيرته عما يستطيع المرشد الجديد أن يحيكه.

عزز خامنئي سلطانه وسلطاته معتمدا على دعم الحرس الثوري، فيما استند الأخير على رعاية الولي الفقيه وبقيت خصومة الرجلان واضحة وعضوية. فحتى في نعي الرجل أسقط المرشد رتبة “آية الله” عن الراحل وتحدث عنه بصفته “حجة الإسلام”.

وحين ترشح رفسنجاني عام 2000 ليكون من ضمن المقاعد الثلاثين المخصصة لطهران، حلّ في المرتبة الأخيرة (الثلاثين). اعتبر أن في الأمر إهانة لا يحتملها غروره، فاستقال.

وحين ترشح للرئاسة للمرة الثالثة عام 2005 ضد محمود أحمدي نجاد، فاز الأخير وكان يشغل حينها منصب عمدة طهران، ومن أسباب فوزه آنذاك اعتباره أقل فسادا من منافسه. لم يرتدع رفسنجاني وأعاد الترشح عام 2013، لكن مجلس صيانة الدستور أقصاه هذه المرة عن هذا الترشح.

العارفون والمطلعون على شخصية الرجل يروون شغفه بالزعامة التي كان يسعى إليها، وهو وإن كان يطرق باب الرئاسة، فإن قلبه كان يهوى منصب المرشد.

سعى للاجتهاد حول نظرية ولاية الفقيه ومستقبل منصب الولي في إيران، ذلك أن مطارقه كانت تنهش في جسم موقع لا يحتله على أن تعاد تلك المطارق إلى خزائنها حين يقيض له أن يصبح الولي الفقيه للجمهورية.

بوفاة رفسنجاني تسقط آخر ورقة توت كانت تستر عورات نظام الولي الفقيه. رحل صمام أمان الثورة وبات الثوار مكشوفين أمام بعضهم البعض، كما سقطت الصفوف التي كانت تؤجل صراع الأجيال. قد لا يكون الأمر سقوط رجل فقط، بل سقوط عهد ومرحلة وانزلاق إلى مجهول.

7